روح تبحث عنك 183
صدى الماضي
بقلم ليلى الأحمد
كانت الشمس قد بدأت ترسل خيوطها الذهبية لتداعب أسطح المباني في مدينة الرياض، معلنة عن بداية يوم جديد. لكن بالنسبة لـ "فجر"، لم يكن الصباح بالهدوء المعهود. كانت لا تزال تشعر بثقل الليل، وثقل الأفكار التي دارت في رأسها. كانت الكلمات التي سمعتها من والدتها تدوي في أذنيها: "الحب الحقيقي لا يجعلنا أضعف... الأساس الصحيح هو أن تعرفي من تحبين...".
بعد تناول فطورها بصمت، ودعت والدتها وانطلقت إلى عملها. كانت تعمل في شركة استشارات، مجال يتطلب منها دقة متناهية وقدرة على التحليل. في مكتبها، وبين ملفات العملاء، حاولت أن تركز. لكن صورتها بـ "أحمد" كانت تتسلل إلى تفكيرها. تلك النظرات المتبادلة، تلك الكلمات التي بدت كأنها قادمة من روح تفهم روحها.
تذكرت كيف حاول "أحمد" التحدث إليها بعد اللقاء الأول، كيف أرسل لها رسالة عبر صفحة المعرض يسألها عن رأيها في كتاب قرأته. لم ترد عليه حينها. كان خوفها أكبر من رغبتها في التواصل. لكن الآن، كانت تشعر بالندم. ربما كانت هذه فرصة، فرصة لكسر حاجز الخوف، وفرصة لاكتشاف ما إذا كانت مشاعرها تجاهه مجرد إعجاب عابر أم شيء أعمق.
"فجر، هل أنتِ بخير؟ تبدين شاردة الذهن اليوم."
كانت تلك زميلتها "سارة"، فتاة مرحة وطيبة القلب، تعرف "فجر" منذ بداية عملهما معًا.
"أهلًا سارة، نعم، بخير. مجرد بعض الأعباء في العمل." أجابت "فجر" بابتسامة باهتة.
"أرى ذلك. هل تحتاجين مساعدة؟" عرضت سارة، وعيناها تلمعان بالود.
"لا، شكرًا لكِ. سأنهي الأمر قريبًا." قالت "فجر"، وحاولت أن تبدو أكثر حيوية.
كانت "فجر" تقدر "سارة" كثيرًا، ولكنها لم تكن تشاركها دائمًا أدق تفاصيل حياتها. كانت "فجر" تحافظ على مسافة معينة، حتى مع أقرب الناس إليها. ربما كان هذا جزءًا من بناءها الدفاعي، أو ربما كان خوفًا من أن يتم فهم مشاعرها بشكل خاطئ.
في فترة الاستراحة، قررت "فجر" أن تتخذ خطوة. فتحت هاتفها، وبحثت عن رقم "أحمد" الذي حصلت عليه بشكل غير مباشر من زميل في المعرض. ترددت قليلًا، ثم بدأت تكتب رسالة.
"السلام عليكم أستاذ أحمد. معكِ فجر. أتمنى أن تكون بخير. كنت أتمنى لو تحدثنا أكثر في المعرض. هل لديك وقت قريب للحديث؟"
بعد إرسال الرسالة، شعرت "فجر" بارتياح ممزوج بتوتر شديد. كان عليها أن تتجاوز حاجز الخوف.
في نفس الوقت، وفي مكتبه الذي اكتست جدرانه بذكاء الأعمال، كان "خالد" يراجع تقريرًا ماليًا. كان عقله يسير في خطوط مستقيمة، يتجه نحو الهدف. لكن صورة "فجر" عادت لتطفو على السطح. لم يستطع إخراجها من ذهنه. كانت تبدو له كمنارة في بحر من المصالح.
تذكر والدته، السيدة "عائشة"، كانت دائمًا تقول له: "يا خالد، المال والجاه لا يشبعان الروح. ابحث عن السكينة في القلب، عن الرفيقة التي تشاركك هموم الحياة."
كان "خالد" دائمًا يتجاهل هذه النصائح. كان يعتبرها كلامًا رومانسيًا لا يناسب عالمه. لكن الآن، بدأ يشعر بصدق كلماتها. كان يشعر بالفراغ.
اتصل "خالد" بـ "ناصر"، صديقه المقرب، ورجل الأعمال الذي تربطه به علاقة ثقة منذ سنوات.
"ناصر، هل أنت مشغول؟" سأل "خالد".
"أبدًا يا خالد، تفضل. هل هناك أمر مهم؟" أجاب "ناصر" بصوته الهادئ.
