أحبك رغم المسافة 180
ظلال الماضي، رياح المستقبل
بقلم سارة العمري
في قلب العاصمة الصاخبة، وفي إحدى قاعات وزارة الداخلية الفخمة، حيث تجتمع نخبة من المسؤولين، كان سيف الدين يقف كجبل صامد. تتحدث عيناه، بلونهما الداكن العميق، عن خبرة وتجارب لا حصر لها، وعن صرامة لا تلين أمام الباطل. كان يرتدي بزته الرسمية الأنيقة، التي لا تخفي قوة بدنه وصلابته، وكان يبدو وكأنه يمتلك العالم بين يديه.
"سيدي، تقرير عن آخر المستجدات في قضية الأمير فهد"، قال أحد مساعديه، وهو يمد يده بملف سميك.
أخذ سيف الدين الملف، وبدأ يتصفحه بتركيز شديد. كانت عيناه تقفزان بين السطور، تلتقطان التفاصيل الدقيقة، تحللان المعلومات. كانت القضية معقدة، تمتد خيوطها إلى شبكات فساد كبيرة، تتغلغل في مفاصل الدولة. كان يشعر بمسؤولية مضاعفة، لا لمجرد حماية الأمير فهد، بل لكشف الحقيقة كاملة، ولضمان عدم تكرار هذه الجرائم.
"ممتاز"، قال سيف الدين بعد فترة. "هذه المعلومات قيمة جداً. يبدو أننا اقتربنا من الكشف عن المسؤولين الرئيسيين. هل تم تتبع تلك الحسابات المصرفية المشبوهة؟"
"نعم سيدي. لقد تم رصد تحويلات مالية كبيرة إلى حسابات في الخارج. ويبدو أن هناك شخصية غامضة تقف خلف هذه العمليات".
"شخصية غامضة..." تمتم سيف الدين. كان يعرف أن عالم الفساد مليء بالوجوه الخفية، التي تعمل من وراء الستار. "ما هو اسم هذه الشخصية؟"
"لا يوجد اسم صريح، سيدي. لكننا رصدنا بعض الاتصالات التي تشير إلى رجل أعمال بارز، معروف بصلاته المشبوهة. اسمه... أحمد".
تجمد سيف الدين للحظة. أحمد؟ هل هو نفس أحمد الذي يعرفه؟ أحمد زوج سعاد؟ أحمد الأب الذي لا يعرف شيئاً عن ماضي زوجته؟ هل يمكن أن يكون هو؟
"أحمد... رجل أعمال؟" سأل سيف الدين بصوت بالكاد مسموع.
"نعم سيدي. هو رجل أعمال له علاقات واسعة، وسمعته في السوق ليست جيدة تماماً".
شعر سيف الدين بدوار خفيف. هل كان هذا قدره؟ هل كانت الحياة تعيده إلى الماضي بطريقة مؤلمة؟ هل كانت القضية التي يحقق فيها الآن، مرتبطة بشكل مباشر بالمرأة التي لم يستطع نسيانها؟
"هل تعرف تفاصيل عن علاقاته؟ هل لديه أي ارتباطات مع شخصيات من الماضي؟"
"لا، سيدي. لا يوجد معلومات بهذا الخصوص. لكننا نواصل التحقيق. يبدو أن لديه شركة استثمارية كبيرة، ولديه العديد من المشاريع في العقارات والإنشاءات".
"قم بتكثيف المراقبة على هذا الرجل. أريد كل تحركاته، كل اتصالاته، أن تكون تحت المجهر. وبدون أن يشعر بأي شيء".
"حاضر سيدي".
بعد أن انتهى من اجتماعه، خرج سيف الدين من القاعة، وشعر بثقل كبير على صدره. لم يكن يتوقع أبداً أن تتقاطع مساراته المهنية مع ماضي سعاد بهذا الشكل. هل كانت سعاد تعلم بأن أحمد متورط في الفساد؟ هل كانت تعلم بأن اسمه يتردد في تحقيقاته؟
تذكر سيف الدين عيني سعاد الحزينتين، وهي تقف أمامه في آخر لقاء لهما. كانت عيناها مليئتين بالألم، وبالأسف. هل كان هذا الألم بسبب سيف الدين، أم بسبب أحمد؟
"يجب أن أعرف الحقيقة"، فكر سيف الدين. "يجب أن أفهم ما الذي حدث بالضبط".
عاد سيف الدين إلى مكتبه، وأغلق الباب. فتح خزانة ملفاته، وبحث عن ملف قديم، كان يحتفظ به بعناية فائقة. كان ملفاً مليئاً برسائل سعاد، وبعض الصور القديمة. أمسك بإحدى الصور، كانت لهما معاً، في أيام الجامعة، حيث كانا يضحكان بسعادة. كانت سعاد جميلة جداً، وعيناها تلمعان بالأمل.
