الفصل 1 / 25

الحب الخفي 184

همساتٌ في أروقة الزمن

بقلم مريم الحسن

كانت أنفاسُ الأستاذِ خالدٍ تتسارعُ وهي تُعانقُ الهواءَ الباردَ الممزوجَ برائحةِ الكتبِ القديمةِ والغبارِ العتيقِ. توقفتْ عيناهُ، النافذتانِ كالسهمِ، عندَ غلافِ المخطوطةِ التي احتضنتْها يداهُ المرتعشتانِ. لم تكنْ مجردَ ورقةٍ وصفحةٍ، بل كانتْ بوابةً إلى زمنٍ غابرٍ، إلى قصةٍ تترددُ أصداؤها في زوايا مكتبةِ "دارِ الحكمةِ" العريقةِ، كأنها أشباحُ الأجدادِ تُناجي الأحفادَ. رفعَها ببطءٍ، وكأنها جوهرةٌ ثمينةٌ، ثمَّ أضاءَها نورُ المصباحِ الخافتِ الذي انبعثَ منْ مصباحِ مكتبهِ. كانتْ الحروفُ العربيةُ المنمقةُ، المرسومةُ بعنايةٍ فائقةٍ، تتراقصُ أمامَ عينيهِ، تحكي عنْ عشقٍ ولغزٍ، عنْ "الحبِّ الخفيِّ 184" كما أُشيرَ إليهِ في هامشٍ صغيرٍ بالكوفيةِ.

كانَ خالدٌ، في ربيعِ عمرهِ الخامسِ والثلاثينَ، أستاذًا جامعيًا لمادةِ التاريخِ الإسلاميِّ، ذا سمعةٍ مرموقةٍ بينَ زملائهِ وطلابهِ. لم يكنْ مجردَ باحثٍ أكاديميٍّ، بل كانَ عاشقًا للحقيقةِ، ورحَّالةً في دروبِ الماضي، يبحثُ عنْ كنوزِ المعرفةِ المدفونةِ تحتَ رمالِ النسيانِ. كانَ نحيلَ البنيةِ، طويلَ القامةِ، ذا لحيةٍ داكنةٍ تُضفي عليهِ هالةً منَ الوقارِ، وعينينِ سوداوينِ تُخفيانِ خلفَهما بحرًا منَ الأفكارِ. كانَ يعيشُ حياةً بسيطةً، مُكرسةً للعلمِ والبحثِ، بعيدًا عنْ صخبِ الحياةِ وضوضائِها، إلا أنَّ هذهِ اللحظةَ، كانتْ نقطةَ تحولٍ، شرارةً أشعلتْ في قلبهِ لهيبَ الفضولِ.

بدأتْ أصابعُهُ تتحسسُ بجلدِ الكتابِ القديمِ، كأنهُ يتلمسُ نبضَ كاتبهِ. كشفتْ الصفحاتُ الأولى عنْ سيرةِ شخصيةٍ غامضةٍ، منْ عائلةٍ عريقةٍ في القرنِ الثامنَ عشرَ، عاشتْ في مدينةِ دمشقَ. كانتْ الكتابةُ رقيقةً، مليئةً بالمشاعرِ المتدفقةِ، تحكي عنْ فتاةٍ تُدعى "ليلى"، تتمتعُ بجمالٍ أخاذٍ وروحٍ وثابةٍ، وعنْ حبٍّ جمعها برجلٍ لم تُكشفْ هويتهُ بعدُ، إلا بلقبِ "الحبيبِ المجهولِ". ذُكِرَ في بعضِ المقاطعِ أنَّ هذا الحبَّ كانَ مُحاطًا بالسريةِ، وأنَّ العاداتِ والتقاليدَ كانتْ سدًّا منيعًا أمامَ رغبتهما في إظهارِ مشاعرهما.

توقفتْ قراءةُ خالدٍ فجأةً، حينَ لمحَ اسمَ "أبو شادي". كانَ الاسمُ يحملُ ثقلاً عائليًا كبيرًا بالنسبةِ لهُ. كانَ "أبو شادي" هوَ جدُّهُ الأكبرُ، الرجلُ الذي ذُكرَ في تاريخِ العائلةِ كشخصيةٍ غامضةٍ، أحاطتْ بهِ شائعاتٌ كثيرةٌ، لكنَّ تفاصيلَ حياتهِ بقيتْ غامضةً. هلْ كانَ "أبو شادي" هوَ "الحبيبُ المجهولُ"؟ تسارعتْ دقاتُ قلبِ خالدٍ، وشعرَ بأنَّ قطراتِ العرقِ بدأتْ تتصببُ على جبينهِ، رغمَ برودةِ الجوِّ.