"أريد أن أسألك عن فتاة قابلتها مؤخرًا. اسمها فجر. هل تعرف عنها شيئًا؟"
تردد "ناصر" قليلًا، ثم قال: "نعم، أعرفها. إنها ابنة السيد "علي"، مدير حسابات سابق في شركتنا. رجل فاضل، ولكن حاله لم يكن ميسورًا. السيدة "نورة"، والدتها، امرأة طيبة للغاية. لديهم سمعة جيدة في المجتمع. لم أسمع عنها شيئًا سيئًا."
شعر "خالد" ببعض الارتياح. "هل تعرف شيئًا عن عائلتها؟ عن ظروفها؟"
"فجر متفوقة جدًا في دراستها وعملها. لديها أخ أصغر، لم أرَ والدها قط. يبدو أنها تتحمل مسؤوليات كبيرة في أسرتها. هي من النوع الذي يضع أهدافه نصب عينيه ويسعى لتحقيقها بقوة."
كانت هذه المعلومات كافية لـ "خالد". شعر بأن "فجر" ليست مجرد واجهة جميلة، بل هي شخصية قوية، تعرف كيف تعيش. هذا ما كان يبحث عنه. رجل يسعى للسيطرة، يجد جاذبية في من تستطيع أن تشاركه هذه السيطرة، لا أن تعارضه.
"شكرًا لك يا ناصر. هذا يكفي." قال "خالد".
"هل تفكر في شيء يا خالد؟" سأل "ناصر" بفضول.
"لا شيء محدد الآن. فقط كنت أريد أن أعرف." قال "خالد" ببرود، ولكنه كان يفكر بعمق.
أنهى "خالد" المكالمة، وعاد ينظر إلى صورة زوجته الراحلة. هل سيكسر حاجز العزلة؟ هل سيسمح لشخص جديد بدخول حياته؟ كان يعرف أن الأمر ليس بالسهولة التي تبدو عليها. كان لديه ماضٍ معقد، وشخصية صلبة، وحياة منظمة بدقة. أي تغيير قد يكون له عواقب وخيمة.
لكن شيئًا ما في "فجر" أثار فضوله، ربما كان ذلك التباين بين قوتها الظاهرة ورقتها التي شعر بها. ربما كانت هي المفتاح لفتح الأبواب المغلقة في قلبه.
في غضون ذلك، وبينما كانت "فجر" تتوقع ردًا من "أحمد"، تلقت مكالمة هاتفية. كان الرقم غريبًا.
"السلام عليكم." قالت "فجر" بتردد.
"وعليكم السلام ورحمة الله. مع حضرتك خالد." جاء صوت عميق وواثق.
تجمدت "فجر" للحظة. خالد؟ كيف حصل على رقمها؟
"أهلاً بك أستاذ خالد." قالت "فجر" بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا.
"أتمنى أنني لم أقاطعكِ. أنا أتصل بكِ بخصوص شيء رأيته في معرض الكتاب. رأيتكِ تتحدثين عن رواية معينة، وأنا مهتم بها جدًا. هل تسمحين لي بالحديث معكِ قليلًا عنها؟"
كانت هذه فرصة لم تتوقعها. هل كان "أحمد" قد ترك أمر التواصل لـ "خالد"؟ أم أن "خالد" كان يعرف عنها شيئًا من قبل؟ كان الأمر غريبًا.
"بالتأكيد أستاذ خالد. يسعدني ذلك." قالت "فجر"، وقلبها ينبض بسرعة.
بدأ "خالد" يتحدث عن الرواية، ولكن "فجر" لم تستطع التركيز. كانت تفكر في كيف حصل على رقمها، ولماذا يتحدث عن الرواية بهذه الطريقة. هل كانت مجرد حجة؟
"أعتقد يا أستاذ خالد أن الرواية تتحدث عن قوة الإرادة، وعن البحث عن الذات في خضم التحديات." قالت "فجر"، محاولة استعادة تركيزها.
"نعم، هذا صحيح. ولكنني أعتقد أيضًا أنها تتحدث عن البحث عن شريك روح، عن شخص يكملنا، ويساندنا في رحلتنا." قال "خالد"، وكانت كلماته تحمل معاني أعمق مما بدت عليه.
كانت "فجر" تشعر بأنها أمام مفترق طرق. هل كانت هذه بداية قصة جديدة، أم نهاية قصة لم تبدأ بعد؟ كان صدى الماضي يخيم على حاضرها، وشبح المستقبل يلوح في الأفق.