الفصل 18 / 25

روح تبحث عنك 183

همسات القدر المكتوب

بقلم ليلى الأحمد

تلاشت ضحكات الأطفال التي اعتلت باحات القصر العتيق، وتسللت خيوط الغروب الذهبية لتخترق نوافذ الديوان، مرسومةً ظلالاً طويلة على السجاد الشرقي الفاخر. كان قلب نور، يئن تحت وطأة سرٍ تفاقم في صدرها، يزداد ثقلاً مع كل لحظة تمر، وكلما تقربت ساعات اللقاء الموعود. جلست في ركن الديوان، تداعب خصلات شعرها المنسدلة على كتفيها، وعيناها تحدقان في الفراغ، وكأنها تبحث عن معنى أو خلاص. لم يعد صمتها مجرد هدوء، بل أصبح بحراً من الأسئلة بلا إجابات، وقلقاً ينهش روحها.

ماجد، بوقاره المعتاد وهدوئه الذي لطالما كان ملاذاً لها، مرّ أمامها متوجهاً إلى مجلس الرجال، لم يلاحظ الاضطراب الظاهر عليها، أو ربما تجاهله عمداً، مدركاً أن ما تخفيه أعمق من مجرد قلق عابر. كان هو الآخر مثقلاً بهموم ماضٍ لم يندثر، وعواقب قرارٍ اتخذه قبل سنين، قرارٌ ظن أنه طواه النسيان، لكن القدر أعاده ليعصف بحاضرهم.

كانت والدته، السيدة فاطمة، قد رأت ما يدور في عيني نور، لكنها لم تسألها مباشرة. كانت خبرة السنين قد علمتها أن بعض الأوجاع لا تباح إلا لمن يستطيع فهمها، وأن بعض الحقائق لا تُقال إلا في الوقت المناسب. جلست بجوارها، أخذت يدها بين يديها بحنان، شعرت ببرودتها وارتجافها الخفيف. "يا ابنتي، هل أرى همّاً يثقل صدرك؟" سألت بصوتٍ هادئ، لم يخلو من الشجن. نظرت نور إلى السيدة فاطمة، كأنها وجدت فيها أخيراً من تتكئ عليها. "يا جدتي، أشعر وكأنني أقف على حافة جرف، ولا أدري ما يخبئ لي السقوط." ابتسمت السيدة فاطمة بمرارة. "الحياة يا نور، كثيراً ما تكون كذلك. جرفٌ نتأمله، وسقوطٌ نستقبله. الأهم هو كيف ننهض بعده."

في هذه الأثناء، كان أحمد، شقيق ماجد الأكبر، والذي طالما عاش في الظل، يراقب من بعيد. لقد رأى نور تتحدث مع والدته، ولاحظ نظرتها القلقة. كان أحمد يمتلك نظرة ثاقبة، تفحص بها الوجوه، يستشف من خلالها ما تخفيه الألسن. كان يعلم أن هناك ما يحدث، وأن نور ليست على ما يرام، وأن هذا التغير المفاجئ في مجرى حياتهم السلمية له أسباب عميقة.

كان أحمد رجلاً ذو ماضٍ معقد، عاش تجارب قاسية جعلته يتحفظ في مشاعره، لكنه كان يراقب عائلته بحرص، وخاصة ماجد الذي كان يعتبره أقرب الناس إليه، رغم الاختلاف في طباعهما. كان أحمد يعلم عن سرٍ قديم يربط بين عائلتيهما، سرٌ كان سبباً في ابتعاده عن أضواء العائلة، وابتعاده عن نور نفسها.

في الخارج، بدأت أصوات الباعة تنخفض، وارتفعت أصوات الذكر الجماعي من المسجد القريب، معلنةً دخول وقت صلاة العشاء. كانت السماء قد اكتست بلونٍ نيلي عميق، وزينتها نجومٌ بدأت تتلألأ كحبات ماسٍ منثورة.

