أحبك رغم المسافة 180

في دهاليز الشك

بقلم سارة العمري

كانت شمس الصباح تتسلل خجولة عبر ستائر غرفة نور، لتعلن نهاية ليلة لم تنم فيها قط. بقيت جالسة على طرف سريرها، تشعر بثقل العالم كله على كتفيها. صور آدم، تلك الصور النقية المليئة بالحب، كانت تتصارع مع صور أخرى، صور قاتمة ومرعبة، صور لرجل قائد، غامض، وخطر.

"العنقاء." كانت الكلمة تتردد في رأسها كأنها نداء حزين. كل ما كان يبدو واضحاً وجميلاً قبل هذه الليلة، أصبح الآن ضبابياً ومشوشاً. حبها له، الذي كان يمثل لها شمس الحياة، بدأ يشعر وكأنه يدخل في كسوف دائم.

ألقت نظرة على الخزانة، حيث دفنت أسرار تلك الليلة. هل كان حقاً ما اكتشفته؟ أم أنها مجرد هلوسة، أو خدعة من شخص ما؟ الرسالة الأولى، المذكرة، الملفات... كل هذه الأشياء كانت أدلة قوية، ولكنها أيضاً كانت مفزعة.

"لا تثقي بالاسم الذي تعرفينه." هذه الجملة كانت تلحق بها كالظل. هل كان آدم اسماً مستعاراً؟ هل كان كل ما بينهما مجرد تمثيلية؟

لم تستطع أن تتخيل ذلك. حبهما كان يبدو عميقاً وصادقاً. كيف يمكن لشخص أن يمثل بهذا القدر من الإتقان؟ هل كان كل شيء مجرد لعبة؟

ثم، تذكرت أمه. أم آدم. كانت سيدة طيبة، عطوفة، وربت ابنها على القيم والأخلاق. هل كانت تعلم بهذا؟ هل كانت مشاركة في هذا العالم السري؟ لا، لم تستطع أن تصدق ذلك.

"يجب أن أتصل بوالدته." همست لنفسها. ربما تعرف شيئاً، ربما يمكنها أن تفسر.

لكن ترددت. إذا كان آدم فعلاً في خطر، أو متورطاً في أمور خطيرة، فربما كانت والدته في خطر أيضاً. إثارة الموضوع قد يعرضها للأذى.

"لا، لن أفعل ذلك حتى أفهم المزيد."

قررت أن تبحث عن دليل آخر. شيء يربط بين آدم هذا، الرجل الذي تعرفه، وبين "العنقاء".

في صباح اليوم التالي، حين ذهب والداها لتناول الإفطار، حاولت أن تكون طبيعية قدر الإمكان. لكن نظراتهم، قلقهم المعتاد، كانا يصبان الزيت على نار شكوكها.

"نور، هل أنتِ بخير؟" سألتها والدتها بقلق. "تبدين شاحبة."

"أنا بخير يا أمي، فقط لم أنم جيداً." أجابت، محاولة أن ترسم ابتسامة باهتة.

"هل كل شيء على ما يرام مع آدم؟" سأل والدها، متكئاً على عصاه. "متى سيعود؟"

"لا أعرف يا أبي. لم يعد يراسلني كثيراً مؤخراً." قالت، محاولة أن تخفي مرارة في صوتها.

"هل تشعرين بأي شيء غريب؟" سألت والدتها، نظراتها تتقصى وجه ابنتها.

"لا شيء يا أمي." كذبت، وشعرت بالذنب. كيف لها أن تكذب على والديها؟ لكنها لم تستطع أن تشاركهم هذه الأسرار المظلمة.

بعد الإفطار، ذهبت إلى غرفتها، وأخرجت المجلدات من الخزانة. بدأت تتصفحها مرة أخرى، بعين أكثر تبصراً، بعقل يبحث عن أي خيط قد يربط بين عالم آدم الذي تعرفه، وعالم "العنقاء".

كانت هناك صور لآدم، صور قديمة، صور له وهو شاب. كان مختلفاً، ربما أكثر حزناً، وأكثر قوة. في إحدى الصور، كان يقف بجانب رجل كبير في السن، رجل ذو وجه صارم، يرتدي زياً عسكرياً. هل كان هذا الرجل هو والد آدم؟ لم تكن قد رأته من قبل.