"لماذا يا سعاد؟ لماذا لم تخبريني؟" سأل سيف الدين الصورة بصوت مكسور.
كان يشعر بخيبة أمل عميقة، وخيانة. لم يكن يتوقع من سعاد أن تتزوج رجلاً فاسداً، أو أن تكون متورطة معه في أي أعمال مشبوهة.
"هل كان كل شيء كذباً؟" تساءل سيف الدين. "هل كان حبنا مجرد وهم؟"
شعر سيف الدين بغضب شديد، ممزوج بحزن عميق. لم يكن غضبه موجهاً نحو أحمد فقط، بل نحو سعاد أيضاً، لأنها لم تمنحه فرصة لفهم الحقيقة، ولأنها اختارت مساراً أبعده عنها.
"عليّ أن أجد طريقة للتواصل مع ابنته"، فكر سيف الدين. "عليّ أن أفهم منها، ما الذي حدث".
كان يدرك أن هذا الأمر قد يكون معقداً، وأن نور قد لا ترغب في التحدث إليه، أو قد لا تصدقه. لكنه كان يشعر بأنه مدين لسعاد، ومدين لنفسه، بأن يكشف هذه الحقيقة.
بينما كان يفكر في خطته، رن هاتفه. كان رقماً غير معروف.
"مرحباً؟" قال سيف الدين.
"سيدي سيف الدين؟" جاء صوت امرأة، كان صوتها يحمل بعض التردد.
"نعم، أنا هو. من المتحدث؟"
"اسمي نور. أنا ابنة سعاد".
تجمد سيف الدين. نور؟ ابنة سعاد؟ هل كانت هي التي اتصلت به؟ هل كانت قد اكتشفت شيئاً؟
"نور؟" قال سيف الدين بصوت مبحوح. "أنا... أنا سعيد بسماع صوتك. لقد... لقد كنت أفكر فيكِ".
"أبي... أبي أراد مني أن أتحدث معك. لقد اكتشف أنك تحقق في قضية تتعلق ببعض الأعمال المشبوهة، وأن اسمي قد يتردد فيها".
"نعم، نور. نحن نحقق في قضية فساد كبيرة. وللأسف، اسم والدك، أحمد، قد ورد في التحقيقات".
"لقد علمت بذلك. أبي... أبي غريب الأطوار هذه الأيام. إنه متوتر جداً، ويبدو أنه يخفي شيئاً".
"هل تعرفين أي شيء عن أعماله؟ عن علاقاته؟"
"ليس الكثير. ولكني بدأت أشك في بعض الأشياء. وجدت بعض الرسائل، وبعض التقارير. وأنا... أريد أن أفهم. أريد أن أعرف ما الذي يحدث".
"أنا هنا لأساعدك، نور. وأنا أريد أن أعرف الحقيقة أيضاً. هل يمكننا أن نلتقي؟ لنتحدث بهدوء؟"
ترددت نور قليلاً. "أبي قال إنني يجب أن أتحدث معك، ولكنه حذرني منك. قال إنك رجل خطير".
"أنا لست خطيراً يا نور. أنا فقط أحاول أن أفعل واجبي. وأن أحمي الأبرياء. ربما... ربما والدك يخاف من أن تكشف الحقيقة. وربما أنتِ لديكِ القوة لإنقاذه، وإنقاذ نفسكِ".
"أنا... لا أعرف. الأمر مربك جداً".
"أتفهم ذلك. ولكن فكري بالأمر. فكري بما كانت تريده والدتك. هل كانت تريدك أن تعيشي في عالم مليء بالكذب والفساد؟"
صمتت نور للحظة. ثم قالت بصوت متردد: "سأفكر في الأمر. سأحاول أن أجد الوقت. أين يمكننا أن نلتقي؟"
"في مكان هادئ، بعيد عن الأنظار. وما رأيكِ في مقهى قديم في حي لطيف؟ أعرف مكاناً هادئاً هناك. سأرسل لكِ العنوان".
"حسناً. سأرى ما إذا كان بإمكاني ذلك".
"أنا بانتظارك يا نور. وصدقيني، أنا أريد فقط الخير لكِ، ولعائلتكِ".
أنهى سيف الدين المكالمة، وشعر بشيء من الارتياح. كانت هذه خطوة أولى، خطوة نحو كشف الحقيقة. كان يعلم أن الطريق لن يكون سهلاً، وأن هناك الكثير من المخاطر. لكنه كان مستعداً. كان مستعداً لمواجهة ظلال الماضي، ولبناء مستقبل أكثر وضوحاً.