دخل ماجد مرة أخرى، وجهه يعكس جدية تامة. رأى نور تتحدث مع والدته. وقف للحظة، يستجمع كلماته. لقد حان الوقت. حان الوقت لمواجهة ما يجب مواجهته، للكشف عن ما كان يجب أن يكشف منذ زمن. "نور،" نادى بصوتٍ عميق، فيه مزيج من الحزم والأسى. التفتت نور إليه، وقلبها يخفق بقوة. "أمي، جدي،" قال مخاطباً والدته ونور، "علينا أن نتحدث. هناك أمرٌ جلل، أمرٌ كان يجب أن يُقال منذ زمن بعيد."

بدأ ماجد يتحدث. كانت كلماته تخرج متقطعة في البداية، ثم اكتسبت زخماً، رويداً رويداً. روى عن لقاءٍ قديم، عن اتفاقٍ سري، عن والدٍ يخشى على مستقبل ابنته، وعن عائلةٍ تضحي بمصالحها من أجل سمعةٍ مزيفة. كانت عيناه تثبتان على نور، وهو يرى وجهها يتغير، يتحول من القلق إلى الذهول، ثم إلى ألمٍ عميق.

"لقد كان اتفاقاً بين أبي، رحمه الله، ووالدك، الحاج عبد الله. اتفقا على خطبةٍ لم تتم، على زواجٍ ألغي قبل أن يبدأ. السبب؟" توقف قليلاً، وأخذ نفساً عميقاً. "السبب هو الدين. دينٌ تراكم على عائلة أبي، دينٌ كان سيؤدي إلى إفلاسهم، ولذلك، وبناءً على طلب والدك، أجل أبي الزواج، ووعده بأن يكون الأمر سرياً، حتى يتيسر له الأمر."

ارتعش جسد نور. كانت تسمع الكلمات، لكنها لم تستوعبها بالكامل. دين؟ زواج ملغى؟ والدها؟ "لكن... لكن والدي لم يذكر لي شيئاً عن هذا الأمر قط،" قالت بصوتٍ مختنق. "كان دائماً يحدثني عن رغبته في تزويجي لرجلٍ صالح، رجلٍ يحفظ لي كرامتي."

"نعم،" تابع ماجد، وعيناه غارقتان في الحزن. "كان والدك رجلاً صالحاً، ولذلك تحمل هذا العبء وحده. لكن المشكلة لم تكن في الدين فقط، بل كانت في مشكلة أخرى، مشكلةٌ تتعلق بعائلتنا، مشكلةٌ تخص أخي أحمد."

نظر ماجد إلى أحمد الذي كان يقف عند المدخل، صامتاً، وعيناه تراقبان المشهد بتركيزٍ قاتل. "قبل سنواتٍ طويلة،" استأنف ماجد، "كان أحمد على وشك الزواج من فتاةٍ من عائلةٍ كريمة. لكن هذه الفتاة، كانت قد ارتبطت عاطفياً بشخصٍ آخر، ورغم ذلك، أجبرت على الخطوبة. وعندما علم أحمد بالحقيقة، وخشيةً من إحداث فتنةٍ أو إحراجٍ لعائلتها، قرر أن يتنازل. لكن في ليلةٍ من الليالي، وخلال حفلٍ لعائلتها، وقع حادثٌ مأساوي، أدى إلى وفاة تلك الفتاة. وقد ألقت العائلة باللوم، ولو جزئياً، على أحمد، بسبب ما حدث."

تجمعت الدموع في عيني نور. كانت تشعر بأنها تغرق في بحرٍ من الأسرار المؤلمة. "وهنا،" قال ماجد، وعيناه تتجهان نحو الأرض، "كان على أبي، لكي يحمي سمعة أحمد، ولكي يمنع انتشار هذه القصة، أن يجد حلاً. حلاً يرضي عائلة الفتاة، ويضع حداً للشائعات. وهنا، جاء دور أبيك، الحاج عبد الله. لقد عرض عليه مبلغاً كبيراً من المال، مقابل أن يلتزم الصمت، مقابل أن يوافق على إلغاء الخطبة الموعودة التي كانت بيني وبين ابنتك، نور، وأن يقدم حجةً أخرى، حجّةً مقنعة، لرفض هذه الخطبة. لقد كان ذلك مقابل وعدٍ بأن نساعد أحمد في تجاوز محنته، وأن نعيد له سمعته."

