أحبك رغم المسافة 180

خيوط العنكبوت ورماد الأحلام

بقلم سارة العمري

كانت لينا تجلس على شرفة منزلها في القرية، تراقب هلال شهرٍ جديدٍ يطل من بين غيومٍ متناثرة. كان صمت الليل يلف المكان، صمتٌ مريحٌ اعتادت عليه، ولكنه في هذه الأيام، كان يحمل ثقلاً غريباً. ثقل القلق، وثقل الأسئلة التي لا تجد لها إجابة.

منذ أن علمت لينا بفسخ خطبتها المفاجئ، وهي تعيش في حالةٍ من الحيرة والألم. كان الأمر قد حدث بشكلٍ مفاجئ، دون مقدماتٍ كافية، ودون تفسيرٍ مقنع. كان حسام قد بعث لها برسالةٍ قصيرة، يعتذر فيها عن فسخ الخطوبة، ويذكر ظروفاً خارجةً عن إرادته. كانت الكلمات باردة، وخاليةً من أي عاطفة، مما زاد من حيرتها.

"ظروفٌ خارجةٌ عن إرادته؟" تكرر لينا في نفسها. "وما هي هذه الظروف التي جعلته يتخلى عني، وعن كل الوعود التي قطعها؟"

كانت تعرف حسام جيداً، تعرف طيبته، ورجولته، والتزامه. لم يكن من النوع الذي يتخلى عن مسؤولياته بهذه السهولة. كانت تشعر بأن هناك شيئاً ما يخفيه، شيئاً لا يستطيع أن يصارحها به.

كانت والدتها، الحاجة فاطمة، تراقب ابنتها بقلقٍ أمومي. كانت تعرف مدى حب لينا لحسام، ومدى حزنها على ما حدث. حاولت مراراً أن تتحدث إليها، أن تواسيها، وأن تقنعها بأن الزمن كفيلٌ بشفاء الجراح. ولكن لينا كانت تشعر بأن الأمر أعمق من مجرد جرحٍ عابر.

"يا ابنتي، ربما كان هذا خيراً لنا. ما كتبه الله لنا، فهو الخير." قالت لها الحاجة فاطمة ذات يوم، وهي تضع يدها الحانية على رأسها.

"لكن يا أمي، لم يكن هناك سببٌ واضح. كيف أقبل بخيراً لا أعرف سببه؟" ردت لينا، وصوتها يحمل نبرةً من الشك.

كانت لينا قد حاولت التواصل مع حسام مراراً بعد فسخ الخطوبة، ولكن كل محاولاتها باءت بالفشل. كان هاتفه مغلقاً، ولم يكن يرد على رسائلها. بدا وكأنه قد اختفى من حياتها تماماً، تاركاً وراءه فراغاً كبيراً.

في أحد الأيام، وبينما كانت لينا تتجول في السوق لشراء بعض الحاجيات، قابلت إحدى معارفها، سيدةٌ تعرف والدة حسام. بدأت الحديث بينهما، وسألت السيدة عن أحوال حسام، وعن سبب فسخ الخطوبة.

نظرت السيدة إلى لينا بعينين مليئتين بالشفقة، وقالت بهدوء: "يا ابنتي، أعتقد أنكِ لم تعرفي حسام جيداً. ما كان يتظاهر به ليس حقيقته. هناك أمورٌ لا يمكنني قولها، ولكنها أمورٌ مؤسفةٌ جداً."

اتسعت عينا لينا، وقلبها يخفق بقوة. "ماذا تقصدين؟" سألت، بصوتٍ يكاد يكون مسموعاً.

"لقد سمعتُ أخباراً غير جيدةٍ عن حسام. عن بعض الأمور التي تورط فيها. لا أريد أن أزيد من حزنك، ولكني أشعر أن من واجبي أن أخبركِ. يبدو أن والدته تعاني كثيراً بسبب هذا الأمر." قالت السيدة، وهي تهز رأسها بيأس.

شعرت لينا وكأن الأرض قد زلزلت بها. "تورط؟ في أي أمور؟" سألت، وصوتها يرتعش.

"يقال إنه أصبح لديه بعض العادات السيئة. بعض السلوكيات التي لا تليق بشابٍ مثله. لا أعرف التفاصيل، ولكن والدته كانت تبكي وتشتكي كثيراً. إنها تخشى عليه." قالت السيدة، وبدت عليها علامات التأثر.

