أحبك رغم المسافة 180
بريق الأمل المفقود
بقلم سارة العمري
كانت السماء فوق مدينة جدة تحمل غيومًا رمادية ثقيلة، توحي بأن أمطاراً غزيرة ستتساقط قريباً، لكنها لم تبدأ بعد. في مكتبه الفاخر، الذي يطل على شارع كورنيش البحر الأحمر، كان أحمد، رجل الأعمال الناجح، يقلب أوراقاً كثيرة، وعلامات القلق بادية على وجهه. لم تكن مشاكله تتعلق بعمله فقط، بل كانت تمتد لتشمل حياته الشخصية، وبخاصة علاقته بزوجته نور.
"نور... ما الذي يحدث معكِ؟" همس أحمد لنفسه، وهو يضع صورة صغيرة لهما معاً على مكتبه. كانت صورة من أيام زواجهما الأولى، حيث كانت السعادة تغمر وجهيهما، وكان الحب يتراقص في عينيهما. الآن، كان يشعر بأن نور تبتعد عنه، وأن هناك حاجزاً خفياً قد نشأ بينهما.
لم يكن أحمد رجلاً عاطفياً بطبعه، كان منطقياً، عملياً. كان يؤمن بأن النجاح هو الهدف الأسمى، وأن الحياة تتطلب التضحيات. كان ينفق على نور بسخاء، يوفر لها كل ما تحتاج، ويسعى جاهداً لتحقيق طموحاتها. لكنه لم يدرك أن المال لا يشتري السعادة، وأن الاهتمام والدفء العاطفي قد يكونان أهم بكثير من أي شيء آخر.
تذكر أحمد اليوم الذي اكتشف فيه أمر رسائل والدة نور، سعاد. كانت الرسائل مخبأة في صندوق قديم، وكان قد وجده بالصدفة أثناء ترتيب بعض الأغراض في خزانة سعاد. قرأ بعضها، وشعر ببعض الغيرة، وبأن سعاد كانت تحمل في قلبها ذكرى رجل آخر. حاول أن يتجاهل الأمر، لكنه لم يستطع. بدأ يشعر بأن سعاد ليست سعيدة تماماً، وأن هناك شيئاً يزعجها.
"سعاد، هل أنتِ متأكدة أنكِ سعيدة؟" سألها مرة، بعد أن وجدها تبكي بهدوء في غرفتها.
"نعم يا أحمد. أنا سعيدة. أنت رجل طيب، وأنا ممتنة لك." أجابته، لكن عينيها كانتا تخبران قصة أخرى.
"أشعر بأن هناك شيئاً يزعجكِ. هل هو شيء يتعلق بي؟ أو ربما... برجل آخر؟"
تلعثمت سعاد، وارتبكت. "لا يا أحمد. لا يوجد رجل آخر. فقط... أشعر بالحنين إلى الماضي أحياناً. إلى أيام الشباب".
"إلى أيام الحب القديم؟" سأل أحمد بحدة، وشعر ببرودة تسري في عروقه.
"توقف يا أحمد. لا أريد أن أتحدث عن الماضي. الماضي قد مضى. وأنا الآن زوجتك، وهذا هو المهم".
منذ ذلك اليوم، بدأ أحمد يشعر بعدم الأمان. كان يراقب سعاد بحذر، يبحث عن أي علامة تدل على أنها ما زالت تفكر في حبيبها القديم. كان يحاول أن يمنحها المزيد من الاهتمام، المزيد من الحب، لكنه كان يشعر بأنه لا يستطيع سد الفراغ الذي تركه ذلك الرجل، سيف الدين.
وبعد وفاة سعاد، شعر أحمد بالذنب. كان يشعر بأنه لم يقدرها حق قدرها، وأنه لم يحاول بصدق أن يفهمها. والآن، يرى نفس الشيء يتكرر مع ابنته نور.
"ربما أنا سبب هذه المشاكل"، فكر أحمد. "ربما أسلوبي في الحياة، أسلوبي في الحب، هو الذي يدفع النساء من حولي للشعور بالوحدة".
كان أحمد يعلم أن نور ليست مثل والدتها. كانت نور أكثر قوة، أكثر استقلالية. ولم يكن يتوقع أن تتسامح بنفس القدر. كان قلقاً من أن نور قد تبحث عن الحب والسعادة خارج إطار زواجها.
