الفصل 3 / 25

الحب الحلال 182

صدى صوتٍ من الماضي

بقلم فاطمة النجار

استيقظ "عمر" على صوت المنبه المزعج، لكنه لم ينهض من سريره فورًا. ظل مستلقيًا لعدة لحظات، يتأمل سقف غرفته البسيط، محاولًا استجماع قواه ليواجه يومًا جديدًا. كان عمر يعمل في مكتبةٍ قديمةٍ في وسط المدينة، وهي مكتبةٌ تعج بالكتب النادرة، والمخطوطات العتيقة، وروائح الورق القديم التي يعشقها. كان عمر شابًا هادئًا، قليل الكلام، لكنه يمتلك عقلًا واسعًا، وحبًا عميقًا للقراءة والمعرفة.

كان عمر قد فقد والديه في حادثٍ أليمٍ قبل سنوات، وعاش مع عمه وزوجته، اللذين كانا طيبين، لكنهما لم يستطيعا أن يملآ الفراغ الذي تركه فقدانهما. أصبح عالمه الوحيد هو الكتب، فكان يجد فيها عزاءً، وصداقةً، وهربًا من واقعٍ قاسٍ. لكن في الآونة الأخيرة، كان هناك شيءٌ جديدٌ يشغل تفكيره، شيءٌ بدأ معه بعد أن بدأ العمل في تنظيف قسمٍ مهملٍ من المكتبة، قسمٍ مليءٍ بالوثائق والأوراق التي لم يمسها أحدٌ منذ عقود.

وبينما كان يتفحص صندوقًا خشبيًا قديمًا، عثر على مجموعةٍ من الرسائل المكتوبة بخطٍ أنيقٍ وجميل، كلها موجهةٌ إلى امرأةٍ اسمها "ليلى". كان عمر قد سمع اسم ليلى من قبل، فقد كانت حفيدة صاحب المكتبة الأصلي، وكانت امرأةً اشتهرت بجمالها وثقافتها وحكمتها. كانت قصتها معروفةً في أوساط المؤرخين المحليين، وقد ارتبط اسمها بقصة حبٍ دراميةٍ مع شابٍ اختفى فجأةً، تاركًا إياها بقلبٍ مكسور.

بدأ عمر بقراءة الرسائل، وانجذب إليها شيئًا فشيئًا. كانت الرسائل تحمل كلماتٍ عاطفيةً جياشة، تعبر عن حبٍ عميقٍ وصادق، وعن شوقٍ لا ينتهي. كان المرسل، وهو شابٌ يدعى "بدر"، يتحدث عن أحلامه، وآماله، وعن مدى حبه لليلى. كانت الرسائل تكشف عن جانبٍ آخر من قصة ليلى، جانبٍ مليءٍ بالحب النقي، والشغف المكبوت.

"يا ليلى، يا من سرقتِ قلبي وعقلي،" كانت إحدى الرسائل تقول. "كل لحظةٍ أغيب فيها عنكِ، أشعر وكأنني أعيش في صحراء لا نهاية لها. أنتِ روحي، وأنتِ سعادتي. أريد أن أبني معكِ بيتًا، وأن أرى ضحكتكِ تضيء حياتي."

شعر عمر بتأثرٍ عميق. لقد كانت هذه الكلمات تتجاوز مجرد العاطفة، كانت تعكس ارتباطًا روحيًا قويًا. بدأ يتساءل عن سبب اختفاء بدر، وعن مصير هذا الحب النقي. هل كانت هناك ظروفٌ قاهرةٌ فرقت بينهما؟ هل كان هناك سرٌ دفينٌ وراء هذه القصة؟

وبينما كان غارقًا في عالم الرسائل، سمع صوتًا قويًا يناديه. "عمر! هل انتهيتَ من تنظيف ذلك القسم؟"

كان "السيد سالم"، صاحب المكتبة الحالي، ورجلٌ كبيرٌ في السن، قليل الصبر، ويهتم أكثر بالأمور المادية من الأمور الأدبية.

"نعم يا سيدي،" أجاب عمر وهو يخفي الرسائل بسرعةٍ داخل سترته. "لقد انتهيتُ تقريبًا."

"جيد، أحضر لي قائمةً بالكتب التي وجدتها، أريد أن أرى إن كان هناك شيءٌ ذو قيمةٍ يمكن بيعه."

شعر عمر بالضيق. كان يعلم أن السيد سالم لا يقدر قيمة هذه المخطوطات، وأن هدفه الوحيد هو الربح. حاول أن يتجاهل هذا الشعور، وركز على إكمال عمله.

بعد انتهاء الدوام، عاد عمر إلى شقته الصغيرة، التي كانت تقع فوق المكتبة. جلس على مكتبه، وأخرج الرسائل مرةً أخرى. كان يشعر بأنه قد أصبح جزءًا من هذه القصة، وأنه مدينٌ لهذه الذكرى بأن يكشف عن حقيقتها.

"من أنت يا بدر؟ وماذا حدث لك؟" كان يسأل نفسه.

وفجأة، وبينما كان يقلب في إحدى الرسائل، سقطت منها ورقةٌ صغيرةٌ مطوية. كانت الورقة تحمل بضع كلماتٍ مكتوبةً بسرعةٍ، وكأنها لم تُكتب في لحظةٍ طبيعية.

"ليلى، أرجوكِ، لا تبحثي عني. إن الأمر خطيرٌ جدًا. سأحاول العودة إليكِ عندما يسكن الغبار. أحبكِ."

شعر عمر بقشعريرةٍ تسري في جسده. هذه الكلمات لم تكن مجرد تعبيرٍ عن حبٍ، بل كانت تحمل نبرةً من الخوف، والتحذير. هل كان بدر قد اختفى هربًا من خطرٍ ما؟ هل كان هناك من يطارده؟

بدأ عمر يشعر بالفضول يتزايد، وبحسٍ غريبٍ بالمسؤولية. أراد أن يعرف ما حدث لبدر، وماذا جرى في حياة ليلى. لقد شعر بأن هذه القصة ليست مجرد صفحاتٍ قديمة، بل هي حكايةٌ تتطلب من يعرفها أن يكشف عن ماضيها، وعن أسرارها.

نظر إلى الغبار المتراكم على رفوف المكتبة، وكأنها حجابٌ يغطي على حقائق مدفونة. هل سيتمكن عمر، الشاب الذي يعيش بين صفحات الماضي، من كشف ستائر هذا الغبار، وربط خيوط هذه القصة المنسية، وربما، ربما، العثور على معنىً جديدٍ لحياته في خضم هذه الأسرار؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%