روح تبحث عنك 183
عطر الياسمين وهمسات الندم
بقلم ليلى الأحمد
كانت نسمات الليل الرطبة تحمل معها شذا الياسمين الذي انبعث من حديقة منزل جدة "آمنة"، ممزوجًا بعبق تراب الأرض الندي بعد رشاش مطر خفيف. جلست "آمنة" على الكرسي الخشبي المتأرجح في الشرفة، تلفها شال صوف خفيف، وعيناها تحدقان في الأفق المظلم. لم تكن ترى سوى خيوط الفجر الباهتة التي بدأت تنسل من بين غيوم الليل، ولكن قلبها كان يرى صورة "أحمد" تتجسد أمامها، صورة شاب طموح، ذو نخوة وأخلاق، لكنه أسير لهوى قد يودي به.
تنهدت بعمق، وشعرت بلسعة من الندم تشق صدرها. ليتها لم تتدخل في بداية الأمر، ليتها تركت الأمور تأخذ مجراها الطبيعي. فكرة الزواج المبكر لـ"آمنة" من "عمر" كانت قد جلبت لها القلق، لكنها ظنت أنها بهذه الخطوة ستضمن لها مستقبلًا آمنًا. الآن، يبدو أن تسرعها قد أوجد جرحًا عميقًا في روح "أحمد"، جرحًا قد يصعب شفاؤه.
استدارت نحو الباب حيث خرج "أحمد" قبل قليل، متوجهًا إلى مكتبه ليعمل حتى ساعات متأخرة. عرفت أنه لم يكن لديه عمل كثير، لكنه أراد أن يهرب من البيت، من نظرات الشفقة، من أسئلته المؤلمة التي لم يجد لها إجابة. لقد رأته يتألم، ورأته يحاول كبت غضبه، لكن ذلك البركان الداخلي كان يتأهب للانفجار.
همست لنفسها: "يا بني، قلبك الطاهر لا يستحق كل هذا العناء. ذنبك الوحيد أنك أحببت فتاة لم تكن لك، فتاة قد أُعطيت لغيرك قبل أن يتسنى لك إعلان حبك. ولكن، أين يكمن الحل؟ إن وعدًا قد تم، ورغبة أهل قد اتجهت."
طرقت خطوات خفيفة باب الشرفة. استدارت "آمنة" لترى "فاطمة"، والدة "أحمد"، تقف هناك، تحمل في يدها كوبًا من الشاي الدافئ. ابتسمت "فاطمة" ابتسامة متعبة، ووضعت الكوب أمام "آمنة".
"لم تستطيعي النوم يا عمة؟" سألت بصوت هادئ. أومأت "آمنة" برأسها. "الليل طويل، والأفكار تتشعب." جلست "فاطمة" بجانبها، وشعرت بالصقيع يتسرب إلى عظامها. "قلبي لا يهدأ. أرى 'أحمد' يتغير. اختفاء ضحكته، ثقل خطواته، كل ذلك يؤلمني. وكأن روحًا قد انتُزعت منه."
"وهل تظنين أن قلبي لا يشعر؟" أجابت "آمنة" بصوت مختنق. "لقد رأيت فيه تلك الشرارة التي أضاءت عينيه حين تحدث عن 'آمنة'. وفجأة، انطفأت تلك الشرارة، وحلت محلها غيوم الحزن."
"كان يعتقد أن 'آمنة' تفهم ما في قلبه، وأن صمتهما المشترك يعني شيئًا أكثر من مجرد صداقة قديمة. لقد بنى أمالًا عظيمة على تلك الابتسامة التي كانت تغمرها حين تلقيه. ولم يدرك أن تلك الابتسامة كانت مجرد لطف، وأن قلب 'آمنة' قد وجد طريقًا آخر، طريقًا رسمه لها القدر، أو ربما رسمه لها الأهل."
