الفصل 18 / 25

لقاء الأرواح 179

رسائل الماضي وخطوات المستقبل

بقلم فاطمة النجار

بعد مرور أيامٍ على رحيل والدها، استقرّت لينا ووالدتها في محيطٍ من الصمت المشوب بالحزن. لم تكن الأيام مجرد أيامٍ تمر، بل كانت معاركٌ يوميةٌ تخوضها لينا مع نفسها، مع أشباح الماضي التي بدأت تتكشف أمامها. حافظت على رباطة جأشها أمام والدتها، لكن داخلها كان عاصفاً. الصندوق الصغير، ولفافة الورق القديمة، والحجر الكريم الداكن، باتت عالقةً في ذهنها كأحجيةٍ غامضةٍ تنتظر من يفك رموزها.

لم تكن تجرؤ على فتح الصندوق مرةً أخرى، خوفاً من ما قد تجده، ومن أن تلفت انتباه أحدٍ ما. لكنها لم تستطع تجاهل ما قاله والدها. "الأرض... تحمل في جوفها سراً قديماً... يتعلق بعائلتنا، بأصولنا."

كانت تتذكر جيدا رحلات والدها المتكررة إلى الأراضي الزراعية القديمة للعائلة، تلك البقعة الشاسعة التي تقع على أطراف الصحراء، والتي طالما اعتبروها موطناً لطيور الحجل وبعض الأشجار البرية. لم يكن هناك ما يوحي بوجود سرٍ عظيم. ولكن ماذا لو كان السر مخفياً تحت الأرض؟

في أحد الأيام، وبينما كانت والدتها غارقةً في أحزانها، تسللت لينا إلى مكتب والدها مرةً أخرى. فتحت الصندوق هذه المرة بجرأة، وتناولت لفافة الورق. نظرت إلى الرموز المرسومة عليها، وبدأت تبحث في الأدراج عن أي شيءٍ يمكن أن يساعدها في فك شفرتها.

لم تجد شيئاً سوى كومةٍ من الأوراق القديمة، صورٍ عائليةٍ باهتة، وبعض الرسائل التي كتبتها والدتها لوالدها قبل زواجهما. وبينما كانت تقلب في إحدى تلك الرسائل، سقط منها ورقةٌ صغيرةٌ مطوية. كانت ورقةً تبدو مختلفة، مكتوبةً بخطٍ يدويٍ يشبه خط والدها، لكنه أقدم.

"ابنتي الغالية لينا،" بدأ الورقة، "إذا كنتِ تقرأين هذا، فهذا يعني أني قد غادرتُ هذا العالم، وأنكِ قد واجهتِ الحقيقة التي حاولتُ مراراً إخفاءها عنكِ. العالم ليس كما يبدو، والحقيقة أحياناً تكون مؤلمةً أكثر من أي وهم. لقد ورثنا أرضاً، لكننا ورثنا معها مسؤوليةً وثقلاً. السر الذي تحمله الأرض ليس كنزاُ مادياً، بل هو ذاكرةٌ، قصةٌ، مفتاحٌ لفهم وجودنا. هذه الرموز التي ترينها، هي لغةٌ قديمة، لغةٌ كتبها أجدادنا، لغةٌ تحمل أسرارهم، حكمتهم، وطرقهم في حماية ما هو مقدس. القطعة المعدنية التي وجدتها، هي المفتاح. المفتاح ليس لمكانٍ مادي، بل هو مفتاحٌ لفهمٍ أعمق، لحقيقةٍ أقدم. لا تدعي الظلام ينتصر، ولا تثقي بالكلمات الحلوة التي تخفي نوايا سيئة. استعيني بالحكمة، وبالقلب النقي. ابحثي في السجلات القديمة، في سجلات العائلة، قد تجدين ما يشير إلى مكانٍ أو شخصٍ يمكنه مساعدتكِ. والدكِ المحب، أحمد."

ذُهلت لينا. "أحمد"! هل كان هذا هو اسم والدها؟ لقد عرفته دوماً باسم "عبد الرحمن". من هو هذا "أحمد"؟ هل كان شخصاً آخر؟ أم أن والدها كان له اسمٌ سري؟

بدأت العقد تتشابك. كانت والدتها قد تحدثت عن زوجها، عن عبد الرحمن، الرجل الذي أحبته، والرجل الذي رحل. هل كان هذا "أحمد" شخصاً آخر، أو أن الاسم الذي عرفته عنه لم يكن اسمه الحقيقي؟

ثم عادت لتتذكر أحمد، الشاب الذي دخل حياتها مؤخراً. هل كان هناك أي صلة؟ هل كان هذا الشاب هو نفسه "أحمد" الذي كتب لها الرسالة؟ لكن كيف؟ ومن أين جاء؟

شعرت لينا بدوارٍ مفاجئ. كل شيءٍ كان غامضاً، معقداً. كان عليها أن تعيد النظر في كل شيءٍ تعرفه.

