روح تبحث عنك 183
لقاءٌ تحت سماءٍ غائمة
بقلم ليلى الأحمد
بعد ساعاتٍ من السير في الظلام الدامس، وبينما كانت ليلى تشعر بالإرهاق يتسرب إلى عظامها، وروحها تتوق إلى بصيصٍ من الأمل، بدأت تلمح نورًا خافتًا في نهاية النفق. كان ضوءًا مختلفًا عن ضوء المصباح، ضوءًا طبيعيًا، يشي بوجود عالمٍ آخر. تشجعت، وزادت من سرعة خطواتها، لتجد نفسها أمام فتحةٍ واسعةٍ تؤدي إلى وادٍ صغيرٍ، تحيط به جبالٌ شاهقةٌ، وكأنها تحضنه.
كان الوادي أشبه بواحةٍ منسيةٍ، تغطي أرضه أعشابٌ خضراءٌ زاهيةٌ، وتتوسطه بحيرةٌ صغيرةٌ تتلألأ مياهها تحت ضوء القمر الخجول. كانت السماء فوقهم غائمةً، تخفي النجوم، لكنها تبعث هالةً غامضةً على المكان. أخذت ليلى نفسًا عميقًا، مستنشقةً رائحة الأرض المبللة والأزهار البرية. شعرت بشيءٍ من الهدوء يغمرها، بعد عناء الرحلة.
لكن الهدوء لم يدم طويلاً. سمعت صوتًا لخيولٍ تقترب، وصوت خطواتٍ بشريةٍ. لم تكن تتوقع أن تجد أحدًا هنا. اختبأت خلف صخرةٍ كبيرةٍ، تراقب بصمت. ظهر رجلان، يرتديان ملابس السفر، ويتحدثان بلهجةٍ تبدو غريبةً على ليلى. كانت لهجتهما تحمل أصداءً من اللغة العربية الفصحى، لكن مع نبراتٍ لم تعهدها.
"هل أنت متأكدٌ من هذا المكان يا خالد؟" سأل أحدهما، وكان يبدو أكبر سنًا، وملامحه تحمل آثار القلق. رد الآخر، الذي بدا أصغر سنًا وأكثر حماسة: "نعم يا أبي. الرسالة واضحة. الكنز في هذا الوادي. لا يمكننا أن نضيع هذه الفرصة."
"الفرصة التي قد تكلفنا حياتنا يا بني." قال الأب بأسى. "لقد طاردنا هؤلاء الناس لأيام. أعلم أنهم يسعون وراء ما لدينا."
"لكننا سنكون أسرع منهم. وبعد أن نحصل على ما نريد، سنختفي في الصحراء، ولن يجدونا أبدًا." قال خالد بابتسامةٍ واثقة.
بدأت ليلى تفهم. هؤلاء الرجال كانوا يبحثون عن نفس الكنز الذي كانت تسعى إليه. لكنهم يبدو أنهم كانوا في صراعٍ مع جماعةٍ أخرى. شعرت بالخوف يتسلل إليها مرةً أخرى. لم تكن تعرف من هم هؤلاء الرجال، ولا من هم الذين يطاردونهم.
انتقلت بنظرها إلى الرجل الأصغر سنًا. كان له وجهٌ جميلٌ، تقاسيمه قويةٌ، وعيناه تحملان بريقًا من الذكاء والشجاعة. كانت هناك هالةٌ من النبل تحيط به، رغم تعبه الواضح. شعرت ليلى بشيءٍ غريبٍ، انجذابٍ لا تعرف سببه.
فجأةً، تعثر خالد، وكاد يسقط. انحنى يلتقط شيئًا سقط من جيبه. كانت قطعةً معدنيةً لامعةً، عليها نفس الرمز الذي وجدته في الكهف. في تلك اللحظة، أدركت ليلى أن صدفة لقائهما لم تكن عشوائية.
"من أنتِ؟" صرخ الأب، وقد لمح حركةً خلف الصخرة.
لم يكن أمام ليلى خيارٌ سوى الظهور. خرجت ببطءٍ، ورفعت يديها قليلاً. "أنا ليلى"، قالت بصوتٍ هادئ، لكنه كان يحمل ثقلًا لم تتوقعه.
