روح تبحث عنك 183
لقاء غير متوقع وهمسة أمل
بقلم ليلى الأحمد
في سوق المدينة القديم، حيث تتنافس رائحة البهارات العطرية مع عبير القهوة المحمصة، وبين حشود الباعة والزوار، سارت "ليلى" بخطوات هادئة، تلفها هالة من الوقار والبساطة. كانت تبحث عن بعض الأعشاب الطبية لجدتها المريضة، ولطالما كانت هذه الزيارة إلى السوق تقليدًا مقدسًا لديها. ترتدي ملابس فضفاضة بلون أزرق سماوي، مع حجاب يزين شعرها الداكن، وتترك لمسات خفيفة من الكحل تزين عينيها الواسعتين.
كانت "ليلى" فتاة نادرة. تجمع بين الذكاء الحاد، والقلب الطيب، والروح المستقلة. عاشت مع جدتها بعد وفاة والديها في حادث سيارة قبل عدة سنوات. ورغم الظروف الصعبة، لم تيأس "ليلى"، بل حملت عبء المسؤولية بكل شجاعة، واتجهت لدراسة التمريض، لتكون خير سند لجدتها، ولتساعد المحتاجين.
وبينما كانت "ليلى" تتفحص بعض الأعشاب النادرة لدى عطار شهير، لم تنتبه للرجل الذي اصطدم بها عن غير قصد، مما أدى إلى سقوط بعض الأكياس من يدها.
"آسف جدًا!" قال صوت عميق، فيه نبرة من الدهشة والاعتذار.
رفعت "ليلى" رأسها لتجد شابًا وسيمًا، بشعر داكن مجعد، وعينين بنيتين عميقتين، وبسمة اعتذار على وجهه. كان يرتدي ملابس أنيقة، لكنها بدت بسيطة وغير متكلفة.
"لا عليك، يحدث ذلك." قالت "ليلى" وهي تحاول جمع الأكياس المتناثرة.
"دعيني أساعدك." قال الشاب وهو ينحني ليساعدها.
تبادلا نظرات سريعة. لم تكن "ليلى" معتادة على هذه اللقاءات، خاصة في الأماكن العامة. لكنها شعرت بشيء غريب يشدها لهذا الشاب. وكان هو الآخر يبدو مبهورًا بجمالها الهادئ ورقتها.
"اسمى 'ماجد'." قال الشاب وهو يمد يده ليصافحها. ترددت "ليلى" للحظة، ثم مدت يدها لتمسك بيده. "وأنا 'ليلى'."
"تشرفت بمعرفتك يا 'ليلى'." قال "ماجد" بعيون مشرقة. "لم أكن أقصد أن أزعجك. كنت أفكر في شيء ما."
"في ماذا كنت تفكر؟" سألت "ليلى" بفضول، متناسية للحظة ما جاءت من أجله.
ابتسم "ماجد" ابتسامة واسعة. "كنت أفكر في مشروع جديد. أحاول إيجاد الحلول لبعض المشاكل التي تواجه المزارعين في منطقتنا. وبصراحة، فقدت تركيزي للحظة."
"هذا رائع." قالت "ليلى". "أنا أحترم كل من يسعى لمساعدة الآخرين. جدتي دائمًا تقول أن العمل النافع هو ما يبقى."
"هذا صحيح تمامًا." قال "ماجد". "وهل أنتِ تساعدين جدتك في شيء ما؟"
"نعم، أحضر لها بعض الأعشاب الطبية. إنها مريضة بعض الشيء." أجابت "ليلى" بصوت خافت.
"أتمنى لها الشفاء العاجل." قال "ماجد" بصدق. "إذا كنتِ بحاجة لأي مساعدة، فلا تترددي في طلبي. فأنا أملك بعض المعرفة بالأعشاب، وربما أستطيع أن أقدم لكِ يد العون."
"شكرًا لك، هذا لطف منك." قالت "ليلى".
"هل تسمحين لي أن أدعوكِ لتناول فنجان قهوة بعد أن تنتهي من مهمتك؟ لأتعرف عليكِ أكثر، وربما أستمع إلى بعض أفكارك حول مشروع المزارعين."
فكرت "ليلى" قليلاً. لم تكن معتادة على الخروج مع شباب لا تعرفهم. ولكن في نفس الوقت، شعرت بشيء من الألفة والارتياح تجاه "ماجد". بالإضافة إلى ذلك، كان اهتمامه بمساعدة المزارعين يثير إعجابها.
"حسنًا." وافقت "ليلى" بابتسامة خجولة. "بعد أن أنتهي من شراء ما أحتاجه."
"رائع!" قال "ماجد" بسعادة. "سأنتظرك هنا، في هذا المقهى." وأشار إلى مقهى قريب.
ابتسمت "ليلى" وودعته، متوجهة نحو بقية مشترياتها. كانت تشعر بخليط من المشاعر. السعادة، والقلق، والأمل. هل هذا مجرد لقاء عابر، أم أنه بداية لشيء جديد؟
بعد أن انتهت "ليلى" من شراء ما تحتاجه، توجهت نحو المقهى الذي حدده "ماجد". وجدته جالسًا على طاولة في الخارج، يحتسي قهوته وينظر حوله. ابتسم لها عندما رآها.