اتجهت لينا نحو قسم السجلات القديمة في مكتب والدها، بحثاً عن أي شيءٍ يتعلق بـ "أحمد" أو بـ "الأرض" المذكورة. بدأت تقلب في ملفاتٍ قديمة، مجلداتٍ جلديةٍ مهترئة، تعود لعقودٍ مضت. كانت تتخيل أن جدها أو جد والدها ربما قد تركوا وراءهم شيئاً.

بعد ساعاتٍ من البحث المضني، وقعت عيناها على مجلدٍ صغيرٍ يحمل عنواناً غريباً: "سجلات الأرض المباركة". فتحته بفضول. كانت الصفحات الأولى تحتوي على خرائط قديمة للأرض الزراعية، مع كتاباتٍ بلغةٍ لا تعرفها. لكنها لاحظت أن هناك بعض الأسماء تتكرر، أسماءً عربيةً قديمة.

ثم وجدت ما جعل قلبها يقفز. سطرٌ مكتوبٌ بخطٍ واضح، يبدو أحدث من بقية السجلات: "في هذا المكان، تحت ظل الشجرة العتيقة، يرقد مفتاح الحكمة، ورابطة الأجيال. من يجد الأثر، يجد الطريق. أمانةٌ من أحمد إلى ذريته."

"أحمد"! إنه نفس الاسم. هل كان والدها حقاً يدعى أحمد؟ أم أن هناك شخصاً آخر بهذا الاسم كان له دورٌ في حماية هذا السر؟

بدأت تتساءل عن هوية هذا "الشاب" الذي ظهر في حياتها. هل كان هو من ترك لها الرسالة؟ هل كان هو من يعرف شيئاً عن هذا السر؟

استحضرت كلماته، نظراته، كيف كان يتحدث عن عائلتها باهتمامٍ مريب، وكيف كان يعرف بعض التفاصيل عن حياتهم لم يكن من المفترض أن يعرفها. هل كان كل هذا مجرد تمثيلية؟

قررت لينا أن تذهب إلى الأرض الزراعية. لا يمكنها البقاء في هذا الجمود. عليها أن ترى بعينيها، أن تبحث بنفسها.

تسللت من المنزل في وقتٍ مبكرٍ من صباح اليوم التالي، دون أن تخبر والدتها. أحضرت معها الصندوق الصغير، مع المفتاح المعدني. لم تكن تعرف ما الذي تبحث عنه بالضبط، لكنها شعرت بأن المكان يحمل الإجابة.

وصلت إلى الأراضي الزراعية. كانت الشمس قد بدأت ترتفع، تلقي بظلالٍ طويلةٍ على الرمال. المكان كان هادئاً، موحشاً تقريباً، باستثناء صوت الرياح. اتجهت نحو الشجرة العتيقة التي ذكرتها السجلات. كانت شجرةً ضخمة، جذورها متشابكة، وأغصانها ممتدةً كأذرعٍ حانية.

بدأت لينا تبحث حول الشجرة. لم تجد شيئاً سوى الحجارة والرمال. نظرت إلى المفتاح المعدني في يدها. كان غريباً، لم يشبه أي مفتاحٍ عادي. ثم لاحظت شيئاً. كان هناك حفرةٌ صغيرةٌ في إحدى جذور الشجرة، بالكاد تكون مرئية.

بتردد، وضعت المفتاح في الحفرة. لم يحدث شيء. شعرت بخيبة أمل. هل كانت كل هذه مجرد أوهام؟

ولكن، وفجأة، ومع دوران خفيف للمفتاح، سمعت صوت طقطقةٍ خفيفة، وانفتح جزءٌ صغيرٌ من الأرض تحت الشجرة، يكشف عن فتحةٍ صغيرةٍ تؤدي إلى الأسفل.

اتسعت عينا لينا. هذا هو السر الذي تحدث عنه والدها. هذا هو ما كان يحاول حمايته.

ترددت للحظة. هل تدخل؟ هل هي مستعدةٌ لمواجهة ما قد تجده في الأسفل؟

لكن صوت والدها، كلماته الأخيرة، دفعها إلى الأمام. "لا تدعي الظلام ينتصر."

نظرت إلى السماء، ورفعت يديها في دعاءٍ صامت، ثم نزلت إلى المجهول.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%