"لا، هذا مستحيل"، قال أحمد لنفسه. "نور ابنتي، إنها تربية صالحة. لن تفعل ذلك".
لكنه كان يعلم أن الحزن والوحدة قد يدفعان الإنسان إلى اتخاذ قرارات غير متوقعة.
رن هاتفه. كانت المكالمة من صديقه المقرب، وكيل وزارة الداخلية، السيد خالد.
"أهلاً خالد"، قال أحمد.
"أهلاً بك يا أحمد. كيف حالك؟"
"بخير، والحمد لله. وأنت؟"
"بخير. أردت أن أبلغك بخبر. لقد تم تعيين السيد سيف الدين، الرجل الذي تحدثت معك عنه سابقاً، نائباً لوكيل وزارة الداخلية. قرار مهم جداً. سيكون له دور كبير في مكافحة الفساد".
شعر أحمد ببرودة مفاجئة. سيف الدين؟ الرجل الذي كان يحمل ذكراه في قلبه سعاد؟ الرجل الذي كان يحمل اسمه حرف "س" على قلادة نور؟ هل يمكن أن يكون هو نفسه؟
"سيف الدين؟ هل أنت متأكد؟" سأل أحمد بصوت خافت.
"نعم، بالتأكيد. إنه رجل ذو كفاءة عالية، وخبرة كبيرة. لديه سمعة ممتازة".
"هل... هل تعرف أين كان يعمل سابقاً؟"
"كان له دور كبير في الأمن العام، وشهد له الجميع بنزاهته. رجل لا يهاب في الحق لومة لائم".
كانت الكلمات تتردد في أذن أحمد كقرع طبول. هل كان هذا صدفة؟ أم قدر؟ كيف يمكن أن يكون الرجل الذي أحبته سعاد، الرجل الذي لا يزال يمثل لها ذكرى، الآن في موقع قوة كهذا؟
"شكراً لك يا خالد على هذه المعلومة. سأتصل بك لاحقاً".
أغلق أحمد الخط، وجلس صامتاً. كانت صور كثيرة تتزاحم في ذهنه. صورة سعاد، وهي تبتسم بحزن وهي تقرأ رسائل سيف الدين. صورة نور، وهي تحمل قلادة تحمل حرف "س". هل كانت هذه القلادة من سيف الدين؟ هل كان هناك علاقة بين هذا الرجل، وبين عائلته؟
"لا يمكن أن يكون الأمر مجرد صدفة"، قال أحمد لنفسه. "يجب أن أعرف الحقيقة".
تذكر أحمد حواراً قديماً له مع سعاد، عندما سألته عن حياته قبلها. أجابها بصراحة، دون أن يخفي شيئاً. هل كان عليه أن يكون صريحاً مع نور أيضاً؟ هل كان عليه أن يكشف لها كل شيء عن ماضيه، وعن ماضي والدتها؟
شعر أحمد بمسؤولية كبيرة. كان يعلم أن معرفة الحقيقة قد تكون مؤلمة، لكن إخفاءها قد يكون أسوأ. كان عليه أن يفهم ما الذي يربط سيف الدين بعائلته، وما الذي يمكن أن يترتب على ذلك.
"ماذا لو كان هذا الرجل يحمل ضغينة؟" فكر أحمد. "ماذا لو كان لديه سبب ليزعجنا؟"
بدأ الخوف يتسلل إلى قلب أحمد. لم يكن معتاداً على الشعور بالضعف. كان دائماً هو القوي، هو المسيطر. لكن الآن، شعر بأن هناك قوى خارجية قد تتلاعب بحياته، وبحياة عائلته.
"يجب أن أتحدث مع نور"، قرر أحمد. "يجب أن أكون صريحاً معها. وأن نكتشف الحقيقة معاً".
نهض أحمد من كرسيه، ونظر إلى صورة نور. "نور، أنتِ أقوى مما تظنين. وسنواجه هذا معاً".
شعر أحمد بأن هناك شعاعاً خافتاً من الأمل يضيء في الظلام. ربما كان هذا اللقاء مع سيف الدين، رغم ما يحمله من غموض، قد يكون فرصة له ولنور لإعادة ترتيب حياتهما، وإيجاد طريق جديد، طريق مليء بالصدق والوضوح.