روح تبحث عنك 183
شكوك متزايدة وحنين إلى الماضي
بقلم ليلى الأحمد
جلست "آمنة" في غرفتها، تداعب أطراف سجادة صوفية قديمة، رسمت عليها أشكال زخرفية هندسية متقنة. كان ضوء شمس الظهيرة يتسلل من النافذة، يرسم بقعًا ذهبية على الجدران، وعلى وجهها الذي بدا شاحبًا بعض الشيء. كانت تفكر في "أحمد". لم تستطع أن تنام الليلة الماضية، وأفكارها تدور حول كلماته، ونظراته، وحزنه الواضح.
كانت تعلم أن قرار زواجها من "عمر" قد أتى بعد تفكير عميق من قبل والديها. كانوا يرون في "عمر" شابًا ذا نسب رفيع، وثروة كبيرة، وشخصية محترمة. وكانوا يرون فيه الاستقرار والأمان لابنتهم الوحيدة. ولكن، في داخلها، كانت تشعر بشيء غامض. شيء يتعلق بـ"أحمد".
"أحمد" الذي نشأت معه، الذي شاركت معه أحلام الطفولة، الذي كان صديقًا مقربًا لأخيها الراحل. كانت ذكرياتهما متشابكة، ولا تفصلها سوى شعرة رفيعة. كانت تشعر بالراحة في حضوره، وبالفهم المتبادل بينهما. لم تفكر يومًا أن تقع في حبه، أو أن يقع هو في حبها. كانت تعتقد أن علاقتها به مجرد صداقة قوية، أخوة في الله.
ولكن، منذ أيام، بدأت الأمور تتغير. لاحظت في نظرات "أحمد" شيئًا جديدًا، شيئًا كان يلامس قلبها بشكل غريب. عندما رآها بعد فترة انقطاع، بدا وكأن الدنيا كلها قد أضاءت في عينيه. ولكن، بعد فترة وجيزة، رأته يتغير. رأته يغرق في صمت وحزن.
تذكرت ما قاله لها "عمر" في اللقاء الأخير بينهما، قبل أن يتم عقد الخطبة رسميًا. قال لها: "يا 'آمنة'، أعرف أن قلوبنا لم تتلاقي بعد. ولكنني أعدك بأنني سأبذل كل ما في وسعي لأجعلك سعيدة. أعدك بأنني سأكون الزوج الذي ترضين به، وأنني سأحترمك، وسأحبك. وأنا واثق بأن الوقت سيجعل قلوبنا تتآلف."
كانت كلمات "عمر" صادقة، وفيها احترام وتقدير. ولكنها لم تستطع أن تمحو الصورة التي تشكلت في ذهنها عن "أحمد". عن عينيه الحزينتين، عن ابتسامته التي اختفت.
"لماذا لم يقل شيئًا؟" سألت نفسها بصوت مسموع. "لماذا تركني أرى حزنه دون أن أدرك سببه الحقيقي؟ هل ظننت أنه لا يستطيع أن ينافس 'عمر'؟ هل ظن أنه سيحرجني؟"
بدأت تراودها شكوك عميقة. شكوك حول ما إذا كانت قد اتخذت القرار الصحيح. هل زواجها سيجلب لها السعادة حقًا؟ وهل كانت سعادة والديها أهم من سعادتها الحقيقية؟
استيقظت من أفكارها على صوت جرس الباب. نظرت من النافذة، فرأت سيارة "عمر" تقف أمام المنزل. استقبلته والدتها بابتسامة واسعة، وبدأت المحادثات المعتادة.
"آمنة، حبيبتي!" نادت والدتها. "تعالي، 'عمر' هنا."
نزلت "آمنة" بخطوات مترددة. استقبلها "عمر" بابتسامة مشرقة.
"مساء الخير يا 'آمنة'." قال "عمر". "أتمنى أن تكوني بخير."
"مساء النور 'عمر'." أجابت "آمنة". "الحمد لله."
جلست "آمنة" بجانبه، وحاولت أن تبدو طبيعية. ولكن شعورًا غريبًا بالثقل كان يسيطر عليها.
"كيف كان يومك؟" سأل "عمر". "كان عاديًا." أجابت. "ماذا عنك؟"
"كنت مشغولًا ببعض الأمور المتعلقة بالعمل." قال "عمر". "ولكنني حرصت على أن أزورك قبل موعدنا غدًا."
"موعودنا غدًا؟" سألت "آمنة" بصوت متفاجئ.
