أحبك رغم المسافة 180
الصدى الأثيري واليقين الهش
بقلم سارة العمري
عاد يوسف إلى شقته الصغيرة بعد يوم طويل ومضنٍ في المكتب. كانت رائحة البخور الخفيفة لا تزال تعبق في المكان، ذكرى عزيزة لوالدته التي طالما أحبت هذا العطر. جلس على الأريكة، متنهدًا بعمق، وأغلق عينيه للحظة، مستعيدًا صورته مع ليلى في ذلك المساء. ابتسامتها الهادئة، نظراتها الدافئة، صوتها الرقيق الذي كان يتردد صداه في أذنيه وكأنه لحن عذب. أحبها، أحبها بكل جوارحه، ورغم المسافة التي تفصل بينهما، كان قلبه متعلقًا بها تعلق الأم بطفلها.
لكن تلك السعادة التي عاشها لم تدم طويلاً. فما إن بدأ يستعرض رسائل البريد الإلكتروني المتراكمة، حتى وقعت عيناه على إعلان غريب من شركة عقارية كبرى عن مشروع توسع كبير في المنطقة التي تعمل فيها شركته. بدأ القلق يتسلل إلى نفسه. لم يكن المشروع مجرد توسع عادي، بل كان يشمل شراء مبانٍ قديمة في وسط المدينة، وتحويلها إلى أبراج حديثة. كان يعلم أن بعض هذه المباني تضم ورشًا صغيرة وحرفيين، ومن ضمنهم ورشة والده التي ورثها عن جده.
تصفح المزيد من التفاصيل، ثم وضع يده على رأسه. كانت المسافة بينه وبين ليلى ليست مجرد أميال تفصل بين مدينتين، بل أصبحت الآن بينه وبين حلمه الذي يراوده منذ زمن. حلمه بالحفاظ على إرث عائلته، ورشة النجارة القديمة التي كانت شاهدة على أجيال من العطاء. كانت تلك الورشة تعني له الكثير، فهي ليست مجرد مكان للعمل، بل هي ذاكرة حية، وروح تنبض بالحياة.
اتصل بوالده على الفور. كان الصوت المرتعش لوالده يعكس قلقه. "يوسف يا بني، لقد سمعت الخبر. المشروع كبير جدًا، ويخشى أن تطال يد التدمير كل شيء."
"لا تقلق يا أبي، سنفعل كل ما بوسعنا." أجاب يوسف بصوت يحاول إظهار الثبات، لكنه كان يشعر ببرودة تسري في عروقه. "لقد كنت أفكر في خطة. ربما يمكننا أن نتقدم بعرض لشراء المبنى، أو جزء منه على الأقل. يمكننا أن نجد مستثمرين، ربما يكون هناك بعض الأشخاص الذين يهتمون بالحفاظ على التراث."
"أعرف يا بني، لكن الأمر ليس بهذه السهولة. الشركات الكبرى لديها موارد ضخمة، ومصالح متشابكة. كيف سنواجه هذا كله؟"
"سنواجه بالحق وبالإصرار يا أبي. سأتحدث مع المحامي، وسأبحث عن كل السبل القانونية الممكنة. والأهم، سأتحدث مع ليلى."
فكر في ليلى. كانت دائمًا مصدر إلهامه ودعمه. كان يعلم أنها ستتفهم حجم المشكلة، وربما تجد حلولًا لم تخطر بباله. كانت ذكية، وقادرة على رؤية الأمور من زوايا مختلفة. تذكر كيف ساعدته في أوقات عصيبة سابقة، وكيف كانت دائمًا بجانبه.
كتب لها رسالة إلكترونية طويلة، يشرح فيها الوضع بالتفصيل، معبرًا عن قلقه العميق وخوفه من فقدان الورشة. لم يصف مشاعره تجاهها في تلك الرسالة، لكن كلماته كانت مشبعة بحنين عميق ورغبة في مشاركتها همومه. أرسل الرسالة، ثم انتظر ردها بفارغ الصبر.
في غضون ذلك، بدأت الأخبار تنتشر بين الحرفيين في المنطقة. كان الخوف واليأس سيد الموقف. اجتمع بعضهم مع يوسف، يتناقشون في الحلول الممكنة. كان منهم الحاج عبد القادر، رجل كبير في السن، صاحب ورشة دهانات قديمة، كان يعمل فيها منذ شبابه. قال بصوت متهدج: "لقد بنينا هذه الورش في هذه المنطقة بأيدينا. إنها ليست مجرد مبانٍ، إنها تاريخنا."
"نحن نتفهم ذلك يا حاج، ولن نسمح بأن تضيع جهودكم وجهود أجدادكم." أجاب يوسف، بينما كان يشعر بثقل المسؤولية يزيد. "لكننا نحتاج إلى التفكير بعمق. لا يمكننا أن نعتمد على المشاعر فقط. نحتاج إلى خطة عملية."
في صباح اليوم التالي، تلقى يوسف رد ليلى. كان ردًا مليئًا بالعاطفة والتعاطف. كتبت: "يا يوسف، كم يؤلمني ما سمعته. أتفهم جيدًا ما تعنيه لك هذه الورشة. إنها جزء منك، وجزء من تاريخ عائلتك. أنا معك في هذا الأمر، وسأفعل كل ما يمكنني فعله للمساعدة."
ثم أضافت: "لقد تحدثت مع والدي. إنه يعرف بعض الأشخاص في مجالس المدينة، وقد يكون لديهم بعض النفوذ. سنحاول استطلاع الأمر من خلالهم. بالإضافة إلى ذلك، فكرت في شيء آخر. ربما يمكننا تنظيم حملة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لزيادة الوعي بالمشكلة، وحشد الدعم الشعبي. قد لا يكون لهذا تأثير مباشر على قرارات الشركات، لكنه قد يخلق ضغطًا اجتماعيًا، وربما يلفت انتباه جهات أخرى."
ابتسم يوسف. كانت ليلى دائمًا ما تجد طرقًا مبتكرة للتغلب على العقبات. كانت تلك هي ليلى التي يعرفها ويحبها. ذكية، قوية، ومتعاطفة.
"شكرًا لك يا ليلى. أنتِ بالفعل البلسم الذي يداوي جروحي." كتب لها ردًا سريعًا، معبرًا عن امتنانه الشديد.
تحدث مع والده مرة أخرى، وأخبره بخطة ليلى. كان والده يشعر ببعض الأمل. "إنها فكرة جيدة يا بني. ربما هذا هو السبيل الوحيد. لا يمكننا الوقوف مكتوفي الأيدي."
في تلك الليلة، لم يستطع يوسف النوم. كانت الأفكار تتسابق في رأسه. كيف سيتمكن من إدارة هذا الصراع، وفي نفس الوقت الحفاظ على علاقته بليلى؟ هل ستتمكن ليلى من إيجاد حلول حقيقية؟ هل سيقوى على مواجهة قوة الشركات الكبرى؟ كانت المسافة بينه وبين ليلى تبدو الآن أوسع من ذي قبل، ليست مجرد مسافة جغرافية، بل مسافة بين واقع مرير وبين أحلام جميلة. لكن في قلبه، كان هناك يقين هادئ بأن حبه لليلى، وحبه لإرثه، هما وقوده للمضي قدمًا.