عادت لينا إلى منزلها، وقلبها مثقلٌ بالهموم. كانت الكلمات التي سمعتها تدور في رأسها كالأعاصير. "عادات سيئة؟ سلوكيات غير لائقة؟" هل كان هذا هو حسام الذي عرفته؟ هل كان ذلك الشاب الملتزم، الطموح، قد أصبح شيئاً آخر؟

في تلك الليلة، لم تستطع لينا النوم. كانت تفكر في كل شيء. في نظرات حسام المتعبة، في كلماته الباردة، في اختفائه المفاجئ. هل كانت كل تلك علاماتٍ على ما كانت تتحدث عنه السيدة؟

تذكرت والدة حسام، امرأةٌ طيبةٌ للغاية، كانت قد قابلتها عدة مرات. كانت دائماً ما تتحدث عن ابنها بفخرٍ وحب. هل كانت تعاني حقاً؟ هل كانت تخفي ألماً عميقاً؟

بدأت لينا تجمع خيوط المعلومات المتناثرة. بدأ الشك يتسلل إلى قلبها. هل كانت هناك حقيقةٌ وراء كل هذه الغموض؟

قررت لينا أن تفعل شيئاً. لم تستطع أن تبقى مكتوفة الأيدي. كانت لا تزال تحب حسام، وكانت تشعر بأنها مسؤولةٌ عنه، ولو بشكلٍ غير مباشر. كان عليها أن تعرف الحقيقة، وأن تحاول مساعدته، إن كان هذا ممكناً.

في اليوم التالي، اتصلت لينا بوالدة حسام، الحاجة أمينة. كانت مترددةً في البداية، ولكن دافع الواجب والحب جعلاها تتجاوز ترددها.

"السلام عليكم يا خالتي أمينة. كيف حالك؟" قالت لينا بصوتٍ مطمئن.

"وعليكم السلام يا ابنتي. الحمد لله، حالي ليس بخير. كيف حالك أنتِ؟" جاء الصوت من الطرف الآخر، يحمل نبرةً حزينة.

"الحمد لله. خالتي، أنا آسفةٌ على إزعاجك، ولكن هل يمكنني أن أسألكِ عن حسام؟"

ساد صمتٌ طويلٌ على الطرف الآخر. ثم تنهدت الحاجة أمينة بعمق، وقالت: "حسام يا ابنتي... أصبح أمراً مؤلماً. لا أعرف ماذا أفعل. إنه يبتعد عني، ويتهرب. وحالته تسوء يوماً بعد يوم."

"ماذا تقصدين يا خالتي؟ ما الذي يحدث له؟" سألت لينا، وقلبها يتسارع.

"لا أدري يا ابنتي، ولكن يبدو أنه أصبح لديه بعض المشاكل. مشاكلٌ مالية، ومشاكلٌ شخصية. رأيته يتغير، ولكنه يرفض أن يتحدث معي." قالت الحاجة أمينة، وبدأت دموعها تنهمر.

"هل هو مدمنٌ يا خالتي؟" سألت لينا، بصوتٍ مرتعش، فقد كانت تخشى هذه الكلمة أكثر من أي شيءٍ آخر.

"لا أستطيع الجزم يا ابنتي، ولكن المؤشرات كلها تدل على ذلك. قلبي يصرخ من القلق. أتمنى لو يعود إلى رشده، قبل أن يخسر كل شيء." قالت الحاجة أمينة، وهي تبكي.

شعرت لينا بالبرد يسري في عروقها. كانت كلماتها كالصواعق. كل ما كانت تخشاه، قد أصبح حقيقةً. كان حسام، الرجل الذي أحبته، غارقاً في مستنقع الإدمان.

"شكراً لكِ يا خالتي أمينة. سأحاول أن أفعل شيئاً." قالت لينا، بصوتٍ ثابتٍ بالرغم من الألم الذي يعتصر قلبها.

أغلقت لينا الهاتف، وعادت لتجلس على الشرفة. كانت تنظر إلى السماء، إلى النجوم التي بدت وكأنها تشاركها حزنها. كان حبها لحسام عميقاً، ولكنها لم تكن مستعدةً لمواجهة هذه الحقيقة المرة.

ولكن، هل كان هناك بديلٌ آخر؟ هل يمكنها أن تتركه يغرق؟ هل يمكنها أن تنسى حبه، وتتجاهل ألمه؟

كانت الحقيقة قاسية، ولكنها كانت واضحة. كانت مشاعرها تجاهه قوية، أقوى من أن تتجاهلها. كان عليها أن تجد طريقةً لإنقاذه، مهما كان الثمن.

ولكن، كيف؟ وكيف يمكن لفتاةٍ بسيطةٍ من قريةٍ صغيرةٍ أن تواجه شبح الإدمان الذي ابتلع رجلاً شاباً؟ وهل ستجد القوة والعزيمة الكافية لإنقاذه، قبل أن يصبح الرماد هو كل ما يبقى من أحلامهما؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%