وصلت نور إلى نقطة الانهيار. كانت كلمات ماجد تتطاير كقطع الزجاج المكسور، تجرح قلبها. شعرت بأن كل ما بنته في مخيلتها عن المستقبل، عن علاقتها بماجد، قد تهدم في لحظة. "يعني... يعني كل هذا كان كذبة؟" همست بصوتٍ بالكاد يُسمع. "كل هذا الوعد، كل هذه المشاعر... كانت مجرد صفقة؟"

"لم تكن صفقة بالنسبة لي، يا نور،" قال ماجد، وشعورٌ باليأس يعتلي صوته. "أنا لم أكن أعلم بالكامل عن تفاصيل هذه الصفقة، كنت شاباً، وكنت أظن أن الأمر مجرد خلافٍ بين العائلتين. لكنني الآن، وبعد أن وجدت أوراق والدي، وبعد أن تحدثت مع أحمد، أدركت حجم التضحية التي قدمها والدك، وأدركت حجم الثمن الذي دفعناه."

أحمد، الذي كان صامتاً طوال الوقت، تقدم خطوة. "يا نور،" قال بصوتٍ هادئ لكنه قوي. "لقد عشت طوال حياتي مع هذا السر، مع هذا الشعور بالذنب. لقد كانت تضحية كبيرة من والدك، وهي تضحيةٌ لا يمكن أن أنساها. لقد حاول والدي أن يجد طريقةً لحل هذه المشكلة، وأن يعوض والدك عن ما خسره، وعن ما فرضه عليه من صمت."

"وما هو تعويضكم؟" سألت نور، وعيناها تشعان بالغضب الممزوج بالألم. "هل هو زواجي من ماجد، بعد كل هذا؟ بعد أن تم إلغاء خطبتنا في الماضي، وعادت لنا اليوم، لكن ليس كفرصةٍ لنا، بل كتعويضٍ لكم؟"

"لا، يا نور،" قال ماجد بلهجةٍ حاسمة. "لم تعد المسألة تعويضاً. الأمر تغير. لقد أحببتك، وأنتِ تعلمين ذلك. أحببتك لأجل نفسك، ليس لأجل أي اتفاق. ولكن، الآن، وبعد أن كُشف هذا السر، فإن الواجب الأخلاقي يقتضي مني أن أكون صادقاً معكِ. لقد كان هذا الزواج، في الأصل، مرتبطاً بهذا الاتفاق. والآن، وبعد أن عرفتِ كل شيء، فالقرار يعود لكِ."

وقفت نور، مشاعرها متضاربة. شعورٌ بالخيانة، وغضبٌ دفين، وقلقٌ على مستقبلها. لم تعد تدري ما تصدقه، وما لا تصدقه. هل كانت مشاعر ماجد صادقة، أم أنها كانت جزءاً من خطةٍ أكبر؟ وهل تستطيع أن تعيش مع رجلٍ أخفى عنها جزءاً هاماً من تاريخه، جزءاً أثر على حياتها بشكلٍ مباشر؟ نظرت إلى ماجد، ثم إلى أحمد، ثم إلى السيدة فاطمة التي كانت تراقب بعينين دامعتين. شعرت بأن العالم كله قد انقلب رأساً على عقب.

"أحتاج إلى وقت،" قالت بصوتٍ مرتعش، ثم استدارت وخرجت من الديوان، تاركةً وراءها صمتاً ثقيلاً، وصدمةً عميقة، وحقيقةً مُرة كالعلقم. أغلق ماجد عينيه، وشعر بأن الأبواب التي ظن أنها أُغلقت قد فُتحت مجدداً، لتطلق العنان لعاصفةٍ لم يكن مستعداً لها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%