أحبك رغم المسافة 180

نسيم العودة ورائحة الخريف

بقلم سارة العمري

عاد عبد الرحمن إلى بيت العائلة بعد غربة امتدت لشهور طوال. لم تكن المسافة هي ما أثقل كاهله، بل ثقل المسؤولية التي حملها على عاتقه، ثقل مشروع يتيم، يحمل في طياته أحلام جده، وأمل والدته، ورجاءه الشخصي في بناء مستقبل يليق بتراثهم. كانت نسمة الهواء الأول التي استقبلته في مطار القاهرة تحمل رائحة الخريف المبكر، مزيجاً من تراب الأرض وعبق الياسمين الذي كان يعبق به بيتهم القديم. شعر بالارتياح يغمره، وكأن الأرض نفسها ترحب بعودته.

كان استقبال العائلة حاراً، ولكن خلف الابتسامات البريئة وعبارات الترحيب، كانت هناك نظرات تحمل مزيجاً من الفرح والقلق. أمينة، والدته، كانت الأكثر تعبيراً، عيناها تلمعان بدموع لم تستطع حبسها، وعناقها كان أشد ما يحتاجه. "حمداً لله على سلامتك يا بني، أشتقنا لك شوقاً لا يوصف." كانت كلماتها متقطعة، يعلوها شهيق حار.

"وأنا أشتاق لكم أكثر، أمي الحبيبة. الحمد لله الذي جمعنا مرة أخرى." رد عبد الرحمن وهو يشد على حضنها، مستشعراً دفء الأمان الذي لطالما وجده فيها.

كانت فاطمة، أخته الصغرى، تقف بجانبهما، عيناها تتلألآن بفضول الطفولة الممزوج بجدية مرحلة المراهقة. "أخيراً عدت يا ريس! أخبرنا، هل انتهت مهمتك؟ هل سنرى نجاح مشروع جدك قريباً؟"

ابتسم عبد الرحمن لتلقائيتها، "إن شاء الله يا فاطمة. كل شيء سيسير كما خططنا له، وبفضل الله ستكون نهاية سعيدة."

لكن في أعماق نفسه، كان يعلم أن الأمور ليست بهذه البساطة. كان هناك تحديات واجهها لم يتحدث عنها بعد، عقبات قانونية وتقنية، ومنافسة شرسة لم تكن في الحسبان. كان عليه أن يتأقلم بسرعة مع الواقع الجديد، وأن يوازن بين تحقيق تطلعات أهله وبين معالجة المشاكل التي قد تهدد مشروعه.

في الأيام التالية، غاص عبد الرحمن في تفاصيل مشروع جده. كان لديه هدف واضح: إحياء مصنع الأخشاب القديم الذي كان يوماً ما منارة للقوة الاقتصادية في قريتهم. استثمر كل ما لديه من مدخرات، واقترض من البنك، ووعد والدته بتحقيق حلمها. كان المكتب الذي ورثه عن جده لا يزال كما هو، تفوح منه رائحة الخشب المعتق وعبق الأوراق القديمة. كانت صور جده تزين الجدران، وجهاً صبوحاً يبتسم له، وكأنه يشجعه على المضي قدماً.

ذات مساء، بينما كان يتفحص بعض المستندات القديمة، عثر على صندوق خشبي صغير مخبأ في درج سري. كان الصندوق محفوراً بأشكال هندسية دقيقة، وشعرت يداه ببرودة معدنه. بفضول، فتحه ليجد بداخله دفتر يوميات صغير، صفاراته صفراء مهترئة، وريشة قديمة. بدأت عيناه تتفحصان السطور المكتوبة بخط يد جده. لم يكن مجرد دفتر يوميات، بل كان سجلاً تفصيلياً لتاريخ المصنع، وأسرار المهنة، وحتى ملاحظات شخصية عن الحياة والمجتمع.

كانت المفاجأة الأكبر هي وجود رسائل ضمن صفحات دفتر اليوميات. رسائل مكتوبة بخط يد امرأة، خط متناسق وجميل، ولكنه حمل في طياته مشاعر عميقة. بدأت قراءتها، وشعر بأن قلبه يخفق بسرعة. كانت الرسائل موجهة إلى جده، تتحدث عن لقاءات سرية، عن حب منعته الظروف، عن آمال وآلام. كانت المرأة، التي عرفها من خلال توقيعها "نورة"، تكتب عن شوقها، عن انتظارها، وعن أملها في أن يجمعهما القدر.

