أحبك رغم المسافة 180
مواجهة الحقيقة الباردة
بقلم سارة العمري
عاد عبد الرحمن إلى القاهرة وهو يحمل في جعبته أثقالاً جديدة. لم تكن مجرد مسؤوليات مشروع جده، بل كانت أيضاً أسراراً قديمة بدأت تتكشف، أسرار تحمل في طياتها ماضياً معقداً، ومصالح متضاربة، وحباً ممنوعاً. كان يفكر باستمرار في عبارة "لقد تم خداعنا" التي وجدها في رسالة "نورة". من كان هذا الشخص الذي كتبها؟ وما هو الخداع الذي تعرضوا له؟
بدأ عبد الرحمن رحلة البحث عن هوية الشركة الاستثمارية التي ورد اسمها في عقد التنازل عن الأراضي. قضى أياماً في البحث في السجلات القديمة، واستعان ببعض الأصدقاء الذين يعملون في المجال القانوني. أخيراً، وبعد جهد جهيد، اكتشف أن الشركة كانت تحمل اسم "شركة الشرق الاستثمارية"، وأن رئيس مجلس إدارتها في تلك الفترة كان رجلاً يدعى "سليمان الراوي".
لم يكن اسم سليمان الراوي غريباً على عبد الرحمن. كان رجلاً أعمال معروفاً في الأوساط الاقتصادية، ولكنه كان مشهوراً أيضاً بأسلوبه الملتوي، وبسعيه الدؤوب وراء تحقيق مصالحه بأي ثمن. كانت له علاقة سابقة بجده، علاقة لم تكن ودية، بل كانت تتسم بالتنافس والخصومة.
شعر عبد الرحمن بأن الخيوط بدأت تتجمع. هل كان إغلاق المصنع مرتبطاً بصفقة مشبوهة مع سليمان الراوي؟ وهل كانت "نورة" مجرد واجهة لهذا الخداع، أم أنها كانت ضحية أخرى؟
قرر عبد الرحمن أن يواجه الحقيقة. لم يكن يريد أن يستمر في بناء مشروعه على أساس كذب أو خداع. كان عليه أن يعرف كل شيء. في أحد الأيام، تلقى دعوة رسمية لحضور افتتاح فرع جديد لأحد مؤسسات "شركة الشرق الاستثمارية". كانت هذه فرصته.
ذهب عبد الرحمن إلى حفل الافتتاح، متظاهراً باللامبالاة، ولكنه كان مليئاً بالعزيمة. كان الحفل بهيجاً، مليئاً برجال الأعمال والشخصيات البارزة. كان سليمان الراوي حاضراً، بشعره الأشيب، وابتسامته الباردة، وعينيه اللتين تلمعان بالدهاء.
اقترب عبد الرحمن منه، وقلبه يخفق بشدة. "مساء الخير يا سيد سليمان."
التفت إليه سليمان الراوي، ونظر إليه بارتياب. "ومن أنت؟"
"أنا عبد الرحمن، حفيد المرحوم السيد أحمد."
تغيرت ملامح سليمان الراوي قليلاً، وبدت عليه الدهشة الممزوجة بالارتباك. "أحمد؟ يا له من زمن بعيد. كيف حال العائلة؟"
"بخير. ولكنني جئت إليك اليوم لأتحدث عن الماضي، عن المصنع، وعن الأراضي."
صمت سليمان الراوي لبرهة، وابتسامته اختفت. "ماذا تقصد؟"
"أقصد العقد الذي أبرمته مع جدي قبل إغلاق المصنع. أراضي المصنع، وتحديداً قطعة الأرض الكبيرة المطلة على النيل. لماذا كانت قيمتها رمزية؟ وماذا فعلتم بها؟"
بدا على سليمان الراوي الغضب. "هذه مسألة تخص الشركة، وليست لك صلاحية فيها."
"بل تخصني. إنها إرث جدي، وإرث عائلتي. لقد وجدت وثائق، ورسائل، تشير إلى وجود خداع في تلك الصفقة."
رفع سليمان الراوي صوته قليلاً، وأشار إلى عبد الرحمن بسبابته. "أنت تتجاوز حدودك. لا تتحدث عن أمور لا تعرفها."
