الفصل 9 / 25

الحب الحلال 182

خيوطٌ تتشابك

بقلم فاطمة النجار

كانت رائحة القهوة العربية الأصيلة تفوح من فنجانٍ صغيرٍ وضعته أمينة على طاولةٍ خشبيةٍ عتيقة، تتوسط مجلسها الفسيح. كانت أمينة، والدة ليلى، امرأةً وقورة، تمتد الهيبة والوقورة في ملامحها، ولكن قلبها كان ينبض بالحنان والقلق على ابنتها. كانت تجلس في صمتٍ، تتأمل قطرات المطر المتساقطة على زجاج النافذة، وكأنها تراقب سير الحياة، وتنتظر لحظةَ الحقيقة.

لقد مرت أيامٌ قليلةٌ منذ حديثها مع ليلى. كانت تلمس تغيراً طفيفاً في ابنتها، شيئاً من الهدوء، وربما شيئاً من العزم. ولكنها كانت تعرف أن المعركة لم تنتهِ، وأن بقايا سليمان، ذلك الرجل الذي أرهق قلب ابنتها، لا تزال تترك آثارها. لقد أدركت أمينة أن ما عانت منه ليلى لم يكن مجرد حبٍّ ضائع، بل كان نوعاً من الإدمان، إدمانٌ على عاطفةٍ زائفة، إدمانٌ على رجلٍ استغل طيبتها ووهبها وعوداً فارغة.

"أمي، هل أنتِ هنا؟" صوت ليلى اخترق شرودها.

التفتت أمينة، ابتسمت بحنان. "نعم يا حبيبتي. تفضلي."

دخلت ليلى، جلست بجانب والدتها. كانت تبدو أكثر هدوءاً، ولكن لم تختفِ آثار الحزن تماماً من عينيها. "كنت أفكر فيما قلتِ لي."

"وماذا وجدتِ؟"

"وجدتُ أنكِ على حق. لقد كنتُ ضعيفةً. كنتُ أبحث عن السعادة في الخارج، في شخصٍ آخر، بينما هي في داخلي."

"هذا هو أول الطريق يا ليلى. الاعتراف بالذات، والاعتراف بالخطأ."

"ولكن كيف أتجاوز هذا الشعور؟ شعورُ الفقد، شعورُ الخزي؟"

"ليس الأمر مسألة تجاوزٍ بقدر ما هو مسألة بناء. تبنين شيئاً جديداً فوق الركام. تبنين حياتكِ، تبنين ذاتكِ، تبنين مستقبلكِ."

"ولكنه كان جزءاً كبيراً من حياتي."

"كان فصلاً، يا ليلى. فصلاً سيئاً ربما، ولكنه ليس الكتاب كله. يجب أن تُغلقي هذا الفصل، وتفتحي فصلاً جديداً، فصلاً أجمل وأكثر إشراقاً."

"وكيف أفعل ذلك؟"

"تبدأين بما تفعلينه الآن. تفكرين، تتأملين، تسألين نفسكِ الأسئلة الصحيحة. ثم تبدأين في اتخاذ خطواتٍ عملية. تعودين إلى دراستكِ، تبحثين عن عملٍ جديد، تُشاركين في أنشطةٍ تُعيد لكِ شغفكِ بالحياة."

"ولكن ماذا عن... ماذا عن سليمان؟ هل سأراه مرةً أخرى؟"

نظرت أمينة إلى ابنتها بحزمٍ ولطف. "إذا جاء إليكِ، فستتعاملين معه بحذرٍ شديد. ستضعين حدوداً واضحةً، ولن تسمحي له بأن يعود إلى حياتكِ بنفس الطريقة. إذا أردتِ أن تتجاوزي، فيجب أن تُبعدي ما يُذكركِ بما كنتِ عليه، وما يُغريكِ بالعودة إلى الوراء."

"وهل هو يحاول؟"

"حتى الآن، لا. ولكني لا أستطيع أن أضمن المستقبل."

"ولكن إذا عاد، فماذا أفعل؟"

"تتذكرين الألم الذي سببه لكِ. تتذكرين ضعفَكِ. تتذكرين كم كدتِ أن تخسري كل شيء. ثم تقولين له "لا"."

