روح تبحث عنك 183
غيومٌ تتكشف
بقلم ليلى الأحمد
في أعقاب قرار نور، خيم صمتٌ ثقيل على قصر آل عبد الله. اختفت ضحكات الصغار، وتبددت بهجة اللقاءات العائلية. كان كل فردٍ في العائلة يشعر بوطأة الحدث، وكأن سقف المنزل قد انهار فوق رؤوسهم. ماجد، الذي كان يبدو كجبلٍ صامد، بدا الآن وكأنه فقد قوته، واكتفى بالجلوس وحيداً في مكتبه، تارةً يتصفح أوراق والده القديمة، وتارةً أخرى يحدق في الفراغ، وكأنه يبحث عن تفسيرٍ منطقي لما حدث.
كان أحمد، الذي تحمل عبء الكشف عن السر، يحاول جاهداً أن يلملم شتات العائلة. كان يتحدث مع والدته، يحاول أن يقنعها بأن الأمور ستتحسن، وأن الوقت كفيلٌ بشفاء الجراح. ولكنه كان يعلم في قرارة نفسه أن الأمر ليس بهذه البساطة. لقد تمسكت نور بمبادئها، وهذا ما جعل الموقف أكثر تعقيداً.
"يا أخي،" قال أحمد لماجد، وهو يدخل مكتبه، "لم يعد هناك فائدةٌ من لوم أنفسنا. ما حدث قد حدث. الآن، علينا أن نفكر كيف نتجاوز هذا. نور إنسانةٌ طيبة، ولها الحق في أن تدافع عن مشاعرها. ولكن، هل يعني قرارها هذا نهاية كل شيء؟"
تنهد ماجد، وقال بصوتٍ متعب: "لا أدري يا أحمد. لقد ظننت أنني وجدت السلوى، ووجدت الحب الصادق. ولكن، يبدو أنني لم أكن واضحاً بما يكفي. ربما كنت مشغولاً بحماسة الحب، وأهملت ماضي والدي. لقد أردت أن أتجاوز كل هذه الأمور، وأن أبني مستقبلاً جديداً مع نور. لكنها لم ترَ ذلك."
"ربما لم ترَ ماضيك، بل رأت ماضي عائلتنا، وماضي والدك. لقد اكتشفت أن ما قدمته لها ليس سوى جزءٌ من ترتيبٍ قديم، وهذا ما جرحها. ولكن، هل يعني ذلك أنها لا تحبك؟"
"لا أعرف. ولكن، شعرت بالخيانة، وهذا حقها. لقد وثقت بي، ووعدت بالزواج، ثم اكتشفت أن هناك اتفاقاً غامضاً يقف وراء هذا كله. من منا لا يشعر بالأذى في موقف كهذا؟"
"إذاً، ما هو الحل؟ هل نترك الأمر هكذا؟"
"لا،" قال ماجد بحزم، وقد لمعت في عينيه شرارةٌ من الأمل. "لن أترك الأمر هكذا. لقد أحببت نور، وأنا مستعدٌ لإثبات ذلك. ولكن، ليس بالكلمات فقط. يجب أن أثبت لها أن مشاعري صادقة، وأن علاقتنا ليست مجرد صفقة. يجب أن أظهر لها أنني رجلٌ يتحمل مسؤولية أخطائه، ورجلٌ يسعى لإصلاح ما يمكن إصلاحه."
"وكيف ستفعل ذلك؟" سأل أحمد بفضول.
"سأذهب إليها،" قال ماجد. "ولكن ليس لمجرد الاعتذار، بل لمواجهة الأمر برمته. سأذهب إليها وأقول لها كل ما في قلبي. سأقول لها كيف شعرت عندما اكتشفت السر. وكيف شعرت عندما علمت بقرارها. سأقول لها أنني لم أكن أعرف كامل التفاصيل، وأنني كنت أظن أن الأمر قد طُوي. ولكني الآن، وبعد كل ما حدث، أدركت حجم الخطأ الذي ارتكبناه، وأدركت كم كان والدكِ عظيماً في تضحيته."
"وهل تعتقد أنها ستستمع إليك؟"
"لا أدري. ولكن، يجب أن أحاول. لا يمكنني أن أدع فرصةً كهذه تفوتني. لقد اكتشفت أن الحب الحقيقي يتطلب شجاعةً، وشجاعةً في الاعتراف بالخطأ، وشجاعةً في السعي للإصلاح. سأذهب إليها، وسأقول لها، بكل صدق، أنني ما زلت أحبها، وأنني أريد أن أبني معها مستقبلاً جديداً، مستقبلاً قائماً على الثقة المتبادلة، لا على اتفاقات الماضي."
في هذه الأثناء، كانت نور تقضي أيامها في عزلةٍ اختيارية. كانت تتجنب رؤية أحد، وتفضل البقاء في غرفتها. كانت تعيد قراءة القرآن، وتتأمل في آياته، محاولةً أن تجد في كلام الله سلوىً وراحةً لقلبها المضطرب. كانت تشعر بالحزن العميق، لكنها كانت تعلم أنها اتخذت القرار الصحيح.
"يا رب،" كانت تدعو في صلاتها، "أرني الحق حقاً وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه. امنحني القوة لأتقبل ما قدرته لي، واجعل لي مخرجاً من هذا الضيق."
ذات مساء، بينما كانت نور تجلس في شرفتها، تتأمل النجوم، سمعت صوتاً ينادي باسمها. رفعت رأسها، ورأت ماجد واقفاً أمام الباب، يحمل في يده باقةً من الياسمين. كان وجهه يبدو متعباً، ولكنه كان يحمل نظرةً صادقة.
