أحبك رغم المسافة 180

في متاهة الحقيقة

بقلم سارة العمري

جلست نور على الأرضية الباردة للمكتب، والمجلدات مفتوحة أمامها، وصندوق معدني مغلق في يدها. لم يعد هناك مجال للشك. كل ما سمعته أو رأته أو شعرت به في الأيام الماضية كان يصب في هذا الاتجاه. آدم، الرجل الذي أحبته بكل جوارحها، كان يخفي عنها جزءاً كبيراً من حياته، جزءاً يبدو أنه مليء بالغموض والخطر.

"عمليات؟ تسليم؟ تحت المراقبة؟" تمتمت الكلمات بتساؤل وذهول. لم تكن هذه مصطلحات العمل المكتبي العادي، ولا حتى المصطلحات التي قد يستخدمها رجل أعمال تقليدي. كانت هناك نبرة قسوة وتخطيط في هذه الكلمات، نبرة لم تعد تتوافق مع الصورة التي رسمتها في مخيلتها عن آدم.

شعرت بأن قلبها قد تشقق إلى ألف قطعة، كل قطعة تبحث عن مكانها في هذا اللغز الكبير. كانت الرسالة الغامضة التي وصلتها مفتاحاً، ولكنها فتحت باباً إلى عالم من الأسئلة التي تفوق قدرتها على التحمل. "لا تثقي بأحد. لا تثقي به." هذه الكلمات كانت تتردد في ذهنها كصدى مؤلم.

ألقت نظرة على الصندوق المعدني. كان يبدو ثقيلاً، وكأنه يحوي أسراراً ثقيلة. هل تفتحه؟ هل تتحمل ما قد تجده بداخله؟ كانت الرغبة في معرفة الحقيقة تتصارع مع الخوف من عواقبها.

تذكرت وعده لها، وعده بأن يكون شفافاً وصادقاً معها. هل كان هذا كله كذباً؟ هل كان يلعب بها؟ لا، لم تستطع أن تقتنع بذلك. كانت ترى الحب في عينيه، تسمع الصدق في نبرة صوته حين يتحدث عن مستقبلهما. إذاً، ما هو هذا؟

"يجب أن أفهم." قالت بصوت خافت، كأنها تحدث نفسها. "يجب أن أفهم كل شيء قبل أن أواجهه، أو قبل أن أفعل أي شيء."

حاولت تذكر تفاصيل أخرى. المكالمات الهاتفية التي كان يتلقاها في وقت متأخر من الليل، تلك الاجتماعات المفاجئة التي كان يضطر لحضورها، تلك الساعات التي كان يقضيها وحيداً، شارد الذهن. كل هذه الأحداث بدأت تتشكل الآن كأجزاء من لوحة متكاملة، لوحة مظلمة ومرعبة.

ذهبت إلى الطاولة، وبدأت تقلب في الملفات بترتيب. كانت اللغة المستخدمة غريبة، خليط من العربية ولغة أخرى لم تستطع تحديدها. كانت هناك جداول، خرائط، وصور. صور لأشخاص لا تعرفهم، وأماكن تبدو بعيدة وغير مألوفة.

وفي أحد الملفات، وجدت مجموعة من الرسائل المكتوبة بخط يده. خط يده الذي تعشقه، والذي كان يكتب به لها أجمل العبارات. بدأت تقرأ.

"إلى الأخت نور، أعلم أنكِ تتساءلين عن غيابي، وعن تلك الشكوك التي قد تراودك. أرجو منكِ أن تتحلي بالصبر، وأن تثقي بقلبي. هناك صراعات أعيشها، وحروب لا يعلمها إلا الله. أعمل من أجل مستقبلنا، من أجل بناء شيء نحميه. أرجو أن تتفهمي، وأن تسامحيني على كل ما قد يبدو لكِ غريباً. أحبكِ أكثر من أي شيء في هذا العالم. آدم."

كانت هذه الرسالة، التي بدت وكأنها مكتوبة قبل رحيله بفترة، تحمل في طياتها حباً صادقاً، لكنها أيضاً تعزز من حجم الغموض. "صراعات"، "حروب". ما هي هذه الصراعات؟ ومن هم هؤلاء الأشخاص الذين يعتمدون عليه؟

شعرت بأنها في دوامة. حب عميق، والتزامات غامضة. مسؤوليات ثقيلة. لم تكن مستعدة لمثل هذا الموقف. لم تتخيل أبداً أن حبها قد يكون مرتبطاً بعالم كهذا.

فتحت الصندوق المعدني. لم يكن مقفلاً بقفل عادي، بل كان مغلقاً بنظام إلكتروني معقد. تذكرت جهازاً صغيراً وجدته في أحد الأدراج، جهازاً يشبه جهاز التحكم عن بعد. جربت الضغط على الأزرار. لم يحدث شيء.

