الفصل 19 / 25

الحب الحلال 182

سرٌّ عتيقٌ يكشف النقاب

بقلم فاطمة النجار

كانت ليلةً أرقّ من جناح فراشة، ألقت بظلالها الثقيلة على قصر آل الزاهر. في إحدى الغرف المزدانة بنقوشٍ ذهبيةٍ عتيقة، وجدَتْ "ليلى" نفسها محاصرةً بجدرانٍ من القلق والتساؤلات. منذ أن وطأت قدماها هذا المكان، وهي تشعر بأنّ هناك خيوطًا خفيةً تنسج حولها، خيوطٌ تتعلق بماضي لم تعشه، وبأسرارٍ ترفض أن تفصح عن نفسها.

جلستْ قبالة المرآة الفضية، تحدّق في وجهها الشاحب الذي يعكس صراعًا داخليًا عميقًا. لم تكن مجرد قصة حبٍ تسعى لتحقيقها مع "خالد"، بل كانت رحلةً اكتشافٍ لذاتها، ولجذورها التي يبدو أنها امتدت في أرضٍ لم تعرفها من قبل. بدأتْ تستجمع شجاعتها، وتستحضر روح جدتها التي كانت دائمًا مصدر إلهام لها، تلك المرأة الصابرة الحكيمة التي كانت تروي لها قصصًا عن أصالة العائلة وعراقتها.

فجأةً، سمعتْ صوتَ خطواتٍ خفيفةٍ تقترب من باب الغرفة. إنها "أمينة"، زوجة عم "خالد"، المرأة التي اتسمتْ ببرودٍ غامضٍ وقسماتٍ صارمة. دخلتْ الغرفة تحمل صينيةً فضيةً أنيقةً عليها كوبٌ من الشاي وعِطرٌ يفوح بعبق الياسمين. لم تكن "أمينة" من النوع الذي يبادر بالزيارات، وهذا بحد ذاته كان يثير ريبة "ليلى".

"مساء الخير يا ابنتي،" قالت "أمينة" بصوتٍ خفيضٍ يحمل نبرةً لا تخلو من التوتر. "رأيتكِ مستيقظةً، فظننتُ أنكِ قد تحتاجين إلى شيءٍ."

ابتسمتْ "ليلى" ابتسامةً باهتة. "مساء النور يا خالتي. أنا بخير، فقط بعض الأفكار تدور في رأسي."

جلستْ "أمينة" على طرف السرير، وقد وُضعت الصينية على المنضدة. "الأفكار هي ما يثقل كواهلنا أحيانًا، أليس كذلك؟" قالتها وهي تفرك يديها بتوترٍ واضح. "هذا القصر يحمل الكثير من الأفكار، والكثير من الأسرار."

شعرت "ليلى" بأنّ قلبها بدأ يخفق بقوة. هل تعرف "أمينة" شيئًا؟ هل هي المفتاح الذي طالما بحثت عنه؟

"حقًا؟" سألت "ليلى" وهي تحاول الحفاظ على هدوئها. "لمحتُ دائمًا في هذا المكان روحًا خاصة، كأنّ جدرانه تحكي قصصًا."

"قصصًا كثيرة،" همست "أمينة" وعيناها تتبعان حركة الشموع المشتعلة، وكأنها تبحث عن إجاباتٍ في وهجها. "قصصٌ تتعلق بعائلة آل الزاهر، وبماضي جدك - رحمه الله - وبالوصية التي تركها."

تجمّدت "ليلى" في مكانها. الوصية؟ هل كان لجدها وصيةٌ لم تعلم بها؟

"وصية؟" كررت "ليلى" بصوتٍ بالكاد يُسمع. "لم أسمع بهذا من قبل."

نظرتْ "أمينة" إلى "ليلى" مباشرةً، وكان في عينيها مزيجٌ من الشفقة والحزم. "هناك الكثير مما لم تعلميه، يا ابنتي. لقد كان جدك رجلاً حكيمًا، أراد أن يحمي عائلته من شرورٍ قد تتسلل إليها. لكنّ الزمن، وعوامل أخرى، قد غيّرت مسار الأمور."

"ما هي هذه الشرور يا خالتي؟ وما هي الأمور التي تغيرت؟" أصرّت "ليلى"، وشعورٌ غريبٌ بالعرفان والشوق بدأ يتملكها.

"الأمر يتعلق بعلاقتك بخالد،" قالت "أمينة" بصوتٍ أعمق، وكأنها تفتح بابًا كان مغلقًا منذ زمنٍ طويل. "كان جدك يعلم أن الحب الحقيقي قادرٌ على كسر الحواجز، وعلى إعادة الأمور إلى نصابها. لكنه كان يعلم أيضًا أن هناك عقباتٍ ستظهر، عقباتٌ قد تبدو مستحيلةً في بعض الأحيان."

"هل تقصدين... عائلة السيد غسان؟" سألت "ليلى" بخوفٍ يعتريها.

تنهدتْ "أمينة" بعمق. "السيد غسان مجرد واجهة. هناك أيدي أخرى في الظلام، أيادي تسعى لتفريقكم، ولإبقاء الأسرار مدفونةً."