"نور،" قال بصوتٍ خافت، "هل يمكنني أن أتحدث معكِ للحظات؟"
ترددت نور قليلاً، ثم أومأت برأسها. لم تكن تريد أن تمنحه الأمل، ولكنها لم تستطع أن ترفضه تماماً.
جلست بجواره في الشرفة، وبدأت تدار بينهما محادثةٌ طويلة. لم تكن محادثةً سهلة، بل كانت مليئةً بالاعتذارات، وبالتوضيحات، وبالألم.
"نور،" بدأ ماجد، "أعلم أنكِ غاضبة، وأنكِ تشعرين بالخيانة. وهذا حقك. لقد اكتشفتِ أن هناك سراً طويلاً، سراً كان له تأثيرٌ كبير على حياتك. وأنا، وبكل صدق، لم أكن أدرك حجم هذا السر، ولم أكن أعلم أنه كان مرتبطاً بزواجنا بهذه الطريقة."
"ولكنك كنت تعلم، أليس كذلك؟" سألته نور، بحدةٍ مفاجئة. "كنت تعلم أن هناك ترتيباً ما."
"كنت أعلم أن هناك اتفاقاً قديماً بين والدي ووالدك،" أجاب ماجد بصدق. "ولكنني كنت أظن أنه مجرد اتفاقٌ مبدئي، وأن الأمور قد تطورت بشكلٍ طبيعي بعد ذلك. لم أكن أدرك أن هذا الاتفاق قد يكون له هذه الأهمية، أو أن إلغاءه قد يكون مرتبطاً بهذا المبلغ الكبير من المال، أو بهذا السر الذي يتعلق بأخي أحمد."
"إذاً، أنت لم تكن تعرف أن والدي قد تعرض لضغوطٍ ليلغي الخطبة؟"
"لم أكن أعرف كل التفاصيل، يا نور. ولكنني الآن، وبعد أن قرأت أوراق والدي، وبعد حديثي مع أحمد، أدركت حجم التضحية التي قدمها والدك، وحجم السر الذي تحملوه. لقد كان قرار والدي، رحمه الله، هو حماية سمعة العائلة، وحماية أخي أحمد. ولكن، لم يكن على حسابكِ، بل كان على حساب سعادته هو، وعلى حساب فرصةٍ لكِ."
"وهل تعتقد أن هذا يعفيك من المسؤولية؟"
"لا، بالطبع لا. أنا اتحمل جزءاً من المسؤولية. لقد كنت يجب أن أكون أكثر فضولاً، وأكثر بحثاً عن الحقيقة. ولكن، الآن، وبعد أن عرفت الحقيقة، أريد أن أتحمل مسؤوليتي. أريد أن أقول لكِ، يا نور، أنني أحببتكِ لأجل نفسك. أحببتكِ قبل أن أعرف كل هذه التفاصيل، وما زلت أحبكِ. ولكن،ني لا أريد أن أجبركِ على شيء. إذا كنتِ لا تستطيعين أن تثقي بي، وإذا كنتِ لا ترين مستقبلاً لنا، فسوف أحترم قرارك."
صمتت نور. كانت كلماته مؤثرة، وصادقة. شعرت بصدق ما يقول، وبقدر الأسف الذي يعتري قلبه. ولكنه كان عليها أن تواجه نفسها، وأن تواجه ما تشعر به.
"يا ماجد،" قالت أخيراً، وصوتها يختلط فيه الحزن بالشوق، "لقد أحببتك أيضاً. أحببتك لأنني رأيت فيك رجلاً طيباً، ورجلاً يخاف الله. ولكن، عندما اكتشفت هذا السر، شعرت بأن كل شيء قد اهتز. شعرت بأن هذه العلاقة التي بنيتها لم تكن كما كنت أظن. كانت الصدمة كبيرة، وشعرت بأنني قد تعرضت للخداع."
"أعلم. وأنا أعتذر عن ذلك. ولكن، هل يمكن أن تمنحيني فرصةً لإثبات أن مشاعري الآن صادقة؟ فرصةً لبناء الثقة من جديد؟"
نظرت نور إلى ماجد، وإلى الياسمين الذي كان لا يزال في يده. لم تكن تعلم ما هو المستقبل. ولكنها شعرت بشيءٍ يتغير في داخلها. شعرت بأن هناك بصيص أمل، وأن هناك فرصةً لإصلاح ما يمكن إصلاحه.
"لا أدري، يا ماجد،" قالت بصوتٍ هادئ، "الأمر صعب. جرحي عميق. ولكن... ولكني مستعدةٌ للتفكير. مستعدةٌ لأن أستمع. ولكن، يجب أن تكون صريحاً معي في كل شيء. لا تخبئ عني أي شيء. ولن يكون هناك أي اتفاقات سرية بعد الآن."
ابتسم ماجد ابتسامةً خفيفة، ابتسامةً اختلط فيها الأمل بالراحة. "أعدكِ بذلك، يا نور. سأكون صادقاً معكِ في كل شيء. ولن يكون هناك أي شيء بيننا إلا ما يباح به الشرع، وما يقبله القلب."
جلسا في الشرفة، تحت ضوء القمر، وبدأت تتكشف بينهما غيوم الماضي، تاركةً وراءها وعداً بمستقبلٍ ربما يكون أجمل، أو ربما يكون مليئاً بالتحديات. ولكن، هذه المرة، كان قرارهم، لا قرار العائلات.