"أنا أعرف ما يكفي لأشك في نزاهة تلك الصفقة. هل كنت تعلم بشيء عن علاقة جدي بـ 'نورة'؟"
عند ذكر اسم "نورة"، تجمد سليمان الراوي. اختفت الابتسامة الباردة تماماً، وحلت محلها نظرة تحمل مزيجاً من الذنب والغضب. "من هي نورة؟ لم أسمع بهذا الاسم من قبل."
"أنت تكذب. لقد وجدت رسائل بين جدي وبينها. رسائل تتحدث عن حب، وعن خوف، وعن تعرضهم للخداع."
تراجع سليمان الراوي خطوة إلى الوراء، ونظر حوله بارتياب. "هذا سخيف. أنا لن أضيع وقتي في حديث لا معنى له."
"قبل أن أغادر، أريد أن أقول لك شيئاً. أنا لن أسمح لك بأن تستغل إرث جدي. سأكشف كل شيء، وسأعيد الحق إلى أصحابه." قال عبد الرحمن بلهجة حاسمة، ثم استدار وغادر الحفل.
في نفس الوقت، كانت سارة تبحث عن إجابات. كانت تشعر بأن صورة المرأة التي وجدتها في الألبوم، وصورة والدتها، تحملان شيئاً مشتركاً. بدأت تتذكر بعض التفاصيل الصغيرة التي كانت والدتها ترويها لها قبل وفاتها. كانت تذكر حديثاً عن "صديقة قديمة"، وعن "رحلة طويلة".
قررت سارة أن تسأل والدها عن والدتها. كان والدها رجلاً هادئاً، قليلاً ما يتحدث عن الماضي. ولكن هذه المرة، شعرت بأن عليها أن تصر.
"أبي، أريد أن أعرف عن أمي." قالت سارة بجدية.
تنهد والدها، وقال: "ماذا تريدين أن تعرفي يا ابنتي؟"
"من كانت؟ كيف عرفت أبي؟ هل كانت سعيدة؟"
تردد والدها للحظة، ثم قال: "والدتك كانت فتاة رائعة، مليئة بالحياة. عرفتها في الجامعة. كانت تدرس الفنون. لقد أحببتها كثيراً."
"ومن هي المرأة التي في هذه الصورة؟" سارت سارة، ممسكة بصورة "نورة" من الألبوم.
نظر والدها إلى الصورة، وبدت عليه علامات الصدمة. "هذه... هذه نورة. كيف حصلتِ عليها؟"
"وجدت هذا الألبوم. من هي؟ هل كانت صديقة لأمي؟"
"نورة... كانت صديقة حميمة لوالدتك. بل كانت أكثر من ذلك. كانت كالأخت. كن معاً في كل مكان."
"ولماذا لم تحدثني أمي عنها قط؟"
"كانت هناك ظروف صعبة. لم تكن الأمور سهلة في تلك الأيام. لقد مرت أمك بالكثير."
"وماذا عن الرجل الذي في الصورة الأخرى؟" سارت سارة، ممسكة بصورة سليمان الراوي.
نظر والدها إلى الصورة، وازدادت علامات الصدمة على وجهه. "هذا... هذا سليمان الراوي. كنت أعرفه من قبل. لقد كان... كان له علاقة بنورة. علاقة لم تكن جيدة."
شعر عبد الرحمن ببرودة تسري في عروقه. كانت "نورة" هي نفسها المرأة في صورة والدته. كانت والدته هي "نورة". اكتشف الحقيقة المروعة: والدته، التي ظن أنها مجرد صديقة لجده، كانت هي المرأة التي أحبها جده. ولكن إذا كانت والدته هي "نورة"، فمن هو والدها الحقيقي؟ ومن هو الرجل الذي كان ينافس جده؟
كانت الحقيقة أقسى من أن يتحملها. كانت خيوط القصة متشابكة بشكل مروع، وكانت نهاياتها تبدو مظلمة. شعر بأن عالمه ينهار من حوله. لم يعد الأمر يتعلق فقط بمشروع جده، بل أصبح يتعلق بإنكار حقيقة والده، وبماضي أمه، وبأسرار عائلته التي ظلت مدفونة لعقود.