الحب الحلال 182
صدى الفراغ
بقلم فاطمة النجار
كانت أروى تجلس في شرفتها المطلة على ضوضاء المدينة الصاخبة، ولكن صخبها لم يكن يصل إليها. كانت غارقةً في عالمٍ آخر، عالمٍ تحكمه أشواكُ الذكريات وأحلامٌ مؤجلة. أمامها كوبٌ من القهوة أصبح بارداً، وأوراقٌ مبعثرةٌ تحمل بقايا أفكارٍ لم تجد طريقها إلى النور. بدت وكأنها لوحةٌ فنيةٌ باهتة، رسمها فنانٌ مرهقٌ، تخلت عنها الألوان.
منذ أن انقطعت أخبارُ عمار، وزيجاته المتتالية، وهي تشعر وكأن جزءًا من روحها قد انتُزع. لم يكن الأمر متعلقًا بالحب الرومانسي المباشر، فقد كان عمار صديق عمرها، وأخاها في روحها. كان هو مرآتها، وشريك أحلامها، وصوت العقل حين تضل. كانت تعرف تاريخه جيداً، علاقاته، وحتى فشله في إيجاد شريكة حياةٍ مستقرة. ولكنها، بطريقةٍ ما، كانت ترى فيه الأمل. الأمل في أن يتغير، أن يجد الاستقرار، أن يبني حياةً سعيدةً وحلالاً.
كانت أروى تحمل في قلبها حباً عميقاً لمبادئ الزواج الإسلامي، لمفهوم الأسرة، وللألفة التي تنمو بين الزوجين تحت مظلة الشرع. كانت تراقب رفيقاتها الواحدة تلو الأخرى يتزوجن، يبنين أسراً، ويُنجبن أطفالاً. كانت تشعر بالسعادة من أجلهن، ولكن في قرارة نفسها، كان هناك شعورٌ بالوحدة، وبفقدانٍ لشيءٍ جوهري. كانت تشعر بأنها تسير في طريقٍ مختلف، طريقٍ قد يؤدي بها إلى أواخر العمر وهي وحيدة.
كانت علاقتها بعمار تتجاوز حدود الصداقة المألوفة، ولكنها كانت دائماً ضمن حدودٍ شرعيةٍ صارمة. كانا يتحدثان لساعات، يتبادلان الأفكار، يتشاوران في أمور الحياة، يتشاركان الأفراح والأحزان. ولكنها لم تكن تخفي عنه إعجابها بشخصيته، بذكائه، بروحه المرحة. وعندما تزوج، لم تعترض. بل كانت من أوائل المهنئين. ولكن الزواج الأول لم يدم، ثم الثاني، ثم الثالث. كل زواجٍ كان يمثل طعنةً جديدةً في قلبها، طعنةٌ لم تكن موجهةً لشخصها، بل لخوفها من أن يكون مصير عمار هو التشرذم، وأن يكون اختياره دائمًا خاطئًا.
"أروى، هل أنتِ هنا؟" صوت أختها الصغيرة، سارة، اخترق صمتها.
التفتت أروى. "نعم يا سارة، تفضلي."
دخلت سارة، وهي تحمل صينيةً عليها بعض الحلويات. "أمي أرسلت هذه لكِ. قالت إنكِ لم تتناولي شيئاً منذ الصباح."
ابتسمت أروى ابتسامةً مرهقة. "شكراً لكِ يا حبيبتي."
جلست سارة بجانبها. "ماذا بكِ يا أروى؟ تبدين حزينةً جداً."
"لا شيء يا سارة. مجرد بعض الأفكار."
"هل بسبب عمار؟" سألت سارة بفضولٍ طفولي.
ترددت أروى. "إنه... إنه أمرٌ معقد."
"لقد سمعتُ أمي تتحدث عنه. تقول إنه يبدو وحيدًا جدًا."
"ربما يكون كذلك."
"ولماذا لا تتزوجينه أنتِ؟" سألت سارة مباشرةً، براءة الأطفال أحياناً تكون صادمة.
