أحبك رغم المسافة 180

وهم السعادة في غياهب الإدمان

بقلم سارة العمري

كان الليل قد أسدل ستاره على مدينة الرياض، مخفياً وجهها الصاخب وراء حجاب من النجوم الباهتة. في شقةٍ ضيقةٍ في أحد الأحياء الشعبية، كان حسام يجلس وحيداً، يحتسي آخر قطرات قهوته المرة، وعيناه تائهتان في فراغ الغرفة. لم يكن فراغاً مادياً بقدر ما كان فراغاً روحياً، فراغاً ملأه بشيءٍ سرق منه كل شيء.

كان حسام، الشاب الذي طالما حلم بمستقبلٍ مشرق، قد سقط في مستنقع الإدمان. بدأ الأمر كتسليةٍ عابرة، كرحلةٍ استكشافيةٍ في عالمٍ محرم، ليجد نفسه بعد ذلك أسيرَ أصفاده، لا يملك حولاً ولا قوةً للخلاص. كانت المخدرات قد تسللت إلى حياته بهدوء، كاللص الذي يقتحم المنزل في غفلةٍ من أهله، لم يدرك خطورتها إلا بعد أن استوطنت كيانه، مستنزفةً طاقته، ومحطمةً أحلامه.

كانت صورته أمام والديه، اللذين يعيشان في قريةٍ صغيرةٍ بعيدة، صورة الابن البار، والطموح، الذي يعمل بجدٍ ليكسب رزقه ويعيلهم. كان يرسل لهم المال بانتظام، وكانوا يفخرون به، وبنجاحه الظاهري. لكن خلف هذا القناع، كان حسام يعيش حياةً مزدوجة، حياةً مليئةً بالخزي، والعزلة، واليأس.

في إحدى الليالي، وبينما كان يتجرع مرارة إدمانه، تذكر وجه لينا. كانت لينا، الفتاة التي أحبها بصدقٍ وتقى، والتي كادت أن تكون زوجته. كان لقاؤهما الأول محض صدفة، في سوقٍ شعبيٍ أثناء زيارته لقريته. رأى فيها البريق الذي يبحث عنه، رقة القلب، وعمق الروح، والالتزام الديني الذي كان يفتقده في محيطه. تطورت علاقتهما ببطء، في إطارٍ شرعيٍ، ملتزمين بآداب الدين وقيمه. كانت كل لقاءاتهما بوجود محرم، وكانت أحاديثهما تدور حول بناء مستقبلٍ مشتركٍ قائمٍ على المودة والرحمة.

تقدم حسام لخطبتها رسمياً، وبعد ترددٍ بسيطٍ من أهلها، الذين كانوا يرون فيه شاباً طموحاً، ولكنهم كانوا قلقين بعض الشيء من بعده عن القرية، وافقوا. وعدهم حسام بأن يكون خير سندٍ لابنتهم، وأن يبني لها حياةً كريمة. وفي تلك الفترة، كان حسام في أوج نجاحه، وكانت خططه المستقبلية واعدة.

لكن، قبل موعد الزفاف ببضعة أشهر، بدأت الأمور تتغير. بدأت مشاكله المالية تتفاقم، وبدأت تظهر عليه علامات الإرهاق، والانفعال. كان يخفي الأمر عن لينا، ولكنها، بحسها المرهف، كانت تشعر بأن شيئاً ما ليس على ما يرام. كانت تلاحظ التغير في نبرة صوته، وفي عينيه التي كانت يوماً تلمع بالحياة، والآن باتت تحمل بؤساً خفياً.

كان حسام يجد في المخدرات ملاذاً مؤقتاً من ضغوط الحياة، ومن الشعور بالذنب الذي كان ينهشه. كانت تلك المواد تخدر ألمه، وتنسيه همومه، وتمنحه شعوراً زائفاً بالقوة والسعادة. لكن هذا الوهم كان يتبخر سريعاً، تاركاً إياه أعمق في هوة الإدمان.

