أحبك رغم المسافة 180
لقاءٌ في الظل ومحاولةٌ للإنقاذ
بقلم سارة العمري
بعد أيامٍ قليلةٍ من مواجهة حسام لوالديه، وبعد أن استوعب الأستاذ أحمد حجم الكارثة التي حلت بأسرته، قرر أن لا يستسلم. كان اليأس قد تسلل إلى قلبه، ولكنه كان يعلم أن عليه أن يكون قوياً لابنه، ولزوجته.
بدأ الأستاذ أحمد بالبحث عن حلول. كان يعرف أن الإدمان ليس مرضاً بسيطاً، وأنه يتطلب جهداً كبيراً، وعلاجاً متخصصاً. بدأ يسأل في أوساط المعارف، ويبحث عن أطباء نفسيين، وعن مراكز علاجٍ للإدمان. كانت مهمته تبدو مستحيلة، فالمعلومات المتوفرة كانت قليلة، وكان يشعر بالعزلة في هذا الأمر.
في أحد الأيام، بينما كان يتحدث مع أحد أصدقائه القدامى، الأستاذ خالد، ذكر له الأستاذ أحمد مصيبته. كان الأستاذ خالد رجلاً حكيماً، وصاحب خبرةٍ في الحياة.
"يا أحمد، إنها محنةٌ صعبة، ولكنها ليست نهاية العالم." قال الأستاذ خالد، بصوتٍ هادئ. "هناك دائماً أملٌ، ما دام الإنسان يريده. لقد عرفتُ شخصاً، كان يعاني من نفس المشكلة، ونجح في التغلب عليها. ولكن الأمر يحتاج إلى صبرٍ، وإلى دعمٍ كبير."
"وهل تعرف كيف عالجوه؟" سأل الأستاذ أحمد، بلهفة.
"لقد خضع لعلاجٍ في أحد المراكز المتخصصة، كما أنه حصل على دعمٍ نفسيٍ كبيرٍ من أسرته. ولكن الأهم، هو إرادته هو." قال الأستاذ خالد. "سأحاول أن أتواصل معك مع الشخص الذي أعرفه. ربما يمكنه أن يقدم لك بعض النصائح."
شعر الأستاذ أحمد ببعض الأمل. كان يعلم أن هذه مجرد بداية، وأن الطريق سيكون طويلاً وشاقاً. ولكنه كان مستعداً لبذل كل ما في وسعه.
في غضون ذلك، كانت لينا قد علمت بالأمر. فقد تحدثت إليها والدة حسام، الحاجة أمينة، وروت لها كل شيء. كانت لينا قد أدركت بالفعل أن هناك مشكلةً كبيرة، ولكنها لم تكن تتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد.
عندما سمعت لينا عن إدمان حسام، شعرت بصدمةٍ كبيرة، ولكن لم يكن هناك مجالٌ للانهيار. كان قلبها لا يزال يحمل حباً عميقاً لحسام، وكان يشعر بأنها مسؤولةٌ عن مساعدته.
"لا تقلقي يا خالتي أمينة." قالت لينا، بصوتٍ ثابتٍ، بالرغم من حزنها. "سأجد طريقةً لأكون بجانب حسام. سأدعمه، وسأقف معه."
كانت والدة حسام، الحاجة أمينة، قد فقدت الأمل تقريباً. كانت ترى ابنها يتدهور، وتشعر بالعجز. ولكن، عندما سمعت كلمات لينا، شعرت بنورٍ من الأمل يخترق ظلام يأسها.
"يا ابنتي، أخشى عليكِ. هذا الأمر خطيرٌ جداً." قالت الحاجة أمينة، بقلق.
"لا تخافي يا خالتي. أنا أعرف ما أفعله. حسام يحتاجنا الآن أكثر من أي وقتٍ مضى." قالت لينا، بحزم.
كانت لينا تعلم أن العلاقة بينها وبين حسام قد انتهت رسمياً، ولكنها كانت تشعر بأن حبها له لم ينتهِ. كان حبها يتجاوز فكرة الزواج، ويتجه نحو الشفقة، والأمل في الخلاص.
قررت لينا أن تتواصل مع حسام، ولكن ليس بشكلٍ مباشر. كانت تعرف أن مواجهته في هذه الحالة قد تكون صعبة، وقد تزيد من مشاكله. فكرت في طريقةٍ غير مباشرة.
تذكرت لينا أن حسام كان يتحدث عن صداقته مع شابٍ يدعى "سالم"، والذي كان يعمل معه في نفس الشركة قبل أن يتركها. كان حسام يصف سالم بأنه شابٌ طيبٌ، وذو أخلاقٍ عالية.
