أحبك رغم المسافة 180

الصقر والعين الحزينة

بقلم سارة العمري

كانت عينا سيف الدين، الصقر الذي يحلق فوق سماء الرياض، ترصدان كل حركة، كل همسة، كل زلّة قدم. لم يكن مجرد مسؤول أمن رفيع المستوى، بل كان عيناً للسلطان، وأذناً للحق، وسيفاً للعدل. في تلك الليلة، كانت سماء الرياض تضيء بنجوم خافتة، وكأنها تتهيب ما تخفيه الظلمة. ترجل سيف الدين من سيارته الفارهة أمام قصر الأمير، الذي يخترق ضوء القمر قرميده العتيق، ويُبرز نوافذه المتلألئة كعيون ساهرة. استقبلته حشود من الحرس، وقد ارتسمت على وجوههم المهنية هالة من الهدوء المصطنع، يخفي وراءه ترقباً شديداً.

"ليلة سعيدة، سيدي الأمير"، قال أحد الحراس وهو يفتح له الباب بوقار.

"ولكم أيضاً"، أجاب سيف الدين بصوت هادئ، لكنه كان يحمل نبرة السلطة التي يعرفها الجميع. دخل القصر، والأصداء الخافتة لأقدامه تتردد في الدهاليز المزينة بلوحات فنية تحكي قصص أمجاد غابرة. لم يكن حضوره في القصر لغرض احتفالي، بل لمهمة تتطلب يقظته القصوى. كان قد تلقى معلومات دقيقة عن مخطط يهدد أمن إحدى الشخصيات الهامة، وهذا الشخص هو ولده الوحيد، الأمير الشاب فهد.

"أين الأمير فهد؟"، سأل سيف الدين وهو يمر ببهو واسع، زينته نافورة صغيرة تعزف لحناً هادئاً من الماء.

"في جناحه، سيدي. في انتظاركم"، أجاب أمين سر الأمير، وهو رجل في منتصف العمر، شعره يميل للبياض، وعيناه تحملان قلقاً ظاهراً.

صعد سيف الدين الدرج المهيب، الذي تزينه نقوش عربية أصيلة. في كل خطوة، كان يشعر بثقل المسؤولية يزداد. لم تكن هذه المرة الأولى التي يدافع فيها عن أهله، لكن هذه المرة كان الأمر يختلف. كان يدور حول ابنه الوحيد، قطعة من روحه، مستقبل عائلته. وصل إلى باب جناح فهد، وطرق ثلاث طرقات منتظمة.

"تفضل"، جاء صوت فهد، شاب في أوائل العشرينات، صوته يحمل مسحة من التعب.

دخل سيف الدين. كان الجناح فسيحاً، يغلب عليه طابع البساطة الأنيقة. على المكتب، تكدست بعض الكتب الفقهية وكتب التاريخ، إلى جانب جهاز حاسوب محمول مفتوح. كان فهد جالساً على كرسي جلدي فاخر، وعلى وجهه تعابير تجمع بين الجدية والهدوء. كانت عيناه، اللتان تشبهان عيني أمه الراحلة، تحملان حزناً عميقاً، وكأنهما تختزنان قصة لم تكتمل.

"ليلة سعيدة يا بني"، قال سيف الدين وهو يجلس مقابله.

"ولكم يا أبي"، أجاب فهد، وعينه تتجه نحو والده، ثم تعود لترنو إلى نقطة غير مرئية في الفراغ.

"علمت أنك تلقيت بعض التهديدات"، قال سيف الدين مباشرة، ولم يحبذ المقدمات الطويلة.

تنهد فهد وقال: "نعم، وصلتني بعض الرسائل. لا أعرف من أين تأتي، أو ما هو مغزاها".

"لا تقلق. نحن هنا لنحميك"، طمأن سيف الدين، لكن نبرته كانت تخفي قلقاً لا يقل عن قلق ابنه. "هل تعرف أي أحد يمكن أن يكون له مصلحة في إيذائك؟"

تردد فهد قليلاً. "لا أعرف يا أبي. أنا فقط أحاول أن أعيش حياتي بهدوء، أدرس، وأعمل في إدارتي. ليس لدي أعداء".

"الحياة ليست دائماً بهذه البساطة يا فهد. أحياناً، تكون أفعالنا، حتى وإن بدت بسيطة، قد تثير حفيظة الآخرين. هل حدث شيء مؤخراً في عملك؟ هل تحدثت مع أحد بشكل خاص؟"

نظر فهد إلى الأرض، ثم رفع عينيه نحو سقف الغرفة. "ربما... ربما حدث شيء. منذ أسبوعين، كنت أتابع مشروعاً هاماً يتعلق بتوزيع مساعدات مالية على الأسر المتعففة. اكتشفت بعض التجاوزات في توزيعها، وبعض الأموال ذهبت إلى جيوب غير مستحقة. حاولت معالجتها، لكنني واجهت بعض المقاومة".