ثم، تذكرت شيئاً. ذات مرة، حين كان يتحدث عن عمله، ذكر أمراً يتعلق بالبصمة الصوتية. هل هذا هو؟

اقتربت من الصندوق، وتحدثت بصوت مرتجف: "آدم."

لم يستجب الصندوق.

"آدم، افتح."

لم يستجب.

"أرجو، افتح."

ثم، التقطت نفساً عميقاً، وحاولت استحضار كل الثقة التي كانت بينهما. "آدم، أنا نور. أرجوك افتح."

توهج الصندوق، وانفتح ببطء.

في الداخل، لم تجد سوى ورقة واحدة مطوية بعناية، وقلم صغير.

ألقت نظرة على الورقة. كانت عبارة عن مذكرة، مكتوبة بخط يد آخر، خط غريب، ولكنها مكتوبة باللغة العربية.

"إلى من يجد هذا، إذا كنتَ تقرأ هذه الكلمات، فهذا يعني أن آدم لم يعد قادراً على حمايتك. لقد تجاوزت الحدود، ودخلتَ عالماً لا ترحم. أعلم أنكِ تحبينه، وأن قلبكِ طيب. لكن عالمه خطير، وأنتِ في خطر. هناك منظمة. ليست منظمة خيرية، وليست تجارية. إنها تعمل في الظلام، وتحمي ما لا يحميه القانون. آدم واحد من هؤلاء، ولكنه ليس مجرد عضو. إنه قائد. يجب أن تتوقفي عن البحث. يجب أن تنسيه. أبعدي نفسكِ عنه، فإن بقاءكِ معه يعني موتكِ. إذا كنتِ مصممة على معرفة الحقيقة، ابحثي عن ملف "العنقاء". إنه سر خطير، ولا يجب أن يصل إلى أيدٍ غير أمينة. لا تثقي بالاسم الذي تعرفينه. أحياناً، الأسماء المستعارة هي أقنعة لأشد الناس خطورة."

تسمرت نور في مكانها، ممسكة بالورقة. "قائد؟ منظمة؟ العنقاء؟" كانت الكلمات تتساقط عليها كحجارة. لم تعد تفهم شيئاً. آدم، قائد؟ رجل الأعمال الهادئ، الذي كان يخطط لبناء منزل أحلامهما، كان قائداً لمنظمة سرية؟

ثم، تذكرت شيئاً آخر. ذات مرة، حين كانا في رحلة، رأوا شعاراً غريباً على طائرة خاصة. كان شعاراً يشبه طائراً نارياً. كان آدم قد قال وقتها إنها طائرة تابعة لإحدى الشركات الكبرى. هل كان يكذب؟ هل كان شعار "العنقاء"؟

شعرت بالبرد يسري في عروقها. كل شيء كان يبدو كأنه جزء من خطة محكمة. الرسالة الأولى، هذه المذكرة، الملفات. كل شيء كان يقودها إلى حقيقة مؤلمة.

"لا تثقي بالاسم الذي تعرفينه." هذه الجملة كانت أشد إيلاماً. هل كان آدم مجرد اسم مستعار؟ هل كانت هي نور، التي تحب شخصاً اسمه الحقيقي ربما آدم مختلف تماماً؟

بدأت تشعر بالاختناق. المساحة حولها بدت تضيق. لم يعد المكتب مكاناً آمناً، بل أصبح فخاً.

نهضت بسرعة، وجمعت كل شيء. المجلدات، الرسائل، المذكرة، الصندوق. وضعت كل شيء في حقيبتها. كان عليها أن تخرج من هنا، أن تفكر.

وصلت إلى باب المكتب. وضعت يدها على المقبض، ثم توقفت. من كتب هذه المذكرة؟ ولماذا ساعدها؟ من هو المرسل في الرسالة الأولى؟ هل كان هناك شخص آخر يعرف أسرار آدم؟

هناك شخص ما يحاول مساعدتها، أو ربما يحاول توريطها. لا تعلم. كل ما تعلمه هو أنها تقف الآن على مفترق طرق.

خرجت من المكتب، وأغلقت الباب بهدوء. عادت إلى غرفتها، وقلبها يخفق بعنف. وضعت كل الأوراق والمجلدات والصندوق في أعمق جزء من خزانتها.

نظرت إلى هاتفها. هل يجب أن تتصل به؟ هل يجب أن تواجهه؟ لكن ماذا ستقول؟ "آدم، لقد اكتشفت أنك قائد لمنظمة سرية، وأن حياتنا مبنية على الأكاذيب؟"

لا. لم تستطع. لم تكن مستعدة بعد.

أخذت نفساً عميقاً. كان الليل ما زال طويلاً، والأسئلة تتكاثر. كانت الآن تحمل أسراراً لا تعلم ما إذا كان بإمكانها تحملها. كانت في متاهة الحقيقة، ولم تكن تعلم كيف ستخرج منها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%