"ولكن، هل كان يمكن لـ'آمنة' أن تفعل شيئًا مختلفًا؟" سألت "آمنة" بقلق. "لقد أُجبرت على هذا الزواج. ليس لديها يد في الأمر. أليس كذلك؟"
"بالتأكيد، بالتأكيد يا عمة." قالت "فاطمة" وهي تضع يدها على يد "آمنة". "فتاة في مثل عمرها، وفي بيئة كهذه، لا تملك الكثير من الخيارات. ولكن 'أحمد' الشاب، الشاب الذي عنده من العقل والمال ما يكفيه، ألم يكن بإمكانه أن يتقدم؟ ألم يكن بإمكانه أن يصارح؟"
"لقد حاول، يا 'فاطمة'. لقد أردت منه أن يفعل، وأن يصارح. ولكن الوقت لم يكن مناسبًا. كانت 'آمنة' في أشد حالات الحزن بعد وفاة والدها. وكان 'عمر' قد بدأ يتقدم بخطوات جدية، بدعم من الجميع. لم يكن لدى 'أحمد' الجرأة الكافية لينافس 'عمر'. فهو يدرك مكانة 'عمر'، وقوة عائلته. كان يخاف أن يضع نفسه في موقف محرج، وأن يزيد من حزن 'آمنة'."
"إذاً، لقد اختار الصمت، واختار أن يحتفظ بحبه لنفسه." قالت "فاطمة" وهي تتنهد. "وهذا الصمت يا عمة، أصبح يلتهمه من الداخل. أخشى أن يتحول هذا الحزن إلى شيء قاتل."
"ماذا نفعل؟" تساءلت "آمنة" واليأس يتملكها. "هل نكشف له حقيقة مشاعر 'آمنة'؟ حتى لو لم تكن تعترف بذلك صراحة، فإن نظراتها حين تتحدث عنه، أو حين تراه يتألم، لا تكذب."
"لا، لا أظن أن ذلك هو الحل الأمثل الآن." أجابت "فاطمة". "فمن غير اللائق أن نتحدث عن مشاعر 'آمنة' دون علمها، خاصة وهي على وشك الزواج. قد يتسبب ذلك في فوضى عارمة، وقد يؤذي سمعتها وسمعة أهلها."
"ولكن 'أحمد'؟ هل نتركه هكذا؟"
"ربما يجب أن نجلس مع 'أحمد'، ونتحدث معه بصراحة. ونذكره بأن الحياة تستمر، وأن الحب قد يأتي في أوقات وأماكن لم نتوقعها. ونذكره بأن الزواج ليس نهاية المطاف، بل هو بداية رحلة جديدة. وأن هناك دائمًا فرصًا أخرى، وفرصًا أجمل."
"ولكن قلبه مشغول بـ'آمنة'. كيف سننتزعها منه؟"
"لن تنتزعها يا عمة. ولكن يمكننا أن نساعده على إدراك أن تعلق القلب بفتاة مخطوبة أو متزوجة، دون وجود أي أمل، هو عذاب حقيقي. يمكننا أن نساعده على أن يرى أن هناك فتيات أخريات في هذا العالم، فتيات قد يكنّ أكثر توافقًا معه، وقد يبادلنه الحب بمشاعر صادقة ونقية."
"وأنتِ، هل لديكِ فكرة عن فتاة معينة؟" سألت "آمنة" وهي تنظر إلى "فاطمة" بعينيها اللامعتين.
ابتسمت "فاطمة" ابتسامة غامضة. "الحياة يا عمة مليئة بالمفاجآت. وربما يكون 'أحمد' نفسه قد قابل تلك الفتاة دون أن يدري. فالحب لا يخبرنا متى سيأتي، ولا يضع لنا موعدًا."
كانت الشمس قد بدأت ترسل خيوطها الذهبية الأولى، مبشرة ببدء يوم جديد. لكن في قلب "آمنة" و"فاطمة"، كانت المعركة مستمرة. معركة الشفقة، والندم، والأمل. وأما "أحمد"، فقد كان في مكتبه، بين أوراق عمله، يحاول أن ينسى، ولكنه كان يجد نفسه غارقًا في بحر من الذكريات.
فجأة، سمع "أحمد" صوت طرق خفيف على الباب. رفع رأسه، ليرى "خالد"، صديقه المقرب، يقف على الباب، ويبتسم ابتسامة واسعة.