"مقاومة؟ من؟" سأل سيف الدين بانتباه شديد، وقد بدأ ينسج خيوط المؤامرة في ذهنه.

"بعض الأشخاص في الإدارة. رفضوا التعاون معي، بل وهددوني بشكل مبطن. قالوا لي إنني أتدخل فيما لا يعنيني".

"هذا هو الخيط الذي كنا نبحث عنه"، قال سيف الدين بصوت خافت. "ما أسماء هؤلاء الأشخاص؟"

بدأ فهد يسرد بعض الأسماء، وبعضهم كان لسيف الدين سمعة عنهم. رجل أعمال فاسد، مسؤول رفيع المستوى لديه سجل حافل بالفساد، وشخصية غامضة تعمل خلف الكواليس. كل اسم كان يضيف طبقة جديدة من التعقيد للمشكلة.

"هل لديك أي دليل؟ أي مراسلات؟" سأل سيف الدين.

"لدي بعض رسائل البريد الإلكتروني، وبعض التقارير التي أعددتها. لكنني لم أكن أتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد".

"لا بأس. سنجمع كل شيء. الأهم الآن هو أن تبقى آمناً. سأقوم بتكثيف الحراسة حولك، ولن تخرج من القصر إلا بصحبة فريق أمني مخصص. هل تفهم؟"

أومأ فهد برأسه. "أفهم يا أبي. لكنني أشعر بالأسف أنني سببت لك كل هذا القلق".

"هذا واجب الأب يا بني. ودوري كحامٍ لمجتمعي. أنت لست مجرد ابني، بل أنت جزء من هذا المجتمع الذي أحميه. ألا يوجد شيء آخر يقلقك؟ شيء تشعر به ولا تستطيع أن تقوله؟"

نظر سيف الدين إلى عيني فهد الحزينتين. كان يعرف أن وراء هذا الحزن قصة أعمق، قصة ربما لا تتعلق بالفساد والمؤامرات فقط. كان يعرف أن فهد يحمل ذكرى والدته الراحلة، وأن رحيلها ترك في روحه فراغاً لم يمتلئ.

"لا يا أبي، لا يوجد شيء آخر"، قال فهد ببطء، وكأنما يحاول إقناع نفسه قبل والده. "فقط... أحاول أن أعتاد على الحياة بدونها".

"أعلم يا بني. وأعلم أن هذه فترة صعبة. لكن تذكر أن الله معنا، وأن الصبر مفتاح الفرج. وأن هناك دائماً نور في نهاية النفق. هل فكرت في الزواج؟ ربما الزواج يعطيك شعوراً بالاستقرار والسعادة؟"

ارتعش جسد فهد قليلاً، لكنه حافظ على رباطة جأشه. "ليس الآن يا أبي. لا زلت أشعر أنني غير مستعد. أريد أن أجد نفسي أولاً".

"حسناً. سأحترم قرارك. لكن لا تدع الحزن يستهلكك. تذكر أن الحياة جميلة، وأن هناك دوماً أشياء تستحق العيش من أجلها. هل تعرف السيدة عائشة؟ حفيدة الشيخ عبد الله؟ سمعت أنها فتاة صالحة وملتزمة. ربما... ربما قد تكون خياراً جيداً لك في المستقبل."

تورد وجه فهد قليلاً. "لقد رأيتها مرة في مناسبة. فتاة مهذبة حقاً".

"جميل. سأتحدث مع والدها. لكن ليس الآن. الأهم الآن هو سلامتك. هل تطلب أي شيء؟"

"فقط... أن تدعو لي بالتوفيق في كشف هذه القضية".

"سأدعو لك، وسأقف معك. الآن، اذهب لترتاح. سأترك معك بعض الحراس. وسأكون على اتصال دائم بك."

نهض سيف الدين. بينما كان يغادر الجناح، التفت لينظر إلى فهد. كان يرى في عينيه خليطاً من الشجاعة والضعف، الأمل والخوف. وكان يعلم أن هذه الرحلة التي سيبدأها فهد لكشف الفساد، ستكون رحلة تتطلب منه الكثير، رحلة قد تغير حياته، وربما حياتهم جميعاً. بينما كان يتجه إلى باب الخروج، لمحت عينه بريقاً خافتاً على جانب المكتب، كان شيئاً لامعاً، يبدو كقطعة مجوهرات صغيرة. توقف للحظة، ثم أكمل طريقه. كان عليه أن يركز على المهمة الأساسية: حماية ابنه، وكشف الحقيقة. لكن بقايا فضوله كانت تدفعه للتفكير في ذلك الشيء اللامع، وفي الحزن العميق الذي يختبئ في عيني فهد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%