"إنها كلمةٌ صعبةٌ."

"إنها كلمةٌ ضروريةٌ يا ليلى. كلمةٌ ستحميكِ، وستُعيد إليكِ قوتكِ."

في هذه الأثناء، وصل خبرٌ إلى أمينة، خبرٌ جعل قلبها يخفق بقلقٍ أشد. كانت قد تحدثت مع صديقةٍ قديمةٍ لسليمان، صديقةٌ تعيش في الخارج. وأخبرتها الصديقة أن سليمان قد عاد بالفعل إلى البلاد، وأنه يبدو في وضعٍ ماليٍّ صعبٍ جداً. ولم تكن هذه المعلومة وحدها ما أقلقها، بل كانت معلومةٌ أخرى، أن سليمان كان يتردد على بعض الأماكن، ويسأل عن ليلى.

"ليلى، هل أنتِ متأكدةٌ أنكِ مستعدةٌ لمواجهة أي شيءٍ قد يأتي؟" سألت أمينة، وقد تغير صوتها قليلاً.

"بماذا تفكرين يا أمي؟"

"وصلتني أخبارٌ بأن سليمان عاد، وأنه... ربما يحاول أن يتواصل معكِ."

شعرت ليلى ببرودةٍ تسري في عروقها. "هل أنتِ متأكدة؟"

"نعم. ولا أعرف إن كانت هذه الأخبار جيدةً أم سيئة."

"ولكن إذا حاول، فماذا أفعل؟" سألت ليلى، وقد تكرر السؤال.

"تتذكرين ما قلته لكِ. الحدود. والقوة."

"ولكنني أخاف أن أكون ضعيفةً مرةً أخرى."

"لن تكوني ضعيفةً وحدكِ. أنا معكِ، وعائلتكِ معكِ. ولكن يجب أن تكوني أنتِ المستعدة في داخلكِ. يجب أن يكون قراركِ قاطعاً."

كانت ليلى تدرك أن إدمانها على سليمان لم يكن مجرد حبٍّ، بل كان إدمانًا على الشعور بأنها مرغوبة، بأنها مهمة. كان سليمان، بطريقته، يعطيها هذا الشعور، حتى لو كان زائفاً. والآن، مع عودته، كان هذا الإدمان يهدد بالعودة بقوة.

"ماذا لو... ماذا لو أردتُ أن أسمع منه؟" سألت ليلى بصوتٍ بالكاد يُسمع.

تنهدت أمينة. "إذا أردتِ أن تسمعي، فستسمعين. ولكن لا تسمحي لكلماته بأن تخدعكِ مرةً أخرى. لا تسمحي له بأن يعيدكِ إلى تلك الدوامة. إذا جاء، فقولي له: "لقد تعلمتُ درسي. وما فات قد فات"."

أخذت ليلى نفساً عميقاً. كان قلبها يخفق بقوة، مزيجاً من الخوف، والفضول، وحتى بقايا شعورٍ غامضٍ ما زال يربطها بسليمان. كانت تعلم أن هذه اللحظة، لحظة عودة سليمان المحتملة، ستكون فاصلة. إنها ليست مجرد مواجهة مع سليمان، بل هي مواجهةٌ مع نفسها، مع ضعفها، ومع إدمانها.

"سأكون قويةً يا أمي." قالتها ليلى، وصدق إصرارها بدا واضحاً في صوتها.

"أعلم أنكِ ستكونين. فالقوة يا ابنتي، ليست في عدم السقوط، بل في النهوض كل مرةٍ نسقط فيها."

جلست ليلى، تتأمل كوب الشاي أمامها. كانت تشعر بثقلٍ هائلٍ يلقي بظلاله على مستقبلها. لقد كان إدمانها على سليمان، وإدمان سليمان على المغامرات، يتشابكان ليخلقا دراما معقدة. ولكن في هذه اللحظة، شعرت ليلى بأنها تستطيع أن تكتب نهايةً مختلفة لهذه الدراما، نهايةً تُعيد إليها السيطرة على حياتها، وتعيد لها قيمتها الحقيقية.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%