"صباح الخير يا صديقي!" قال "خالد" وهو يدخل ويجلس على الكرسي المقابل. "ما زلت تعمل؟ ألم تنم؟"
"صباح النور." أجاب "أحمد" بصوت متعب. "لا، لم أستطع النوم. الأفكار كثيرة."
"أعرف، أعرف." قال "خالد" وهو ينظر إلى وجه "أحمد" المتعب. "لم أكن أريدك أن تكون وحدك. لذا أتيت لأطمئن عليك."
"شكرًا لك يا 'خالد'." قال "أحمد" بامتنان. "هذا من لطفك."
"لا تقول ذلك. نحن أصدقاء، وهذا ما يفعله الأصدقاء. ولكن، بصراحة، هل ما زلت تفكر في 'آمنة'؟"
تردد "أحمد" قليلاً. لم يكن يريد أن يشارك أحدًا آلامه، وخاصة "خالد"، الذي كان يعرف جيدًا مدى تقديره لـ"آمنة".
"نعم." أجاب "أحمد" بصوت مكتوم. "لا أستطيع أن أنكر. إنها فتاة رائعة."
"بالتأكيد هي كذلك." قال "خالد". "ولكن، هل تعتقد أن هناك أملًا؟"
"لا أعرف." قال "أحمد" وهو يضع رأسه بين يديه. "لقد أُعطيت لـ'عمر'. ورغبة الأهل قد اتجهت. إنني أشعر وكأنني قد خسرت كل شيء قبل أن أبدأ."
"ولكن، هل أنت متأكد من أن 'آمنة' لا تشعر بشيء تجاهك؟" سأل "خالد" بفضول. "رأيتها تتحدث معك، ورأيتها تبتسم. هناك شيء بينكما، شيء لا أستطيع تحديده."
"ربما كانت مجرد صداقة." قال "أحمد" بحزن. "ولكن القلب يا 'خالد'، القلب لا يصدق دائمًا ما يراه العقل. لقد ظننت أننا نتشارك شيئًا أعمق. وأن صمتنا كان يعبر عن لغة مشتركة. ولكن يبدو أنني كنت وحدي في هذا الوهم."
"ولكن، حتى لو كان الأمر كذلك، فالحياة لا تتوقف عند هذا الحد." قال "خالد" بحزم. "هناك فتيات أخريات، فتيات قد يكنّ أجمل وأفضل. أنت شاب طموح، لديك ما يكفيك. يجب أن تتجاوز هذا الأمر. وأن تفكر في مستقبلك. ربما يكون هناك من ينتظرك، من تحبك بصدق، ومن تستطيع أن تبني معها حياة سعيدة."
"أشعر وكأنني قد فقدت إيماني بالحب." قال "أحمد" بمرارة.
"لا تقول ذلك." قال "خالد" وهو يضع يده على كتف "أحمد". "الحب موجود. ولكنه قد يختار أوقاتًا وأشخاصًا لا نتوقعهم. قد تجده في مكان لم تبحث فيه أبدًا. المهم أن تظل متفائلًا، وأن تفتح قلبك للحياة. لا تدع هذا الحزن يلتهمك."
كانت كلمات "خالد" تحمل بعض الراحة، لكنها لم تستطع أن تمحو أثر الألم العميق الذي شعر به "أحمد". كان يعلم أن عليه أن يتجاوز هذا الأمر، ولكن كيف؟ وكيف يمكن لقلب أن ينسى ما تعلق به؟
نظر "أحمد" إلى "خالد" بامتنان. "شكرًا لك يا صديقي. كلامك يخفف عني."
"دائمًا يا صديقي." ابتسم "خالد". "والآن، هيا بنا، سنذهب لنفطر، ثم نبدأ يومنا. الحياة تستمر."
نهض "أحمد" ببطء، وشعر ببعض التعب يزول من جسده. لكن قلبه ظل ثقيلًا، ينتظر أن يأتي اليوم الذي يستطيع فيه أن يتجاوز ما هو فيه. كان يعلم أن الطريق طويل، وأن الشفاء يحتاج إلى وقت. ولكن، ربما، ربما كان "خالد" على حق. ربما هناك أمل، وربما هناك حب آخر ينتظره.