أحبك رغم المسافة 180
همسات الريح وأسرار الليالي
بقلم سارة العمري
كانت ليلة صيفية، من تلك الليالي التي يتدلى فيها القمر كصحن من فضة مصقول فوق سماء حالكة السواد، تتخللها نجوم كبريق اللآلئ المتناثرة. في غرفة نور، التي أصبحت ملاذها الوحيد من ضجيج الحياة وقلقها، كانت الأفكار تتصارع داخل رأسها كأمواج البحر الهائجة. كلما حاولت استحضار صورته، صورته التي أصبحت قوام أحلامها ونسيج يقظتها، كان يظهر وجه آخر، وجه لا تعرفه، لكنه يرسم على ملامحه شروراً لم تستطع فهمها.
"كيف يكون هذا؟" همست بصوت بالكاد تسمعه، "كيف لي أن أحب شخصاً أخشى جزءاً منه؟"
مر شريط ذكرياتهما أمام عينيها كفيلم سريع، ابتسامته التي كانت تبعث الدفء في قلبها، كلماته الطيبة التي كانت تغذي روحها، وعوده التي كانت تبني صرحاً من الأمل في مستقبل مشترك. لكن في خضم هذا الفيضان من الذكريات الجميلة، كانت تطفو على السطح أصداء كلمات غامضة سمعتها منه ذات مرة، كلمات عن "ثمن" وعن "مسؤولية" تفوق ما كانت تتصوره.
تذكرت تلك المحادثة التي دارت بينهما قبل رحيله، حين سألته عن طبيعة عمله، وعن سبب تلك الغموض الذي يكتنفه أحياناً. كان قد أجاب بابتسامة باهتة، "يا نور، هناك أمور لا يمكن تفسيرها ببساطة. هناك واجبات تفرض نفسها، وهناك أشخاص يعتمدون عليّ. أحياناً، علينا أن نتحمل أعباء لا يراها الآخرون."
في تلك اللحظة، لم تفهم عمق كلماته. ظنت أنها مجرد مشاعر خوف من الابتعاد، أو ربما محاولة للتخفيف من وطأة الغياب. لكن الآن، بعد أن بدأت تلوح لها خيوط من الحقيقة، أدركت أن وراء ابتسامته وتلك النظرات المليئة بالحب، كان هناك عالم آخر، عالم ربما لم تكن مستعدة لمواجهته.
ارتدت حجابها، وخرجت إلى شرفة غرفتها المطلة على حديقة المنزل الهادئة. نسيم الليل العليل داعب وجهها، حاملاً معه عبير الياسمين. رفعت بصرها إلى السماء، تبحث عن إجابات في تلك المسافة الشاسعة بينها وبين حبيبها. ألفا ميل، ألفا ميل تفصل جسديهما، لكن الألف ميل التي بدأت تتشكل داخل روحها كانت أشد قسوة وأكثر ألماً.
"يا رب،" تمتمت، "دلني على الطريق. أرني الحق. لا تجعل قلبي عبداً لوهم، ولا تتركي روحي تتيه في متاهة."
ثم، تلقت رسالة نصية. هاتفها كان صامتاً معظم الوقت، لكنها اعتادت تفقدها بين الحين والآخر. الرسالة كانت من رقم غير مسجل. نبض قلبها تسارع. هل هي منه؟ هل سيرسل لها أخيراً ما يريح قلبها؟
فتحت الرسالة، وقرأت ببطء، وكل حرف كان يغرس خنجراً في صدرها.
"الحقيقة مؤلمة، ولكنها ضرورية. آدم ليس كما تظنين. هناك أسرار يخفيها، وأفعال قد تجعل حبك له هلاكاً. ابحثي عن الرسالة القديمة في مكتبه. المفتاح في الكتاب ذي الغلاف الأزرق. لا تثقي بأحد. لا تثقي به."
شعرت بأن العالم يدور بها. يداها ارتجفتا، والسماء بدت وكأنها تسقط عليها. من المرسل؟ ولماذا هذه التحذيرات؟ هل كان ما تراه في أحلامها مجرد تخيلات، أم أنها رؤى تحذيرية؟
انكمشت على نفسها، وعادت إلى الداخل. لم تستطع النوم. جلست على طرف سريرها، وعيناها شاخصتان إلى الفراغ. كل كلمة في تلك الرسالة كانت تتردد في أذنيها، تثير زوبعة من الشكوك والخوف.
"مكتبه؟" همست لنفسها، "هل أذهب إلى هناك؟ هل هذا صواب؟"
تذكرت كلمات جدتها: "قلب المؤمن دليله، ولكن لا يستغنى عن الحكمة والتبصر." هل كان هذا اختباراً؟ هل كان عليها أن تبحث عن الحقيقة بنفسها، أم أن تنتظر منه أن يكشفها؟
فكرت في الأيام القليلة الماضية. ملاحظاته الغامضة، نبرة صوته المتوترة أحياناً، تلك المكالمات الهاتفية التي كان يجريها بعيداً عنها. كل تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تتجاهلها، بدأت تتجمع لتشكل صورة جديدة، صورة مظلمة لم تكن تريد رؤيتها.
