الحب الحلال 182
أغلال الأمس
بقلم فاطمة النجار
كانت نسمات العشاء الدافئة تحمل معها شذى الياسمين المتسلق على جدران البيت العتيق، تتسلل عبر مشربيات الغرفة الواسعة، وترسم على الأرضية الرخامية نقوشاً من ظلال النخيل المتراقصة. جلست ليلى على مصطبتها الوثيرة، وقد سكن الحزن عينيها كطيور مهاجرة وجدت في قلبيها مستقراً. كانت ترتشف كوب الشاي بالنعناع، تتأمل قطرات الندى المتجمعة على بتلات الورد المتفتحة في حديقة والدتها، ولكن رؤيتها كانت ضبابية، وكأن العالم من حولها قد اكتسى بوشاح رمادي من الكآبة.
منذ رحيل سليمان، ذاك الرجل الذي داعب خيالها يوماً وأضاء حياتها بوهجٍ زائف، شعرت بفراغٍ موحشٍ ينهش روحها. لم يكن الأمر مجرد فقدانٍ لرجلٍ أحبته، بل كان إدراكاً مريرًا لضعفٍ كامنٍ فيها، لإدمانٍ على وهمٍ كان يبدو لها الحقيقة المطلقة. لقد علق سليمان في حياتها كوشمٍ غائر، نقش على جلد روحها ندوباً لا تُمحى بسهولة. عادت بها الذاكرة إلى تلك الليالي التي قضتها ساهرة، تنتظر منه كلمةً، نظرةً، أو حتى إشارةً تدل على أنه يعيشها كما تعيشه. كانت تملك هاتفاً، ولكنه غالباً ما كان صامتاً، لا يحمل سوى صدى فراغ الانتظار.
لقد تعلقت به، نعم، ولكن هل كان هذا التعلق صحياً؟ هل كان حبًا يستحق أن تُساق إليه كل آمالها؟ كانت تفكر الآن، وهي مغمورةٌ بمرارة التجربة، أن تعلقها كان أشبه بتعلق المدمن بما يدمر حياته ببطءٍ وهدوء. كانت تتنازل عن مبادئها، تتجاهل نصائح والدتها الحكيمة، وتُبحر في عالمٍ ضبابيٍّ من الأوهام، كل ذلك بحثًا عن بريقٍ لم يكن حقيقياً في جوهره. سليمان، ببراعته في اللعب على وتر المشاعر، استطاع أن يجعلها ترى فيه ما لم يكن موجوداً، أن يبني قصوراً من رمالٍ على شاطئٍ هشٍّ، سرعان ما ابتلعته أمواج الحقيقة.
ما زاد الأمر سوءاً هو الشعور بالخزي الذي لازمها. كيف سمحت لنفسها بالوقوع في هذا الفخ؟ كيف تجاهلت كل الإشارات الحمراء التي كانت تومض أمامها؟ لقد رأت نظرات الارتياب في عيون صديقاتها، وحذر والدتها المبطن، ولكنها كانت تبتسم لهم بسذاجة، وتُردد أنهم لا يفهمون عمق مشاعرها. الآن، أدركت أنها هي من لم تفهم. لم تفهم طبيعة سليمان، ولم تفهم عمق ضعفها.
تذكرت تلك اللحظات التي كانت تتخلى فيها عن واجباتها، تتأخر عن دروسها، تتغيب عن لقاءات عائلتها، كل ذلك لأنه ربما اتصل، أو لأنه وعدها بلقاء. كانت تلك تنازلاتٌ صغرى في البداية، ولكنها تراكمت، فصارت جبلاً من الأخطاء الصغيرة التي هددت بتدمير حياتها. أدركت أن إدمانها على سليمان لم يكن إدمانًا على الحب، بل كان إدمانًا على الأمل الزائف، وعلى الشعور بأن هناك من يعطي لحياتها معنى، حتى لو كان هذا المعنى مصطنعًا.
"يا ليلى، ما زلتِ جالسةً ههنا؟" صوت والدتها الرقيق اخترق شرودها، يحمل معه دفء القلق المعتاد.
التفتت ليلى، ابتسمت ابتسامة باهتة. "نعم يا أمي، أستنشق هواء الليل."