شعرَتْ "ليلى" بالبرد يتسلل إلى عظامها. بدأتْ تفهم الآن لماذا كان "خالد" دائمًا يتسم بالحذر، ولماذا كانت نظراته تحمل أحيانًا قلقًا عميقًا.

"ولكن ما علاقة كل هذا بالوصية؟" سألت "ليلى" بعينين دامعتين.

"الوصية،" قالت "أمينة" وهي تنهض بحذر، "كانت تحمل مفتاحًا. مفتاحًا لكسر هذه القيود، ولإثبات الحق. لكنّها ضاعت، أو بالأحرى... أخفيت."

"أخفيت؟ من قبل من؟"

"لا أعرف بالتحديد،" اعترفت "أمينة" بأسف. "ولكنني أعرف أنها تركت تعليماتٍ. تعليماتٍ لمن سيجدها، وكيف سيستخدمها. ولذلك، عندما رأيتُ إصراركم على الارتباط، ورأيتُ الودّ الصادق في قلوبكم، شعرتُ أنني يجب أن أفعل شيئًا."

"وماذا فعلتِ؟"

"لقد بحثتُ،" قالت "أمينة" وهي تتجه نحو خزانة ملابسٍ قديمةٍ في زاوية الغرفة. "لم أكن أعرف أين أبحث، ولكنني شعرتُ أن الحلّ قريب. وبعد ليالٍ من البحث، وجدتُ شيئًا."

فتحتْ "أمينة" باب الخزانة، وأخرجتْ صندوقًا خشبيًا صغيرًا، مزينًا بنقوشٍ هادئة. كان الصندوق قديمًا، يبدو أن الزمن قد طاله، لكنه كان لا يزال يحتفظ بسحره.

"هذا هو؟" سألت "ليلى" وهي تقترب من الصندوق، وقلبها يكاد يقفز من صدرها.

"لا أدري إن كان هو بالتحديد،" قالت "أمينة" بجدية، "ولكنه وجدتُه مخبأً بعنايةٍ فائقةٍ خلف لوحةٍ قديمةٍ في مكتب جدك. يبدو أنه يحمل أشياءً خاصة."

تناولتْ "ليلى" الصندوق بين يديها. كان خفيفًا، لكن ثقله المعنوي كان هائلاً. بدأتْ أصابعها تتحسس سطح الصندوق، تبحث عن آلية فتحٍ. لم تجد شيئًا.

"كيف يُفتح؟" سألت.

ابتسمتْ "أمينة" ابتسامةً خفيفة. "هذا هو الجزء الأصعب. جدك كان يحب الألغاز. يقولون أن فيه نقشًا صغيرًا، نقشًا قديمًا، يدل على الطريقة."

بدأتْ "ليلى" تتفحص الصندوق بعينٍ ثاقبة. بحثتْ عن أي علامةٍ مميزة، عن أي رمزٍ مخفي. ثم، تحت إحدى النقوش المعقدة، لمحَتْ شيئًا. كان حرفًا عربيًا قديمًا، متشابكًا ببراعة، بالكاد يمكن رؤيته.

"وجدته!" صاحت "ليلى" بفرحٍ ممزوجٍ بالرهبة. "هنا!"

وضعتْ "ليلى" إصبعها على النقش، وحاولتْ دفعه بلطف. لم يتحرك. ثم، وكأنها تلقت إلهامًا، وضعتْ إصبعها الآخر على النقش المجاور، وقامتْ بلفّ النقش الأول باتجاه عقارب الساعة. سمعتْ صوتَ طقطقةٍ خفيفة، وانفتح الغطاء ببطء.

داخل الصندوق، لم تجد "ليلى" مجوهراتٍ ثمينة، ولا ذهبًا. بل وجدتْ عدة رسائلٍ مخطوطةٍ بأناقة، ووثيقةً قديمةً مختومةً بختمٍ شمعيٍ باهت. شعرتْ بأنّ الهواء قد انسحب من رئتيها. هذه هي الأسرار التي كانت تتحدث عنها "أمينة". هذه هي خيوط الماضي التي بدأتْ تتكشف.

"ماذا يوجد بداخله؟" سألت "أمينة" بفضولٍ ممزوجٍ بالرهبة.

"لا أعرف بعد،" أجابت "ليلى" وهي تتناول أول رسالةٍ بيدين مرتعشتين. "ولكنني أشعر بأنّ حياتي على وشك أن تتغير بشكلٍ لا رجعة فيه."

ارتسمتْ على وجه "أمينة" ابتسامةٌ تحمل في طياتها أملًا جديدًا. "بعض التغييرات تكون مؤلمةً في البداية، يا ابنتي، ولكنها تقود إلى بدايةٍ أجمل."

جلستْ "ليلى" على حافة السرير، وبدأتْ تقرأ. كانت الكلمات تتدفق أمام عينيها، تروي قصةً عن حبٍ قديم، عن تضحيةٍ عظيمة، وعن مؤامرةٍ دنيئةٍ سعَتْ إلى طمس الحق. لم تكن مجرد رسائل، بل كانت شهادةً حيةً على تاريخٍ لم يعرفه إلا القليلون. كانت هذه هي اللحظة الفاصلة، نقطة اللاعودة التي ستقودها إلى مواجهةٍ مع ماضٍ كان من المفترض أن يبقى دفينًا.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%