"الكتاب ذي الغلاف الأزرق." عادت إلى الرسالة. تتذكر جيداً رفوف مكتبه المليئة بالكتب. كان يحب القراءة. هل هناك كتاب محدد يعنيه؟
قررت. بغض النظر عن الألم الذي قد تجلبه الحقيقة، لم تعد قادرة على العيش في ظل هذا الغموض. كان حبها له حقيقياً، وروحها تبحث عن الطمأنينة، عن اليقين. وإذا كان هناك ما يهدد هذا الحب، أو يهددها هي، فلن تقف مكتوفة الأيدي.
نهضت من مكانها، بقلب يعتصر ألماً، وعزم لا يتزعزع. ارتدت ثياباً محتشمة، وفتحت باب غرفتها بهدوء. كانت الساعة متأخرة، والمنزل غارق في سكون الليل. خطت خطواتها الأولى نحو المجهول، بخوف ممزوج بشجاعة، وبأمل خافت في أن تجد الإجابات التي تبحث عنها، وأن تعود إلى حياتها وهي تعلم كل شيء، حتى لو كان الثمن باهظاً.
كانت رحلة عبر أروقة المنزل المظلمة، أروقة شهدت الكثير من ذكرياتها الجميلة معه. كل خطوة كانت تتردد صداها في صمت الليل، وكأنها تعلن بداية عاصفة قادمة. وصلت إلى باب المكتب. ترددت للحظة، ثم أدخلت المفتاح الذي أعطاه إياها يوماً ما، مفتاح أصبح الآن يحمل وزناً ثقيلاً.
دخلت. رائحة الورق القديم والجلد الفاخر ملأت أنفها. نور القمر الخافت الذي تسرب من النافذة رسم ظلالاً طويلة وغريبة على الجدران. اتجهت نحو رف الكتب، وعيناها تبحثان عن الكتاب ذي الغلاف الأزرق. كانت هناك عشرات الكتب ذات الأغلفة الزرقاء. أيها هو؟
تذكرت كلماتها: "المفتاح في الكتاب ذي الغلاف الأزرق." هل كان هناك مفتاح مخبأ فيه؟ بحثت بيدها بين الكتب، تلمس الأغلفة، تقلب الصفحات بهدوء. وفجأة، لمست شيئاً صلباً داخل غلاف أحد الكتب. سحبته. كان مفتاحاً صغيراً، قديماً.
نظرت حولها، تبحث عن مكان يمكن أن يناسب هذا المفتاح. هل هو قفل سري؟ درج مخفي؟
ثم، رأت الدولاب الصغير ذي القفل الغريب، الذي كان يقع في زاوية المكتب، ولم تكن قد انتبهت له من قبل. كان يبدو قديماً، منحوتاً ببراعة. وضعت المفتاح في القفل. دار. انفتح.
ماذا كان بداخل هذا الدولاب؟ لماذا كل هذا الغموض؟ شعور بالرهبة اجتاحها، لكن فضولها كان أقوى. فتحت الباب.
في الداخل، لم تجد كنوزاً ولا مجوهرات. بل وجدت مجلدات ووثائق، ملفات قديمة، وصندوقاً معدنياً صغيراً. كل شيء كان يبدو غريباً، لا علاقة له بحياة آدم التي عرفتها.
فتحت أول مجلد. كان عبارة عن تقارير، أسماء، أرقام، وتواريخ. كانت كلها مكتوبة بلغة لم تفهمها تماماً، لكن بعض الكلمات كانت واضحة: "عمليات"، "تسليم"، "تحت المراقبة".
تجمعت العبرات في عينيها. هذا ليس آدم الذي أحببته. هذا ليس الرجل الذي وعدها بمستقبل سعيد. هذا رجل يعيش حياة مزدوجة، حياة مليئة بالأسرار والمخاطر.
الرسالة التي وصلتها كانت صادقة. كان هناك شيء كبير يخفيه. شيء قد يدمر كل شيء.
أغلقت الدولاب بهدوء، وصوت دقات قلبها كان يعلو ويهبط كالطبل. لم تعد تعرف ماذا تفعل. هل تواجهه؟ هل تهرب؟ هل تخبر عائلتها؟
الليل يزداد سواداً، والأسرار تتكشف ببطء، كل منها أشد إيلاماً من سابقتها. كانت تقف على حافة الهاوية، وبين يديها مفاتيح عالم لم تكن تتخيله، عالم قد يجعلها تخسر كل شيء.