في تلك الليلة، بينما كان يعيش صراعاً مريراً مع نفسه، وصلته رسالةٌ نصيةٌ من لينا: "حسام، أفتقدك. متى سنلتقي؟ لم نرَ بعضنا منذ زمن. قلبي يطمئن حين أسمع صوتك".

ارتجفت يدا حسام وهو يقرأ الرسالة. كان يعرف أنه لا يستطيع رؤيتها على حاله هذا. كان خائفاً من أن تكتشف حقيقته، من أن ترى فيه صورة الرجل الضعيف، والمخزي، الذي أصبح عليه. كان يخشى أن يرى في عينيه الإحباط، وأن تلمس في يده الهزيل ارتعاشة الإدمان.

"أنا مشغولٌ جداً يا لينا. لدي التزاماتٌ كثيرة." رد عليها، وبدا له الصوت في رسالته قاسياً، وخالياً من أي عاطفة.

لم تجب لينا على الفور. شعر حسام بوخزةٍ من الألم في قلبه. كان يعلم أنه يؤذيها، ولكنه كان يشعر بالعجز. كيف يمكنه أن يصارحها؟ كيف يمكنه أن يخبرها بأن الرجل الذي أحبته، والذي وعدها بمستقبلٍ مشرق، قد أصبح ألعوبةً في يد السموم؟

كان الإدمان يلتهمه من الداخل، لا يدع له مجالاً للتفكير السليم، أو لاتخاذ القرارات الصائبة. كان كل تركيزه منصبّاً على تأمين الجرعة التالية، على تجنب أعراض الانسحاب المؤلمة. أصبح كل شيءٍ آخر، بما في ذلك لينا، يبدو بعيداً، وغير مهم.

فكر في كيف بدأ الأمر. في تلك الليلة التي شعر فيها بالوحدة، وبضغوط العمل. في ذاك الصديق الذي قدم له "الحل السحري". كيف سخر منه في البداية، ولكنه استسلم في النهاية. ثم بدأت الدائرة تدور، تزداد صعوبةً، ويستحيل الخروج منها.

كانت صورته أمام والديه، وأمام لينا، صورةً مزيفةً. كان يشعر بالخزي من نفسه، وبأن كل ما بناه كان على أسسٍ واهية. كانت علاقته بلينا، والتي كانت تمثل له النور والأمل، أصبحت تمثل له عبئاً، وسبباً للقلق.

في تلك اللحظة، وبينما كان يصارع شعوره بالذنب، واليأس، سمع صوتاً خافتاً يناديه من الخارج. كان صوت جاره، يسأله عما إذا كان بخير. شعر حسام بأن كل شيءٍ حوله بدأ ينهار. كان الإدمان قد ابتلعه، تاركاً إياه وحيداً، وسط ظلامٍ لا يبدو أن له نهاية.

كان عليه أن يتخذ قراراً، قراراً مصيرياً. إما أن يستسلم لهذا المصير المظلم، أو أن يحاول، بكل ما أوتي من قوة، أن ينتزع نفسه من هذا الجحيم. ولكن، هل كانت لديه القوة الكافية؟ هل كان الحب الذي يكنه للينا، ولوالديه، كافياً ليكون دافعاً له للنهوض من هذا السقوط؟

كانت عيناه تنظران إلى الهاتف، إلى رسالة لينا. كانت تلك الرسالة، في هذا الظلام الحالكة، كشعاعٍ صغيرٍ من الضوء، شعاعٍ كان يخشى أن يطفئه.

"لا يا حسام، لا تستسلم." همس صوته الداخلي. "تذكر لينا. تذكر وعدك. أنت أقوى من هذا."

ولكن، هل كان هذا الصوت الداخلي صادقاً؟ أم أنه كان مجرد وهمٍ آخر، كالوهم الذي يعيشه الآن؟

لقد وصل إلى مفترق طرقٍ حرج. طريقٌ يؤدي إلى الهلاك، وطريقٌ آخر، وإن كان مليئاً بالأشواك، ولكنه قد يقوده إلى النجاة. فإلى أي طريقٍ سيتجه حسام؟ وهل سيمتلك الشجاعة الكافية لمواجهة نفسه، ومواجهة الواقع المرير؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%