الفصل 13 / 25

روح تبحث عنك 183

هبوب رياح التغيير

بقلم ليلى الأحمد

شعرت لمياء بأنها تقف على أعتاب مرحلة جديدة، مرحلة لا تعرف معالمها تمامًا، لكنها حملت معها وعدًا بصفاء روحي ونقاء عاطفي طالما تاقته. كانت جلستها مع جدتها، الشيخة فاطمة، أشبه بنسمة باردة داعبت روحها الملتهبة. لم تكن مجرد نصائح، بل كانت كلمات من نور، تفوح منها حكمة السنين وبركات الإيمان.

"يا ابنتي العزيزة،" بدأت الشيخة فاطمة بصوتها الرخيم الذي يحمل دفء الأرض ورائحة البخور العتيق، "القلب إذا تعلق بشيء دون تدبير، فقد يهوي في وادٍ سحيق. والعشق، إن لم تُسقَ أغصانه من ماء الحلال، فقد يذبل قبل أن يؤتي أكله."

كانت كلماتها تصيب كنانة لمياء في مقتل، حيث تتناثر سهام الحقيقة في أعماق مشاعرها المضطربة. كانت تفكر في يوسف، في عينيه اللتين تحملان صدقًا لا تخطئه البصيرة، في حديثه الذي يزن بالذهب، في احترامه الذي يحيطها كعباءة دافئة. ولكن، هل كان هذا الحب مجرد إعجاب عابر، أم هو القدر الذي كُتب لها؟

"يا جدتي،" همست لمياء، وعيناها تحدقان في قطعة قماش مطرزة كانت جدتها تعمل عليها، "أشعر وكأنني أسير في ضباب. هناك شعور ينمو في داخلي، شعور يشبه الانتماء، ولكنني أخشى أن يكون وهمًا."

ابتسمت الشيخة فاطمة ابتسامة خفيفة، كاشفة عن تجاعيد خفيفة حول عينيها، تعكس عمق تجاربها. "الخوف يا لمياء، غالبًا ما يكون دليلًا على صدق المشاعر. الخوف من فقدان شيء عزيز، أو الخوف من الوقوع في خطأ. لكن يجب أن نميز بين الخوف الذي يحمينا، والخوف الذي يشلّ حركتنا."

كانت الشيخة فاطمة قد لمحت التغيير الذي طرأ على لمياء منذ لقائها بيوسف في معرض الكتاب. كانت قد لاحظت بريقًا جديدًا في عينيها، ورقصة خفيفة في خطواتها، وحديثًا متقطعًا عن شاب "مفكر" و"طيب". لم تسألها مباشرة، فقد آمنت بأن الأمور تأخذ مجراها الطبيعي، وأن البوح يأتي في وقته.

"هل رأيتِ فيه ما يسرّ قلبك، يا أمي؟" سألتها الشيخة فاطمة بلطف، تراقب رد فعل لمياء.

احمرّ وجه لمياء قليلًا، وتعلثمت في كلماتها. "إنه... إنه شاب مهذب، يحترم القيم، ويتحدث عن الأمور بعمق. و... أعتقد أنه يمتلك روحًا طيبة."

"الروح الطيبة يا لمياء هي أساس كل بناء متين،" قالت جدتها وهي تربت على يدها. "لكن الحب الذي يرضي الله، يحتاج إلى أساس أقوى من مجرد الصفات الحسنة. يحتاج إلى توافق، إلى رؤية مشتركة للمستقبل، وإلى رغبة صادقة في بناء بيت مسلم مبارك."

تنهدت لمياء. كانت كلماتها صحيحة، لكنها لم تخفف من وطأة الشوق الذي بدأ يتغلغل في أعماقها. كانت تفكر في والدتها، التي لم تتحدث معها عن يوسف بعد. كيف سترد الأم على هذا الارتباط المحتمل؟ كانت والدة لمياء، أمينة، امرأة قوية وعملية، ولكنها كانت أيضًا متمسكة بالعادات والتقاليد. كانت دائمًا ما تردد: "الزواج ليس سويّة بين قلبين، بل هو رباط بين عائلتين."