اقتربت والدتها، جلست بجانبها، وضعت يدها بحنانٍ على كتفها. "أرى في عينيكِ حزنًا لا يزول. هل عاد سليمان؟"
تنهدت ليلى بعمق. "لا يا أمي. لم يعد. ولن يعود."
صمتت الأم لبرهة، تتأمل ابنتها بقلبٍ يعتصر ألماً. "كنت أعرف. كنت أعرف أن هذا الطريق لن يؤدي بكِ إلى بر الأمان."
"لم أكن أرى ذلك يا أمي. كنت أرى فقط ما أراد لي أن أراه."
"وماذا ترين الآن؟"
"أرى الأغلال التي قيدتني. أرى كيف سمحت لضعفي أن يتحكم بي."
"الحياة يا ابنتي فيها الكثير من الدروس القاسية، ولكنها علمتكِ شيئاً. علمتكِ أن تبحثي عن قوتكِ في داخلكِ، لا في عيون الآخرين."
"ولكن كيف أتحرر من هذه الأغلال؟ كيف أنسى؟" تساءلت ليلى، وعيناها تلتمعان بالدموع.
"النسيان ليس هو الحل الوحيد، يا حبيبتي. التجاوز هو الحل. التجاوز يعني أن تعيشي الألم، تفهميه، ثم تتجاوزيه. يعني أن تستخرجي الدروس، وتُكملي الطريق بقلبٍ أقوى وعقلٍ أوعى."
"ولكنه كان كل شيء بالنسبة لي."
"لم يكن كل شيء. كان مجرد فصلٍ من فصول حياتكِ. فصلٌ قاسٍ، ربما، ولكنه لن يحدد نهاية القصة."
نهضت الأم، وهي تمد يدها إلى ليلى. "هيا بنا. هناك الكثير من الأشياء التي تنتظركِ. هناك حياتكِ الحقيقية التي يجب أن تعيشيها."
وقفت ليلى، مترددةً للحظة، ثم أمسكت بيد والدتها. شعرت بدفءٍ يسري في عروقها، دفءٌ لم يكن يأتي من لمسةٍ جسديةٍ فقط، بل من قوةٍ مستمدةٍ من إيمانٍ راسخٍ، وحبٍٍ أبويٍّ لا يلين.
"ماذا أفعل يا أمي؟"
"تبدأين من هنا. من هذه اللحظة. تعترفين بخطئكِ، تتوبين عن تعلقكِ الزائف، وتبدأين رحلة البحث عن ذاتكِ الحقيقية. ذاتٍ لا تحتاج إلى رجلٍ ليمنحها القيمة، بل ذاتٍ تجد قيمتها في إيمانها، في مبادئها، وفي قدرتها على النهوض بعد كل سقوط."
نظرت ليلى إلى السماء المظلمة، وقد بدأت النجوم تتلألأ فيها كآلاف العيون التي تراقبها. كانت تشعر بمسؤوليةٍ جديدةٍ تقع على عاتقها، مسؤوليةٌ تجاه نفسها، تجاه مستقبلها. لقد كان سليمان إدمانًا، ولكنها كانت على وشك اكتشاف إدمانٍ آخر، إدمانٌ أصعب وأخطر، إدمانٌ قد يقودها إلى الهاوية إذا لم تستطع السيطرة عليه: إدمانُ الذات، حبُّ الذات المفرط، ذلك التمسكُ بالماضي ورواسبه، الذي قد يمنعها من رؤية الحاضر الجميل.
"أنا مستعدة يا أمي." قالتها بصوتٍ قويٍّ، اهتزت له ذرات الهواء.
"بارك الله فيكِ يا ابنتي."
ومضت الأم وابنتها إلى داخل البيت، تاركين وراءهما شذى الياسمين، حاملين معهما ثقل الماضي، وأمل المستقبل. كانت ليلى تدرك أن المعركة لم تنتهِ بعد. إنها معركةٌ نفسيةٌ، معركةٌ مع الذكريات، مع الاعتراف بالضعف، ومع القدرة على النهوض. لقد كانت في طريقها نحو الشفاء، ولكنه طريقٌ مليءٌ بالمزالق، طريقٌ يتطلب منها أن تواجه أقسى أعدائها: نفسها.