"نعم. تذكرين؟ سنذهب إلى حديقة الياسمين. أردت أن نقضي وقتًا هادئًا معًا، نتعرف على بعضنا البعض أكثر." قال "عمر" وعيناه تلمعان بالأمل.
تذكرت "آمنة" الموعد. لقد وعدت "عمر" بذلك. ولكن، لم تعد تشعر بنفس الحماس الذي كانت تشعر به من قبل.
"آه، نعم. تذكرت." قالت "آمنة" بصوت خافت. "هل أنتِ متأكدة أنكِ بخير؟" سأل "عمر" وهو يلاحظ تغيرًا في نبرتها. "تبدين قلقة قليلاً."
"لا، أنا بخير." حاولت "آمنة" أن تطمئنه. "فقط بعض التعب."
"حسناً. إذا كنتِ تشعرين بالإرهاق، يمكننا تأجيل لقائنا غدًا." قال "عمر" بقلب طيب. "أنا يهمني راحتك أكثر من أي شيء آخر."
"لا، لا. سأكون بخير." قالت "آمنة". "أنا أحتاج فقط إلى بعض الوقت لأستعيد نشاطي."
قضت "آمنة" بقية الأمسية في محاولة إقناع نفسها بأن كل شيء سيكون على ما يرام. ولكن، في أعماقها، كانت تشعر بشيء من الضياع.
بعد أن انصرف "عمر"، جلست "آمنة" في غرفتها مرة أخرى. رفعت هاتفها، وبدأت تبحث عن اسم "أحمد". لكنها لم تجده في جهات الاتصال. لقد كان في السابق ضمن أصدقاء عائلتها، ولكن بعد وفاة أخيها، انقطعت صلتهم به تدريجيًا.
"لماذا لم أحتفظ برقم هاتفه؟" تساءلت بحسرة. "هل كان ذلك متعمدًا؟"
شعرت بأنها قد خسرت شيئًا ثمينًا. شيئًا لم تدرك قيمته إلا الآن.
في هذه الأثناء، كان "أحمد" يجلس في سيارته، يتأمل المبنى الذي تعيش فيه "آمنة". لم يكن يعرف لماذا جاء إلى هنا. ربما كان يبحث عن إجابة. ربما كان يريد أن يرى ضوء حياتها، حتى لو لم يعد يستطيع الوصول إليه.
لم يكن يعرف أن "آمنة" كانت تفكر فيه بنفس القدر. وأن قلوبهما، رغم المسافات الفاصلة، كانت تتشابك في بحر من الحنين والأمل.
سمع "أحمد" صوت رسالة جديدة على هاتفه. كانت من نفس الرقم المجهول.
"أتمنى أن يكون يومك قد بدأ ببصيص نور. تذكر أن النور موجود دائمًا، حتى لو كان مخفيًا خلف الغيوم. - أ."
تنهد "أحمد". هل كانت "آمنة" حقًا؟ إذا كانت هي، فلماذا هذا التخفي؟ ولماذا ترسل له هذه الرسائل الغامضة؟ هل كانت تحاول أن تخبره شيئًا؟ أم أنها مجرد تعبير عن تعاطف، خوفًا عليه؟
أغلق "أحمد" عينيه. كانت المشاعر تتصارع بداخله. الحب، الأمل، اليأس، والشوق. كان يعلم أنه يجب عليه أن يتجاوز ما هو فيه. ولكن كيف؟ وكيف يمكن لقلب أن يعيش دون من يحب؟
شعر بأن هناك شيئًا ما قد تغير. ربما كان إصرار "خالد" قد بدأ يؤثر فيه. ربما كانت تلك الرسائل الغامضة، مهما كان مصدرها، تبعث فيه شعاعًا خفيفًا من الأمل.
فكر في "ليلى"، الفتاة التي تحدث عنها "خالد". لم يكن لديه أي فكرة عنها، ولم يكن مهتمًا حقًا. ولكن، ربما، ربما كان "خالد" محقًا. ربما كان عليه أن يفتح قلبه لفرص جديدة. لربما كان الحب يختبئ في مكان لم يتوقعه.
نظر إلى المبنى الذي تعيش فيه "آمنة". شعر بأن هذه هي النهاية. نهاية قصة، وبداية لشيء آخر. كان عليه أن يتقبل الواقع، وأن يمضي قدمًا. ولكن، كيف يمكن لقلب أن ينسى ما تعلق به؟