اتسعت عينا أروى. "ماذا؟ أنا وعمار؟"
"نعم! أنتما تتحدثان كثيراً، وتحبان بعضكما. لماذا لا؟"
"الأمر ليس بهذه البساطة يا سارة. الزواج مسؤوليةٌ كبيرةٌ، ويجب أن يكون هناك توافقٌ حقيقيٌّ."
"ولكنكما متوافقان! هل أنتِ لا تحبينه؟"
"أحبه كصديق، كأخ..."
"ولكن ليس كزوج؟" قاطعتها سارة.
شعرت أروى بضيقٍ في صدرها. هل هي حقاً لا تحبه كزوج؟ أم أنها تخاف؟ تخاف من أن يكون هو أيضاً كغيره، أن يخذلها، أن يثبت لها أن اختيارها سيءٌ كاختياراته؟
"أنا... أنا لست متأكدةً يا سارة."
"لماذا لستِ متأكدة؟ ما الذي تخافين منه؟"
"أخاف أن أرتكب نفس الخطأ الذي ارتكبوه. أخاف أن أجعل حياتي كلها معلقةً بشخصٍ قد لا يكون هو الشخص المناسب."
"ولكن إذا لم تجربي، فلن تعرفي أبداً!" قالت سارة بعناد. "أمّي تقول دائماً إن الحياة مغامرةٌ، وأنكِ يجب أن تخوضي المخاطر."
"هناك مخاطرٌ محمودةٌ ومخاطرٌ مذمومةٌ يا سارة."
"وهل الحب الزوجي من المخاطر المذمومة؟"
"ليس الحب، يا حبيبتي. الخوف من الفشل، وعدم الثقة بالنفس، والتمسك بالماضي، هي التي تجعل الأمر يبدو كذلك."
نظرت أروى إلى سارة، وشعرت بغصةٍ في حلقها. لقد كانت ابنتها الصغيرة، بكلماتها البسيطة، قد أضاءت لها ما كانت تتجاهله. إن إدمانها لم يكن على عمار نفسه، بل كان إدمانًا على صورةٍ مثاليةٍ للزواج، إدمانًا على الخوف من الوحدة، وإدمانًا على انتظار "الشخص المناسب" الذي قد لا يأتي أبداً. لقد كانت تخشى أن تختار، تخشى أن تلتزم، تخشى أن تفشل.
"ربما تكونين على حق يا سارة." قالت أروى بصوتٍ خافت.
"يعني ماذا؟"
"يعني أنني ربما أكون قد استسلمت للخوف أكثر من اللازم. ربما أكون قد سمحت للماضي بأن يشلّني."
"إذاً، ماذا ستفعلين؟"
"سأفكر. سأفكر بجديةٍ هذه المرة. لن أجعل الخوف يتحكم بي."
نهضت أروى، ومشيت إلى الداخل. ألقت نظرةً على هاتفها. كان صامتاً، كما هو الحال دائماً. ولكنها هذه المرة، لم تشعر باليأس. شعرت بالرغبة في أن تكون مختلفة. أن تكون قوية. أن تتخذ قراراً، مهما كانت نتيجته.
لقد اكتشفت أروى أن إدمانها الحقيقي لم يكن انتظار عمار، أو رفضه، بل كان إدمانًا على الشعور بأنها لم تختر. لقد كانت تمنح الآخرين، سواء عمار أو ظروفه، القدرة على تشكيل حياتها. وكانت هذه هي العبودية الحقيقية، عبوديةُ الانتظار، عبوديةُ التردد، عبوديةُ الخوف.
"أنا لن أنتظر بعد الآن." همست لنفسها. "سأبني حياتي بنفسي. وبالله المستعان."
وقفت أمام المرآة، نظرت إلى عينيها. كانت لا تزال هناك بقايا حزن، ولكن كان هناك أيضاً بريقٌ جديد، بريقٌ بدأ يتشكل في أعماقها. بريقُ الشجاعة، بريقُ التغيير. لقد كانت على وشك أن تدخل مرحلةً جديدةً من حياتها، مرحلةً تتطلب منها أن تواجه ليس فقط إدمان الخوف، بل أيضًا إدمان الرفض، إدمانُ إبقاء الباب مفتوحاً على احتمالاتٍ لا تنتهي، بينما حياتها الحقيقية تنتظر أن تُبنى.