نظر إليها خالد بدهشةٍ، ثم تلاشت الدهشة ليحل محلها فضولٌ عميق. "ماذا تفعلين هنا؟" سأل.
"أنا أيضًا أبحث عن شيءٍ ما"، أجابت ليلى، وهي تحاول ترتيب أفكارها. "شيءٌ ثمينٌ، مدفونٌ هنا."
"هل لديكِ الخريطة؟" سأل خالد بحدةٍ، وعيناه تتفحصانها بدقة.
أومأت ليلى برأسها. "نعم، لدي الخريطة."
"إذًا أنتِ هي من كنا نبحث عنها"، قال الأب، وعينيه تعكسان مزيجًا من الارتياح والقلق. "اسمى عبد الله، وهذا ابني خالد."
"تشرفت بمعرفتكم"، قالت ليلى، وهي لا تزال تشعر بالذهول.
"نحن أيضًا يا ليلى"، قال خالد. "منحتنا السماء أملًا جديدًا. نعتقد أنكِ قد تكونين مفتاح ما نبحث عنه."
جلس الثلاثة على مقربةٍ من البحيرة، وبدأت ليلى تحكي لهم عن رحلتها، عن الخريطة التي ورثتها عن جدتها، وعن الكهف الذي دخلته. في المقابل، روى عبد الله وخالد قصتهما. كانا من عائلةٍ قديمةٍ، تسعى لاستعادة أثرٍ تاريخيٍّ يعود إلى أجدادهم، أثرٍ ضاع منذ قرون، وأصبحت استعادته شغف حياتهم. لكن كانت هناك جماعةٌ أخرى، تسعى للاستيلاء على الأثر لأغراضٍ شريرة، ولم يكن لديهم رحمةٌ في سبيل تحقيق أهدافهم.
"إنهم لا يعرفون أنكِ هنا، ولا أن لدينا الخريطة"، قال عبد الله. "هذا قد يكون في صالحنا. لكن يجب أن نتحرك بسرعةٍ وحذر."
"ماذا تقترحون؟" سألت ليلى.
"سنتعاون"، قال خالد بحزم. "مصلحتنا واحدة. الخريطة معك، والخبرة في هذه الأرض معنا. سنستطيع الوصول إلى الكنز قبل أن يصلوا إليه."
نظرت ليلى إلى خالد. كان يتحدث بثقةٍ، وبنظرةٍ جعلتها تشعر بأنها في أيدٍ أمينة. لم تكن هذه الرحلة التي توقعتها. لم تتوقع أن تلتقي برجالٍ سيشاركونها هذه المغامرة، وخاصةً شابًا مثل خالد، سرعان ما شعر قلبه تجاهه بشيءٍ من الإعجاب.
"أنا موافقة"، قالت ليلى. "لكن بشرط. أن نحافظ على سلامة الأثر، وأن لا نستخدمه إلا فيما يرضي الله."
ابتسم خالد. "هذا شرطٌ نابعٌ من قلبٍ طيب، يا ليلى. ونحن نقبله بكل سرور."
حل الظلام تمامًا، وبدأت الأمطار تتساقط بغزارةٍ. اجتمع الثلاثة تحت شجرةٍ كبيرةٍ، وبدأوا يضعون خطتهم. كانت ليلى تشعر بأنها دخلت عالمًا جديدًا، عالمًا من المغامرة، ومن مشاعرٍ بدأت تتشكل في قلبها، مشاعرٍ كانت تجهل معناها.
"هل أنتِ متعبة؟" سأل خالد، بصوتٍ هادئٍ، بينما كان المطر يغطي الأرض من حولهم.
"قليلاً"، أجابت ليلى، وهي تنظر إلى انعكاس وجهه في بركة الماء الصغيرة.
"حاولي أن ترتاحي"، قال. "غدًا يومٌ طويلٌ. سنحتاج كل طاقتنا."
شعرت ليلى بنظرة خالد تخترقها، نظرةً مليئةً بالاهتمام. بدأت تشعر بأن هذا اللقاء، وإن كان بدأ بمخاطر، قد يحمل معه شيئًا أجمل بكثير. شيئًا أعمق من مجرد البحث عن كنز. شيئًا يتعلق بروحٍ تبحث عن روحٍ أخرى.