اتصلت لينا بسالم، بتقديمٍ بسيطٍ من الحاجة أمينة. قدمت نفسها، وروت له القصة بإيجاز، وطلبت منه المساعدة.
"أنا أعرف أن حسام كان صديقك." قالت لينا. "أعلم أنه يمر بظروفٍ صعبةٍ جداً. نحن، عائلته، ولينا، نريد أن نساعده. ولكن يبدو أنه يبتعد عنا. هل يمكنك أن تتحدث معه؟ أن تحاول إقناعه بطلب المساعدة؟"
استمع سالم إلى لينا بصمتٍ، وبدت عليه علامات التأثر. كان يعرف حسام جيداً، ويعرف معدنه الأصيل. كان متفاجئاً ومحزناً لما سمعه.
"بالتأكيد يا لينا. سأحاول. سأتحدث معه." قال سالم. "حسام شابٌ طيب، ولم يكن ليحلم أبداً بأن يصل به الحال إلى هذا. يجب أن نساعده."
في اليوم التالي، ذهب سالم لمقابلة حسام في المكان الذي كان يتواجد فيه غالباً. كان حسام يجلس وحيداً، في زاويةٍ مظلمةٍ من أحد المقاهي الشعبية، عيناه زائغتان، وجسده هزيل.
"حسام." نادى سالم بصوتٍ هادئ.
التفت حسام، وبدت عليه علامات المفاجأة. "سالم؟ ما الذي تفعله هنا؟"
"جئت لأراك يا صديقي. سمعت أخباراً عنك، وأردت أن أطمئن عليك." قال سالم، وجلس بجانبه.
شعر حسام بالخجل، وبالارتباك. لم يكن مستعداً لمواجهة سالم، الذي كان يمثل له صورةً لحياته القديمة، وللشخص الذي كان يتمنى أن يكون.
"أنا بخير." قال حسام، بصوتٍ بالكاد مسموع.
"لا يا حسام، أنت لست بخير." رد سالم، بحزم. "أنا أعرف ما تمر به. ووالدتك، ووالدك، ولينا، كلهم قلقون عليك. كلهم يريدون مساعدتك."
نظرت حسام إلى سالم، وبدأت دموعه تنهمر. "لقد خذلتهم جميعاً يا سالم. لقد خذلت نفسي."
"لا تقل ذلك يا حسام. ما زال هناك وقت. ما زال هناك أملٌ لك." قال سالم. "لقد تحدثت مع لينا، وهي مستعدةٌ لفعل أي شيءٍ لتساعدك. والدتك، والدك، هم أيضاً يبذلون كل ما في وسعهم. ولكن، يجب أن تقرر أنت أولاً. يجب أن تريد أنت أن تتغير."
كان سالم يتحدث بحماسٍ، وبإصرار. كان يتحدث كصديقٍ حقيقي، يحمل أمل الشفاء.
"لا أعرف إن كنت أستطيع يا سالم." قال حسام، بصوتٍ يائس. "لقد غرقت كثيراً."
"الكل يستطيع يا حسام، ما دام هناك من يمد له يد العون." قال سالم. "هناك مراكز علاجٍ متخصصة، وهناك أشخاصٌ يمكنهم مساعدتك. كل ما عليك فعله هو أن تقول 'نعم'."
ظل حسام صامتاً، يتصارع مع نفسه. كانت كلمات سالم تدق في أذنيه، كقرعٍ لطبلٍ قديم، يوقظه من سباتٍ عميق. هل كان يستحق هذه الفرصة؟ هل كان يستحق أن يحاول؟
"أنا... أنا سأفكر في الأمر." قال حسام، أخيراً، بصوتٍ متردد.
شعر سالم بانتصارٍ بسيط. كان يعلم أن هذه الكلمات لم تعنِ الموافقة النهائية، ولكنها كانت بداية. كانت بدايةٌ لعمليةٍ طويلةٍ وصعبة، ولكنها كانت بدايةً للأمل.
"شكراً لك يا سالم. أنت صديقٌ حقيقي." قال حسام، وهو ينظر إلى سالم بامتنان.
"العفو يا صديقي. نحن هنا من أجلك." قال سالم، وهو يربت على كتف حسام.
كان لقاء حسام بسالم، بمبادرةٍ من لينا، نقطة تحولٍ صغيرةٍ في حياة حسام. كانت خيوط الأمل بدأت تتشابك، وإن كانت لا تزال ضعيفة. هل ستكون هذه الخيوط كافيةً لإنقاذه من ظلام الإدمان؟ وهل سيتمكن من بناء حياته من جديد، بعد أن تبدد رماد أحلامه؟