أحبك رغم المسافة 180
لقاء الغد القلق وتمازج الأحلام
بقلم سارة العمري
اجتمع يوسف مع ليلى في مقهى هادئ في وسط المدينة، بدعوة منها. كانت تنتظره على طاولة عند النافذة، ترتدي حجابًا بسيطًا بلون السماء، وعينين تشعان ببريق الوعي والاهتمام. لم تكن ابتسامتها المعتادة تزين وجهها، بل كانت هناك لمحة قلق خفيفة، لكنها لم تخفِ دفء حضورها.
"أهلاً يوسف." قالت بصوتها الرقيق، وفتحت ذراعيها لاستقباله. احتضنها يوسف برفق، مستشعرًا هدوءها الذي كان يسري في روحه.
"أهلاً بكِ يا ليلى. شكرًا لدعوتك."
"الشكر لك أنت. هذا الموضوع يؤلمني لأجلك ولأجل كل هؤلاء الناس الطيبين." جلست ليلى، وأشارت له بالجلوس. "لقد تحدثت مع والدي. يبدو أن الشركة التي تقف وراء هذا المشروع هي شركة 'الريادة العمرانية'، وهي شركة كبيرة جدًا ولها علاقات قوية. لكن والدي قال إن لديهم بعض النقاط الضعيفة. مثلًا، يهتمون بسمعتهم بشكل كبير، وأي حملة إعلامية أو ضغط شعبي قد يؤثر عليهم."
"هذا خبر جيد. على الأقل لدينا نقطة بداية." قال يوسف، وهو يشعر بأن بصيص الأمل بدأ ينمو في داخله.
"بالضبط. وقد اقترحت على والدي أن نبدأ بجمع معلومات دقيقة عن تاريخ هذه المباني، وعن الحرفيين الذين يعملون فيها، وعن أهمية هذه الورش بالنسبة للمجتمع. كلما كانت قصصهم أقوى وأكثر إنسانية، زادت فرصتنا في التأثير."
"وهل لديكِ فكرة كيف سنجمع كل هذه المعلومات؟" سأل يوسف.
"يمكننا تقسيم الأدوار. أنا سأركز على الجانب الإعلامي والتواصل مع الصحفيين المهتمين بقضايا التراث. وسأحاول أيضًا البحث عن محامين متخصصين في قضايا التراث والعقارات. أما أنت، فيمكنك أن تتولى التواصل المباشر مع الحرفيين، وجمع شهاداتهم، وتوثيق تاريخ ورشهم. يجب أن تكون قصصهم واقعية ومؤثرة."
"هذا يبدو عملًا شاقًا، لكنه ضروري." قال يوسف، وهو يتذكر الأيام الطويلة التي قضاها في الورشة مع والده وجده. كان يعرف أن كل ركن فيها يحمل قصة.
"الأمر ليس سهلاً، لكننا سنقوم به معًا." قالت ليلى، واعدةً إياه بنظرة مليئة بالإصرار. "لقد فكرت أيضًا في جانب آخر. أنت ذكرت أن المسافة بيننا قد تبدو أكبر الآن. هل هذا يعني أن الأمر معقد بالنسبة لك؟"
تردد يوسف للحظة. كان يريد أن يكون صادقًا معها، لكنه كان يخشى أن يبدو ضعيفًا أو متشائمًا. "ليلى، الأمر ليس أن المسافة بيننا تصبح أكبر، بل أن الظروف قد تجعل الأمور أكثر تعقيدًا. أنا أعمل في شركتي، وأبي يعتمد عليّ في شؤون الورشة. وجودي في المدينة سيكون ضروريًا لمتابعة هذا الأمر. وهذا يعني أنني لن أتمكن من زيارتك بنفس التكرار الذي اعتدنا عليه."
نظرت إليه ليلى بعينين تحملان فهمًا عميقًا. "أنا أفهم يوسف. وأنا مستعدة للتضحية. ربما يمكنني أن أحاول قضاء بعض الوقت في مدينتك، إذا كان الأمر يساعد. أو ربما يمكننا أن نجد طريقة أخرى للتواصل بشكل أكثر فعالية."
"وهل هذا ممكن؟ أن تأتي إلى هنا؟" سأل يوسف، وأحس بقلبه يخفق.
"ليس الآن بالتأكيد. لكن بعد أن نضع هذه الخطة موضع التنفيذ، وبعد أن نرتب أمورنا. أريد أن أكون قريبة منك، ليس فقط في الأوقات السعيدة، بل في أوقات الشدة أيضًا."
"ليلى..." لم يجد يوسف كلمات كافية للتعبير عن مدى تقديره وشكره. لقد منحته قوة لم يكن يتوقعها.
"لا تقل شيئًا. أنا أحبك، وهذا يكفي." قالت ليلى، وابتسمت ابتسامة أضاءت وجهها. "الآن، دعنا نعد إلى خطة العمل. ما رأيك في أن نبدأ بزيارة ورشة والدك، وبعض الورش الأخرى في أقرب وقت ممكن؟"
"فكرة ممتازة." وافق يوسف. "سنتحدث مع والدي، وسنحدد موعدًا مناسبًا."
بعد اللقاء، عاد يوسف إلى شقته وهو يشعر بتجدد في طاقته. كانت معركة الحفاظ على الورشة تبدو الآن أكثر قابلية للفوز. لم يعد الأمر مجرد صراع فردي، بل أصبح صراعًا مشتركًا، يحمل في طياته حبًا ودعمًا كبيرين.
تصفح هاتفه، وقرأ رسائل ليلى. كانت كلماتها تتردد في ذهنه: "أنا أحبك، وهذا يكفي." كانت هذه الكلمات هي الوقود الذي يحتاجه ليواصل. المسافة لم تعد تبدو حاجزًا، بل أصبحت تحديًا. تحديًا يجعله أكثر قوة، وأكثر إصرارًا على تحقيق أحلامه، وأحلام من يحب.
في تلك الليلة، كتب يوسف مذكرة لنفسه: "يجب أن أكون قويًا. يجب أن أحافظ على إرثي. ويجب أن أحافظ على ليلى. هذه المسافة، رغم أنها 180 كيلومترًا، لن تقف حاجزًا بيني وبين من أحب. بل ستكون شاهدة على قوة حبي وعزيمتي."