وفي جانب آخر من المدينة، كان يوسف يقضي وقتًا مع والده، الحاج إبراهيم. كان الحاج إبراهيم رجلًا وقورًا، له هيبته التي لا تأتي إلا من عقود من الصلاح والعمل الجاد. كان يجلس في مكتبه، تحيطه رفوف الكتب المكدسة، ورائحة التبغ المعسل تفوح في الأرجاء.

"يا بني،" قال الحاج إبراهيم وهو يقلب صفحات كتاب قديم، "الحياة ليست مجرد أفكار جميلة وأشعار عابرة. إنها بناء، وتخطيط، ومسؤولية. وعندما يتعلق الأمر باختيار شريكة الحياة، فالأمر يحتاج إلى تدبر أعمق من مجرد الإعجاب."

كان يوسف قد أخبر والده عن لمياء، بشكل غير مباشر في البداية، ثم ببعض التفاصيل. كان والده رجلًا حكيمًا، لم يعارض، ولكنه لم يوافق أيضًا. كان يريد أن يتأكد من أن هذه العلاقة مبنية على أسس صلبة.

"أعلم يا أبي،" أجاب يوسف وهو يحدق في انعكاس وجهه في زجاج النافذة، "ولكنني أرى فيها خيرًا كثيرًا. أرى فيها رقة القلب، وعمق الفكر، ورغبة في إرضاء الله."

"الرغبة في إرضاء الله يا بني، هي شمعة تضيء الطريق،" قال والده وهو يغلق الكتاب. "لكن الطريق لا يخلو من العقبات، ومن المنعطفات غير المتوقعة. هل تحدثت معها في أمور الزواج؟ في أحلامكما للمستقبل؟ في كيفية بناء أسرة ترضي الله؟"

صمت يوسف. لم يكن قد وصل إلى هذه المرحلة بعد. كانت اللقاءات محدودة، والحديث غالبًا ما يقتصر على أمور ثقافية وفكرية. كان يخشى أن يبدو متسرعًا، أو أن يضع لمياء في موقف محرج.

"لم نصل إلى هذه النقطة بعد يا أبي،" قال يوسف. "أردت أن أكون متأكدًا من أن المشاعر متبادلة، وأن هناك أساسًا متينًا يمكن البناء عليه."

"التأكد يا بني، لا يعني الانتظار حتى يكتمل كل شيء،" قال الحاج إبراهيم وهو يقف ويضع يده على كتف يوسف. "بل يعني اتخاذ الخطوات الصحيحة في الوقت المناسب. الأمر أشبه ببناء بيت، تبدأ بالأساس، ثم الجدران، ثم السقف. ولا تنتظر حتى يكتمل البيت لتزرع الشجر حوله."

شعر يوسف بصدق والده. كان عليه أن يتجاوز مرحلة الإعجاب والفكر، وأن يبدأ بالتخطيط للخطوة التالية. كان يتذكر كيف قابل لمياء لأول مرة، وكيف أثرت فيه كلماتها الهادئة، ونظراتها الوقورة. كان يعلم أن هذه المشاعر ليست مجرد نزوة، بل هي دعوة لبناء حياة.

في تلك الليلة، بينما كانت لمياء تتأمل سقف غرفتها، كانت تتذكر كلمات جدتها: "القلب إذا تعلق بشيء دون تدبير، فقد يهوي في وادٍ سحيق." وشعرت بأنها بحاجة ماسة إلى "تدبير". وفي نفس الوقت، كان يوسف يتذكر كلمات والده: "الأمر يحتاج إلى تدبر أعمق."

كانت رياح التغيير تهب، تحمل معها أسئلة لم تجد إجاباتها بعد، وتحديات تتطلب شجاعة أكبر. لمياء ويوسف، كل منهما على طريقته، بدأا يدركان أن بناء علاقة مباركة يتطلب أكثر من مجرد عواطف جياشة؛ يتطلب حكمة، وتخطيطًا، واستعانة بالله.

====

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%