واصلَ خالدٌ القراءةَ بشغفٍ متزايدٍ، كأنهُ يغوصُ في أعماقِ البحرِ بحثًا عنْ لؤلؤةٍ. ظهرتْ رواياتٌ عنْ لقاءاتٍ سريةٍ في حدائقَ غناءٍ، عنْ رسائلَ متبادلةٍ، وعنْ أغانيَ همسَتْ بكلماتِ الحبِّ في سكونِ الليلِ. كانَ الوصفُ للوصفِ عميقًا، يُجسدُ مشاعرَ لمستْ روحَ خالدٍ، فأعادتهُ إلى ذكرياتٍ بعيدةٍ، إلى همساتٍ سمعها في صغرهِ عنْ قصةِ حبٍّ حزينةٍ في عائلةٍ.

لم تكنْ هذهِ المخطوطةُ مجردَ تاريخٍ، بل كانتْ روايةً حيةً، تتنفسُ بأحداثها ومشاعرها. شعرَ خالدٌ بانجذابٍ غريبٍ لهذهِ القصةِ، كأنها خيطٌ رفيعٌ يربطُهُ بماضيهِ، وبأسرارٍ عائليةٍ لم تُكشفْ بعدُ. توقفَ عندَ صفحةٍ كانتْ تحملُ رسمًا بسيطًا لزهرةِ الأقحوانِ، وفي أسفلها سطرٌ مكتوبٌ بمدادٍ ذهبيٍّ: "مائةٌ وثمانيةٌ وأربعونَ دربًا، ودربٌ واحدٌ إلى قلبكِ، يا منْ سكنتِ روحي".

شعرَ خالدٌ بخفقانٍ قويٍّ في صدرهِ. "184"، هذا الرقمُ الذي وُجدَ في عنوانِ المخطوطةِ، يظهرُ مرةً أخرى، لكنْ هذهِ المرةَ بشكلٍ رمزيٍّ. تداخلتْ الصورُ في ذهنهِ: وجهُ جدِّهِ الذي رآهُ في صورةٍ قديمةٍ، وملامحُ ليلي التي رسمها خيالهُ منْ خلالِ وصفِ الكاتبِ، ورمزيةُ الأقحوانِ. أدركَ أنَّ هذهِ المخطوطةَ ليستْ مجردَ صدفةٍ، بل هيَ دعوةٌ للبحثِ، لفكِّ رموزِ ماضٍ مدفونٍ.

في ذلكَ الوقتِ، كانَ الوقتُ قدْ تأخرَ، والشمسُ قدْ غابتْ خلفَ أفقِ المدينةِ، تاركةً وراءها سماءً مُزينةً بالنجومِ. لكنَّ خالدًا لم يشعرْ بالوقتِ، فقدْ كانَ غارقًا في بحرٍ منَ الأسرارِ. أغمضَ عينيهِ للحظةٍ، محاولاً استيعابَ حجمِ ما اكتشفهُ. كانتْ لديهِ إحساسٌ قويٌّ بأنَّ هذهِ القصةَ لنْ تتركهُ، وأنَّ رحلةَ البحثِ عنْ "الحبِّ الخفيِّ 184" قدْ بدأتْ للتوِّ.

وضعَ المخطوطةَ بعنايةٍ في حافظةٍ جلديةٍ، ثمَّ أطفأَ مصباحَ مكتبهِ. خرجَ منْ مكتبةِ "دارِ الحكمةِ" تحتَ ضوءِ القمرِ، لكنَّ عقلهُ كانَ لا يزالُ يضيءُ بنورِ تلكَ الكلماتِ القديمةِ. كانَ يرى ليلى تركضُ في الحدائقِ، ويسمعُ همساتِ الحبيبِ المجهولِ، ويرى وجهَ جدِّهِ يتجلى لهُ في طيفٍ منَ الذكرياتِ. شعرَ بخليطٍ منَ الإثارةِ والقلقِ، فالغموضُ كانَ سيدَ الموقفِ، والأسئلةُ تتكاثرُ كالنباتِ في أرضٍ خصبةٍ.

وقفَ للحظةٍ عندَ مدخلِ المكتبةِ، يستنشقُ هواءَ الليلِ، ويُعطي وعدًا لنفسهِ بأنَّهُ لنْ يرتاحَ حتى يكشفَ كلَّ خيوطِ هذهِ القصةِ. كانتْ "الحبِّ الخفيِّ 184" قدْ بدأتْ رحلتها في عقلهِ، وكانتْ هذهِ الرحلةُ، كما شعرَ، أطولَ وأعمقَ مما يتوقعُ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%