"تفضلي بالجلوس." قال "ماجد" مشيرًا إلى الكرسي المقابل.
جلست "ليلى"، وشعرت ببعض التوتر.
"هل استمتعتِ بالتسوق؟" سأل "ماجد". "نعم، شكرًا لك." أجابت. "هل لي أن أسألكِ عن طبيعة عملك؟"
"أنا أدرس التمريض، وأعمل بدوام جزئي في مستشفى قريب." قالت "ليلى". "أحلم بأن أصبح ممرضة قادرة على مساعدة الناس."
"هذا هدف نبيل جدًا." قال "ماجد" باحترام. "وتتطلب هذه المهنة الكثير من الصبر والإخلاص."
"نعم، ولكنها مجزية جدًا." قالت "ليلى". "عندما ترى ابتسامة شخص تعافى بسبب مساعدتك، فهذا شعور لا يضاهى."
"أتفق معك تمامًا." قال "ماجد". "وأنا أحاول أن أجد سعادتي في مساعدة الآخرين بطريقتي. فكرة المشروع تدور حول إيجاد طرق مبتكرة لزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل الهدر، وتقديم الدعم للمزارعين الذين يعانون من صعوبات مالية."
"وهل لديك خطة واضحة؟" سألت "ليلى" باهتمام.
"بدأت في وضع الخطوط العريضة. ولكنني أفتقر إلى بعض الخبرات. وخاصة فيما يتعلق بالجانب الميداني، وكيفية التعامل المباشر مع المزارعين. أعتقد أن أفكارك قد تكون مفيدة جدًا."
"قد أكون قادرة على مساعدتك في هذا الجانب." قالت "ليلى" بعد تفكير. "فأنا على اتصال دائم مع الناس، وأفهم احتياجاتهم. وجدتي كانت دائمًا تهتم بزراعة بعض النباتات في حديقتنا، ولدي بعض المعرفة بالنباتات التي تنمو في منطقتنا."
"هذا رائع!" قال "ماجد" بفرح. "هل يمكننا أن نعقد اجتماعًا آخر قريبًا، لنناقش هذا الأمر بشكل مفصل؟"
"بالتأكيد." وافقت "ليلى" بابتسامة.
بعد ذلك، استمر الحديث بينهما. تحدثا عن أحلامهما، وعن طموحاتهما، وعن القيم التي يؤمنان بها. اكتشف كل منهما في الآخر روحًا تشبه روحه. روح تتطلع إلى الخير، وتسعى إلى فعل ما هو نافع.
عندما حان وقت الانصراف، شعر كل منهما بخيبة أمل قليلة.
"شكرًا لكِ 'ليلى' على هذه القهوة الشيقة." قال "ماجد". "لقد كانت تجربة رائعة."
"الشكر لك 'ماجد'." قالت "ليلى" بخجل. "لقد تعلمت الكثير اليوم."
"أتمنى أن نلتقي قريبًا." قال "ماجد" وهو ينظر في عينيها.
"بالتأكيد." أجابت "ليلى".
تبادلا أرقام الهواتف، وودع كل منهما الآخر. وبينما كانت "ليلى" تسير عائدة إلى منزل جدتها، شعرت بقلبها يخفق بشدة. كان لقاءً غير متوقع، لكنه حمل معه همسة أمل. أمل بأن الحياة قد تخبئ لها شيئًا جميلًا. شيئًا قد يعوضها عن كل ما فقدته.
في هذه الأثناء، كان "أحمد" لا يزال في مكتبه، يعكف على أوراقه. وصله اتصال من "خالد".
"أين أنت يا 'أحمد'؟" سأل "خالد". "أتيت إلى المطعم ولم أجدك."
"أنا في المكتب." أجاب "أحمد". "لا أستطيع الخروج الآن."
"لا بأس. ما زلت أفكر فيك. اليوم، قابلت شخصًا ما في السوق. فتاة رائعة، ذكية، طيبة، ولديها أحلام كبيرة. أعتقد أنها قد تكون مناسبة لك."
"من هي؟" سأل "أحمد" بفتور، غير مهتم تمامًا.
"لا أعرف اسمها بعد، لكنها ستلتقي بشاب آخر لتناول القهوة. أردت فقط أن أخبرك أن هناك فتيات جميلات في هذا العالم، فتيات يستحقن الحب، ويستحقن السعادة."
"شكرًا لك يا 'خالد'." قال "أحمد" بتهذيب. "ولكنني لست مستعدًا الآن."
"أعلم. ولكن فقط تذكر أن الأمل موجود دائمًا." قال "خالد" قبل أن ينهي المكالمة.
شعر "أحمد" ببعض الامتنان لكلمات "خالد"، لكنه لم يستطع أن يرى النور بعد. كان لا يزال غارقًا في ظلام حزنه. وبينما كان يحاول التركيز على عمله، وصلته رسالة نصية. رسالة من رقم مجهول.
"كيف حال قلبك اليوم؟ أتمنى أن يكون بخير. - أ."
تجمد "أحمد" في مكانه. يعرف هذه الأقواس. يعرف هذه البداية. هل كانت "آمنة"؟ هل كانت حقًا تفكر فيه؟ أم أنها مجرد صدفة؟