وفي صورة أخرى، كانت هناك مجموعة من الشباب، يرتدون نفس الزي، ويقفون أمام طائرة. كانت نفس الطائرة التي رأت شعارها الغريب.

"إذاً، ليس اسم آدم مجرد اسم مستعار، بل هو شخص له ماضٍ مختلف."

بدأت تشعر بأنها تغوص في بحر من الأسرار. كانت تعلم أن مواجهته مباشرة قد تكون خطيرة. لكنها لم تعد قادرة على الانتظار.

قررت أن تتصرف بذكاء. ستبدأ بالتساؤل عن أمور بسيطة، عن ماضيه، عن طفولته. قد تكشف لها هذه الأسئلة شيئاً.

بعد يومين، حين كان آدم قد أرسل لها رسالة نصية قصيرة، كانت إجابتها تحمل في طياتها سؤالاً غير مباشر.

"آدم، كيف حالك؟ افتقدتك. أتمنى أن تكون في أفضل حال. هل تتذكر أيام طفولتك في المدينة القديمة؟ كنت قد ذكرت لي أنك كنت تلعب بالقرب من القلعة. هل هناك أي ذكريات خاصة منها؟"

بعد عدة ساعات، جاء الرد:

"نور حبيبتي، أنا بخير والحمد لله. وأفتقدك كثيراً. أما عن ذكريات طفولتي، فالقلعة مكان قديم، ومليء بالقصص. لكن معظم ذكرياتي ترتبط أكثر بوالدي. كان رجلاً صارماً، لكنه كان يحبني. أما عن اللعب، فالأفضل أن نتحدث عن مستقبلنا بدلاً من الماضي."

"رجل صارم، لكنه كان يحبني." هذا الوصف كان يتطابق مع صورة الرجل في الزي العسكري.

"الأفضل أن نتحدث عن مستقبلنا بدلاً من الماضي." هذا الرد كان متهرباً. لم يأتِ على ذكر الطائرة، أو أي شيء له علاقة بالماضي الذي سألته عنه.

بدأت تشعر بأنها تسير في دهاليز الشك. كل خطوة تخطوها، كل سؤال تطرحه، يبدو وكأنه يقودها إلى المزيد من الأسئلة، وإلى جدار صلب من الغموض.

كانت تعلم أن عليها أن تكون حذرة. إذا كان آدم قائداً لمنظمة سرية، فربما كانت هناك عيون تراقبها. ربما كان هناك من يريد أن يتأكد من أنها لا تعرف شيئاً، أو ربما هناك من يريد أن يستخدمها.

في تلك الليلة، وبينما كانت تتصفح الملفات مرة أخرى، وجدت شيئاً غريباً. كان هناك ملف يحمل اسم "نور". فتحته. كانت هناك صور لها، صور منذ طفولتها. وصور لها في الأيام الأخيرة، وهي تتجول في السوق، وهي تتحدث مع أصدقائها، وهي في السيارة.

لم تكن تعلم كيف وصلت هذه الصور إلى هنا. هل كان يراقبها؟ هل كانت حياتها بأكملها تحت مراقبته؟

شعرت ببرد شديد يسري في جسدها. هذا لم يعد حباً، هذا أصبح خوفاً. خوفاً من رجل لا تعرفه، رجل يمتلك كل شيء عنها، ولا تشارك معه أي شيء حقيقي.

"لماذا؟" همست، والدموع تنهمر على خديها. "لماذا تفعل هذا بي؟"

كانت في وسط العاصفة. لم تعد ترى شاطئ الأمان. كان عليها أن تتخذ قراراً. مواجهته، أو الهرب. لكن أي خيار كان سيؤدي بها إلى بر الأمان؟

تذكرت الكلمات في المذكرة: "إذا كنتِ مصممة على معرفة الحقيقة، ابحثي عن ملف 'العنقاء'."

كانت الحقيقة الآن أمامها، في شكل ملفات وصور، لكنها كانت حقيقة مظلمة ومخيفة.

نظرت إلى هاتفها. هل يجب أن تتصل بذلك الرقم الذي أعطاها إياه المرسل الغامض؟ هل هو شخص تثق به؟ أم أنه جزء من اللعبة؟

الليل كان شاهداً على صراعها الداخلي. بين حب عميق، وخيانة مؤلمة، وشك قاتل. كانت تقف وحيدة، في مواجهة عالم من الأسرار، ولم تكن تعلم إلى أين سيقودها هذا الطريق.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%