أحبك رغم المسافة 180

اليأس يتجذر في قلب الأب

بقلم سارة العمري

في منزلٍ متواضعٍ في أحد أحياء الرياض، كان الأستاذ أحمد، والد حسام، يرتشف قهوته الصباحية، وعيناه شاخصتان في الفراغ. كان يشعر بثقلٍ غريبٍ يثقل صدره، ثقلٌ لم يكن يدرك سببه بوضوح، ولكنه كان يشعر به يتجذر في أعماقه.

كان الأستاذ أحمد رجلاً طيباً، مخلصاً، يعمل بجدٍ ليكسب رزقه ويعيل أسرته. كان يعيش حياةً بسيطة، لكنها كانت مليئةً بالرضا والسكينة. كان فخوراً بابنه حسام، ويرى فيه مستقبلاً مشرقاً. كان دائماً ما يمدحه أمام أصدقائه وجيرانه، ويتحدث عن طموحه، وعن أخلاقه.

لكن، في الآونة الأخيرة، بدأ يشعر بأن شيئاً ما ليس على ما يرام. بدأت تأتيه أخبارٌ متضاربةٌ عن حسام. بعض الأصدقاء كانوا يتحدثون عن تأخر في سداد ديونه، وآخرون عن غيابه المتكرر عن العمل. كانت هذه الأخبار تشبه لسعاتٍ صغيرةٍ في قلبه، ولكنه كان يحاول أن يتجاهلها، وأن يقنع نفسه بأنها مجرد شائعاتٍ أو سوء فهم.

كانت زوجته، الحاجة أمينة، هي أول من لاحظ التغير الحقيقي في حسام. بدأت تلاحظ ابتعاده عنها، وتغير نبرة صوته، وشحوب وجهه. حاولت أن تسأله، ولكن حسام كان يتجنبها، ويختلق الأعذار. كانت الحاجة أمينة تعاني صمتاً، تخشى أن تخبر زوجها بما تشعر به، خوفاً من أن يؤلم قلبه.

"يا أحمد، هل تشعر بأن حسام مختلفٌ هذه الأيام؟" سألت زوجته ذات يوم، بحذر.

نظر إليها الأستاذ أحمد، وارتسمت على وجهه علامات القلق. "ماذا تقصدين يا أمينة؟ هل هناك شيءٌ تخفينه عني؟"

تنهدت الحاجة أمينة، وقالت: "لا شيءٌ مخيف، ولكنني أشعر بأن هناك شيئاً ما يزعجه. أصبح منعزلاً، وغير طبيعي."

"ربما هو مرهقٌ من العمل. إن طموحه كبير، وقد يكون يضغط على نفسه كثيراً." حاول الأستاذ أحمد أن يطمئنها، ولكنه لم يكن مقتنعاً تماماً.

بدأت الأمور تتفاقم. بدأ حسام يتغيب عن المنزل لأيامٍ متتالية، ويعود وهو في حالةٍ يرثى لها. كانت رائحةٌ غريبةٌ تفوح منه، وكان كلامه متقطعاً، وحركاته غير متزنة. لم يعد قادراً على إخفاء الحقيقة عن والديه.

ذات ليلة، عاد حسام إلى المنزل في وقتٍ متأخرٍ جداً، وكان في حالةٍ يرثى لها. كان فاقداً للوعي تقريباً، وجسده يرتجف. شعر الأستاذ أحمد ورعبٌ يصيبه. حمل ابنه إلى السرير، وبذل هو وزوجته جهوداً جبارةً لإيقاظه.

عندما استعاد حسام وعيه جزئياً، نظر إليه والده بعينين مليئتين بالدموع. "حسام، ما الذي تفعله بنفسك؟ أخبرني، ما الذي يحدث؟" سأل، بصوتٍ مختنق.

لم يستطع حسام أن يجيب. كان وجهه شاحباً، وعيناه تحملان بؤساً عميقاً. حاول أن يتحدث، ولكن الكلمات لم تخرج.