"يا حبيبي، كل يوم يمر وأنت بعيد، هو يوم يسرق من عمري. أراك في أحلامي، وأتحدث إليك في وحدتي. هل تعلم أن قلبي لا ينبض إلا لك؟" كانت إحدى الرسائل.

شعر عبد الرحمن بصدمة. لم يتحدث جده قط عن قصة حب كهذه. كان دائماً صورة الرجل الوقور، المتدين، الذي لا يكترث سوى بعمله وعائلته. من كانت "نورة"؟ ولماذا أخفى جده هذه الرسائل؟ تداخلت مشاعر عديدة في صدره: الحيرة، الفضول، وحتى بعض القلق. هل كانت لهذه العلاقة تأثير على تاريخ المصنع، أو على سمعة العائلة؟

في اليوم التالي، استأنف عمله في المصنع. كان قد طلب من العمال تجهيز الآلات، وإجراء الصيانة اللازمة. كان هناك شاب يدعى علي، كان يعمل في المصنع منذ سنوات طويلة، وكان بمثابة اليد اليمنى لجده. وجد عبد الرحمن في علي فرصة للحصول على معلومات، ليس فقط عن المصنع، بل ربما عن حياة جده.

"أهلاً يا شيخ علي، كيف حالك؟" بدأ عبد الرحمن الحديث بود.

"أهلاً وسهلاً بك يا مهندس عبد الرحمن. الحمد لله، نحن على خير ما يرام بفضل الله ثم بفضل جدك رحمه الله. المصنع ينتظر عودتك." رد علي بلهجة اعتزاز.

"جدي كان رجلاً عظيماً. كنت أتساءل، هل تعرف شيئاً عن حياته الشخصية؟ ربما عن أصدقائه المقربين؟" سأل عبد الرحمن بحذر.

تردد علي قليلاً، ثم قال: "كان جدك رجلاً طيباً، نقي السريرة. كان لديه بعض الأصدقاء القدامى، ولكن بعد أن أغلق المصنع، قلل من لقاءاته. أما عن حياته الشخصية، فهو لم يكن كثير الكلام في هذا الجانب."

لم يحصل عبد الرحمن على ما يريد بالضبط، لكنه شعر بأن هناك شيئاً لم يكشف بعد. بدأ يفكر في "نورة". من كانت؟ وهل لها أي صلة بالعائلة؟ هل كانت مجرد قصة حب عابرة، أم أنها تركت بصمة أعمق؟

في المساء، اتصل بسارة. أراد أن يشاركها بعضاً من أخباره، ولكن بصورة غير مباشرة. "كيف حالك يا سارة؟"

"بخير يا عبد الرحمن، كيف حالك أنت؟ هل عدت سالماً؟" أجابته بصوتها الهادئ الذي لطالما أحبه.

"عدت والحمد لله. بدأت في استكشاف أوراق جدي، وجدت أشياء مثيرة للاهتمام."

"ما هي؟" سألت باهتمام.

"وجدت دفتر يوميات قديم، يحكي عن قصص لم أكن أعرفها. عن ذكريات، وعن أشخاص."

"هل هم أشخاص مهمون؟"

"ربما. أحدهم كانت تكتب له رسائل، رسائل حب." قال عبد الرحمن، وشعر بأن صوته يتغير قليلاً.

سكتت سارة للحظة، ثم قالت: "الحب في الماضي كان له طعم مختلف، كان أكثر صدقاً ووفاءً. أتمنى أن تكون هذه القصص سعيدة."

"أتمنى ذلك أيضاً." قال عبد الرحمن. شعر بأن هناك شيئاً يحاول إخراجه من ماضيه، شيء قد يؤثر على مستقبله. كان عليه أن يجد إجابات، ولكن ليس على حساب إزعاج أحد أو إيذاء سمعة أحد. كانت المسافة بينه وبين سارة تبدو اليوم أكبر من المسافة الجغرافية. كانت هناك مسافة عاطفية، مسافة تحتاج إلى تفسير، ومسافة تحتاج إلى تجاوز.

في تلك الليلة، لم يستطع النوم. الصور تتزاحم في ذهنه: وجه جده الطيب، وصورة "نورة" التي لم يرها قط، وصوت سارة الهادئ، ورائحة الخريف التي تغلغلت في البيت. كان يشعر وكأنه يقف على مفترق طرق، يتوجب عليه أن يختار بين الماضي والحاضر، بين الأسرار والحقيقة، بين مسؤولياته تجاه عائلته وتجاه ماضي عائلته. كانت عودته إلى الديار ليست مجرد عودة جسدية، بل كانت بداية رحلة استكشاف أعمق، رحلة لم يكن يتوقعها، رحلة ربما ستغير كل شيء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%