روح تبحث عنك 183

شباك الأرق

بقلم ليلى الأحمد

كان الليل قد أرخى سدوله على مدينة الرياض، تتلألأ نجومها في سماء صافية كأنها جواهر نثرتها يد القدر. في شقة "فجر"، كانت الأنوار خافتة، تلقي بظلال متشابكة على الأثاث الأنيق. كانت "فجر" تجلس قبالة نافذتها الواسعة، تتأمل الشارع المضاء، وقلبها يخفق بخفة متقطعة. لم يكن الأرق ضيفًا جديدًا عليها، بل أصبح ملازمًا لها منذ لقائها الأخير بـ "أحمد".

كانت تلك اللحظة، لحظة التقائها به في معرض الكتاب، كشرارة أشعلت فتيلًا كامنًا في روحها. لم يكن مجرد لقاء عابر، بل كان أشبه بعبور بوابة إلى عالم آخر، عالم لم تكن تعلم بوجوده. أحمد، الشاب المثقف، صاحب النظرة الثاقبة والابتسامة الهادئة، قد استقر في ذاكرتها كنقش لا يمحى. كانت تعود بذاكرتها إلى تفاصيل ذلك اليوم: رائحة الورق القديم، همسات الزوار، وصوته العميق وهو يتحدث عن دواوين الشعر.

لكن مع هذا الشعور الجميل، كان هناك ظل يرافقها. ظل الخوف. لم تكن "فجر" من النوع الذي يستسلم بسهولة للمشاعر، كانت دائمًا تسعى للسيطرة على كل شيء في حياتها. دراستها، عملها، علاقاتها الأسرية، حتى مشاعرها. والآن، كانت تشعر بفقدان السيطرة. كان تفكيرها يتشتت، يتجه دومًا نحوه. في اجتماعات العمل، كانت ترى وجهه بين الوجوه. وفي قراءاتها، كانت تستحضر كلماته.

كانت هذه المشاعر، رغم إيجابيتها الظاهرية، تحمل معها قلقًا عميقًا. فهي تعلم جيدًا طبيعة حياتها، والتحديات التي تواجهها. والدتها، السيدة "نورة"، كانت دائمًا تخاف عليها من التعلق بشخص غير مناسب، شخص قد يجلب لها الألم أو يشتت تركيزها عن مسؤولياتها. كانت "فجر" الابنة الكبرى، كانت تحمل على عاتقها جزءًا كبيرًا من مسؤولية أسرتها بعد وفاة والدها. كان عليها أن تكون القوية، الثابتة.

"يا ابنتي، ما الذي يشغل بالك؟"

جاء صوت والدتها الهادئ من خلفها، فأفزعتها قليلًا. استدارت "فجر" لتجد والدتها تقف عند باب الغرفة، ترتدي ثوب نوم بسيطًا، وعيناها تعكسان حنانًا لا ينضب.

"لا شيء يا أمي، مجرد بعض الأفكار." أجابت "فجر" بابتسامة خفيفة حاولت أن تبدو بها مطمئنة.

"أفكار تجعلكِ هكذا؟ تسهرين حتى هذه الساعة؟" قالت السيدة نورة وهي تقترب منها وتجلس بجانبها على الأريكة. "تذكرين عندما كنتِ صغيرة، كنتِ تأتين إليّ كلما جتكِ فكرة تزعجكِ."

تنهدت "فجر" بعمق. كان الحديث مع والدتها دائمًا مريحًا، لكن هذه المرة، كانت الكلمات عالقة في حلقها. كيف تشرح لوالدتها هذا الشعور الذي لا تعرف مصدره بالضبط؟ كيف تصف لهفة لم تسمع بها من قبل، وخوفًا يمزقها في آن واحد؟

"أمي، هل تعتقدين أن الحب يجعلنا أضعف؟" سألت "فجر" بصوت شبه هامس.

نظرت السيدة نورة إلى ابنتها بنظرة مليئة بالحكمة. "الحب الحقيقي يا فجر لا يجعلنا أضعف، بل يقوينا. إنه يمنحنا الأمل، والشجاعة، ويدفعنا لنكون أفضل. لكن، الحب الذي يتسلل إلينا خلسة، والذي لا يستند إلى أساس صحيح، قد يكون كالسم القاتل."

"وما هو الأساس الصحيح يا أمي؟" سألت "فجر"، وعيناها تبحثان عن إجابة في وجه والدتها.

"الأساس الصحيح هو أن تعرفي من تحبين، وأن يحبكِ هو كما أنتِ. أن يكون بينكما تفاهم، واحترام، ورؤية مشتركة للحياة. وأن يكون هذا الحب في إطاره الشرعي، بعيدًا عن الفتن والضلال." قالت السيدة نورة، وفي عينها لمعة حذرة. كانت تفهم جيدًا أن ابنتها ليست مجرد فتاة مراهقة، بل امرأة بالغة، وعليها مسؤوليات.