"قل لي يا بني، هل أنت في مشاكل؟ هل تحتاج إلى مساعدة؟" ألح الأستاذ أحمد، وهو يمسك بيد ابنه.

بعد صراعٍ مريرٍ مع نفسه، وبصوتٍ بالكاد مسموع، قال حسام: "أنا... أنا مدمنٌ يا أبي. أنا مدمنٌ على المخدرات."

كانت الكلمات كالصاعقة. اهتز الأستاذ أحمد، وكأن أركان المنزل قد اهتزت به. لم يستطع أن يصدق ما يسمع. ابنه، الذي كان يراه كالشمس المشرقة، أصبح غارقاً في ظلام الإدمان؟

"إدمان؟ مخدرات؟" كرر الأستاذ أحمد، وعيناه تتسعان في ذهول. "كيف؟ متى؟"

بكت الحاجة أمينة، وعانقت ابنها بقوة، وهي تهمس: "لماذا يا بني؟ لماذا فعلت هذا بنفسك؟"

بدأ حسام يروي قصته، قصة سقوطه في وحل الإدمان. قصة البداية البريئة، والضغوط المتزايدة، والشعور بالوحدة، والاستسلام للضعف. كان يتحدث بصوتٍ متقطع، مليءٍ بالندم، والخزي.

استمع الأستاذ أحمد بصمتٍ، وقلبه ينزف دماً. كان يرى أمام عينيه أحلامه كلها تتحطم. كان يرى مستقبل ابنه الذي رسمه في خياله، يتبدد كالضباب.

"كنت أعتقد أنك أقوى من هذا يا حسام." قال الأستاذ أحمد، بصوتٍ يحمل لوعةً وألماً. "كنت أعتقد أنك تعرف قيمة نفسك، وقيمة حياتك."

"لقد ضعفت يا أبي. لقد انزلقت." رد حسام، وعيناه مليئةٌ بالدموع.

شعر الأستاذ أحمد بغضبٍ عارمٍ يشتعل في داخله. غضبٌ على ابنه، وعلى نفسه، وعلى الظروف التي أدت إلى هذا المصاب. ولكن، في خضم هذا الغضب، كان هناك شعورٌ أقوى: شعورٌ بالألم، والحزن، واليأس.

"كيف يمكننا أن نساعدك يا بني؟" سأل، وهو يحاول أن يسيطر على انفعالاته. "نريد أن نساعدك."

"لا أعرف يا أبي. لا أعرف إن كان هناك أملٌ لي." قال حسام، بصوتٍ يائس.

كانت تلك الكلمات كسكينٍ تطعن قلب الأب. "يأس؟" هل استسلم ابنه؟ هل فقد الأمل في الحياة؟

نظر الأستاذ أحمد إلى ابنه، ورأى فيه رجلاً مكسوراً، ضائعاً. شعر بأن جبالاً من الهموم قد انهارت على رأسه. كان الإدمان كوحشٍ متوحشٍ، يلتهم كل شيءٍ في طريقه.

"لا تقل هذا يا حسام. لا تستسلم. يجب أن نجد طريقةً لعلاجك. يجب أن تعود إلى حياتك." قال الأستاذ أحمد، وهو يحاول أن يبث فيه بعض الأمل.

ولكن، في أعماقه، كان الأستاذ أحمد يشعر بمرارةٍ عميقة. كان يرى ابنه يتدهور، وكان يشعر بالعجز. كان يرى أحلامه تتحطم، وكان يشعر بأن كل شيءٍ قد انتهى.

هل كان هناك حقاً أملٌ لحسام؟ وهل يستطيع الأب، بقلبٍ مثقلٍ باليأس، أن يجد الطريق لإنقاذ ابنه من هذا الجحيم؟ أم أن هذا الإدمان سيكون هو النهاية لكل شيء؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%