"ولكن كيف نعرف؟ كيف نعرف أن هذا هو الشخص المناسب؟" سألت "فجر"، واليأس يتسلل إلى صوتها.

"بالدعاء يا ابنتي. وبالاستخارة. وبالبحث عن علامات الصدق في قلبه. وبالتأني وعدم التسرع. تذكري يا فجر، أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ومن أحسن سعيًا. لا تستسلمي لمشاعر قد تكون عابرة، بل تمسكي بما هو دائم وباقٍ."

أمسكت السيدة نورة بيد ابنتها وربتت عليها بلطف. "أنا أرى في عينيكِ شيئًا جديدًا يا فجر. شيئًا جميلًا، ولكنه يحمل معه أيضًا عبئًا. إن كنتِ تفكرين في شخص ما، فلا تخافي من البوح لي. فأنا أمكِ، وقلبي مفتوح لكِ دائمًا."

شعرت "فجر" بالامتنان العميق لوالدتها. كانت تعرف أنها لو تحدثت، فإن والدتها ستستمع إليها دون حكم، وستقدم لها النصح الصادق. لكنها لم تكن مستعدة بعد. كان عليها أن تجمع شتات أفكارها، وأن تفهم ما يدور في قلبها.

استمرت "فجر" في تأمل الليل، ولكن هذه المرة، كان التأمل يحمل معه شيئًا من الأمل. أمل في فهم ما تشعر به، وأمل في إيجاد الطريق الصحيح. لكن شبح "أحمد" ظل يطاردها، شبح ذلك الرجل الذي اقتحم حياتها الهادئة، وأشعل فيها نارًا لم تكن تعرف كيف تخمدها، ولم تكن متأكدة إن كانت تريد إخمادها. كان هذا الصراع الداخلي هو ما جعل شباك الأرق مفتوحًا أمامها.

في الجهة الأخرى من المدينة، في مكتبه الفاخر، كان "خالد" يقلب أوراق صفقة جديدة. كان رجل أعمال ناجحًا، يسعى دائمًا للقمة، لا يعرف إلا لغة الربح والسيطرة. لكن في لحظة نادرة، توقف عن العمل. نظر إلى صورة معلقة على مكتبه، صورة لامرأة جميلة، ذات عينين فيها حزن قديم. كانت تلك صورة زوجته الراحلة، "ليلى".

كان "خالد" يعيش في عالم من الأرقام والمصالح، عالم بارد يخلو من العواطف. بعد وفاة "ليلى"، انغلق على نفسه، ولم يسمح لأحد بالدخول إلى عالمه. كان يخشى الألم، ويخشى الفقد. لكن في عمق قلبه، كان هناك فراغ يتسع يومًا بعد يوم.

في تلك الليلة، تذكر "خالد" محادثة له مع صديق قديم. كان يتحدث عن "فجر". قال صديقه عنها: "إنها فتاة قوية، مستقلة، ولكنها تحمل بداخلها طيبة لا مثيل لها. إنها كجوهرة نادرة تحتاج لمن يكتشفها."

لم يهتم "خالد" بالأمر حينها، لكن شيئًا ما في كلام صديقه علق في ذهنه. لم يكن يبحث عن علاقات، ولا عن حب. كان يبحث عن الاستقرار، عن شريكة تملك صفات "ليلى" القديمة، ولكنها تحمل في روحها روحًا جديدة.

أغمض "خالد" عينيه، وحاول أن يتخيل "فجر". لم يرها سوى مرات قليلة، ولكنها تركت انطباعًا قويًا لديه. كانت تبدو له كأنها تعرف ما تريد، وأنها تسير بثقة في طريقها. هل يمكن أن تكون هذه الثقة هي ما يبحث عنه؟ هل يمكن أن تكون هذه الجوهرة النادرة، هي ما سيملأ فراغه؟

لكن سرعان ما عاد "خالد" إلى واقعه. كان يعلم أن طريقه مليء بالأشواك. كانت لديه مسؤوليات كبيرة، وكان عليه أن يتأكد من أن أي خطوة يتخذها ستكون مدروسة، ولن تؤثر على سمعته أو على استقراره. في هذا العالم، كانت المشاعر رفاهية لا يملكها الجميع.

عاد إلى أوراقه، محاولًا طرد شبح "فجر" من رأسه. لكن شبح الماضي، شبح "ليلى"، كان أشد قوة، وأشد إيلامًا. كانت المعركة الحقيقية تدور في داخله، معركة بين الماضي والحاضر، بين الروح والفراغ، بين الخوف والأمل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%