الحب الخفي 184
ضباب الشك وسرّ الماضي
بقلم مريم الحسن
ارتسمت على وجه ليلى تعابيرٌ لم يعهدها الحاج يوسف قط. كانت شاحبةً، وعيناها تحملان أثر سهرٍ طويلٍ وبكاءٍ مكتوم. جلست على أريكة الغرفة الرئيسية، تضمّ بين يديها كوبًا من الشاي البارد، كمن يبحث عن دفءٍ فقده. كان والداها قد لاحظا تغيّر حالها، ولكنهما حاولا عدم إزعاجها، آملين أن يكون الأمر مجرد عارضٍ صحيٍ أو نفسيٍ عابر.
"ليلى حبيبتي، تبدين متعبةً جدًا." قالت الحاجة فاطمة، وهي تجلس بجانبها وتمسح على شعرها بحنان. "ألا تزالين تشعرين بالمرض؟"
تنهدت ليلى تنهيدةً عميقةً، وحاولت أن ترسم ابتسامةً على وجهها. "لا يا أمي، فقط بعض الأفكار التي تشوش عليّ."
"أفكار؟" رفعت الحاجة فاطمة حاجبها. "هل لديكِ شيءٌ تريدين البوح به؟"
ترددت ليلى. كيف لها أن تبدأ؟ كيف لها أن تتهم شخصًا لم يرتكب أي خطأً أمامها؟ كيف لها أن تعيد إلى ذهنها كلمات فؤاد، تلك الكلمات التي كانت تحمل في طياتها سمّ الشك؟ "الأمر ليس بيدي يا أمي. إنه يتعلق ب... بخالد."
صمتت الحاجة فاطمة لبرهة، ثم قالت بصوتٍ هادئ: "ماذا عن خالد؟ هل حدث شيءٌ بينكما؟"
"لا... لم يحدث شيءٌ مباشرٌ. ولكنني بدأت أرى أمورًا... أو أسمع أشياءً... تجعلني أتساءل."
"تتساءلين عن ماذا يا ابنتي؟"
"عن... صدقه. عن نواياه." همست ليلى، وعيناها غائرتين في الفراغ. "لقد تحدث معي فؤاد بالأمس. أخبرني أشياءً عن رحلته الأخيرة... عن وضعه المالي... عن أشخاصٍ غير موثوقين."
اتسعت عينا الحاجة فاطمة. "فؤاد؟ ما الذي يقوله فؤاد؟ وهل تصدقين هذا الكلام؟"
"لا أعرف ماذا أصدق يا أمي! كل شيءٍ يبدو ضبابيًا. هو لم يخبرني شيئًا عن هذه الأمور. وإصراره على إبقاء علاقتنا سريةً... بدأ يجعلني أشك."
"إبقاء العلاقة سرية؟" كررت الحاجة فاطمة، ثم توقفت. "نعم، لم أشأ أن أعلق على هذا الأمر سابقًا، ولكنني لاحظتُ بعض التصرفات الغريبة. كيف أنه يتهرب من اللقاءات العائلية، وكيف أنه يفضل دائمًا الاجتماع بكِ بعيدًا عن أعين الناس. ظننتُ أنه مجرد شخصٍ خجولٍ أو لديه بعض التحفظات. ولكن الآن..."
"الآن أرى صورةً مختلفة، أليس كذلك؟" قالت ليلى، والشعور بالمرارة يملأ حلقها. "هو لم يقل لي إنه يحبني. لم يقل لي إنه يريد الزواج مني. فقط... نظرات، وكلماتٌ جميلةٌ، وأملٌ زرعه في قلبي."
"حبيبتي، لا تلومي نفسكِ. أحيانًا، يخفي الناس حقائقهم خوفًا من ردود أفعال الآخرين، أو طمعًا في تحقيق مكاسب. ولكن لا تدعي الشك يدمركِ."
"ولكن كيف أتخلص من هذا الشك يا أمي؟ كيف أتأكد؟"
"للسؤال عن الحقيقة طرقه. ولكن عليكِ أولاً أن تستجمعي قوتكِ. لا تتصرفي باندفاع. فكري جيدًا، واستعيني بالله."
في هذه الأثناء، كان خالد قد قرر أن يواجه الحقيقة. كان يشعر بالضيق والقلق، كل التحذيرات كانت تتراكم في ذهنه. تحدث مع والده، الحاج محمود، عن الرسالة الغامضة التي تلقاها.
"يا بني، هذه الأمور ليست بالجديدة. لقد تعرضتُ أنا ووالدكِ لمحاولاتٍ كثيرةٍ للتشويش على أعمالنا، ولإثارة الفتن بيننا. لا تستغرب أن يكون هناك من يحاول استغلال علاقتك بليلى." قال الحاج محمود، بنبرةٍ تحمل خبرة السنين.
"ولكن من؟ ومن أرسل هذه الرسالة؟" سأل خالد، وشعر بالإحباط.
"المجهول هو أخطر الأعداء. ولكن علينا أن نبدأ بالبحث عن الأدلة. هل هناك أي شيءٍ في سلوك أحدهم يثير الشك؟ أي تصرفٍ غير طبيعي؟"
فكر خالد مليًا. "أتذكر أن فؤاد كان كثيرًا ما يسألني عن أحوال العمل، وعن ديوني. وكان دائمًا ما يحاول أن يبدو صديقًا مقربًا، مهتمًا بمصلحتي. في البداية، ظننتُ أنه مجرد وفاءٍ لصداقتنا القديمة."
"فؤاد؟" قال الحاج محمود، وقد ارتسمت على وجهه علامة قلقٍ خفية. "هل هو نفسه فؤاد ابن السيد علي؟"
"نعم يا أبي."
"لقد سمعتُ بعض الأقاويل عن تورطه في بعض الأمور المشبوهة مؤخرًا. ولكنني لم أكن أربط بين ذلك وبينكم."
"أتظن أنه قد يكون له علاقةٌ بهذه الرسالة؟"
"لا أستطيع أن أجزم. ولكن الشك يقتل صاحبه يا بني. عليكَ أن تتحرى. ولكن بحذرٍ شديد. لا تدعهم يشعرون بأنك قد اكتشفت شيئًا."
في المساء، قرر خالد أن يذهب إلى بيت فؤاد. لم يكن لديه أي دليلٍ ماديٍ، ولكن حدسه كان يدفعه إلى هناك. كان يريد أن يرى عينيه، أن يسمع صوته، وأن يحاول أن يقرأ ما وراء كلماته.
استقبله فؤاد بابتسامةٍ واسعة، ولكن خالد شعر بأنها مصطنعة. "خالد! ما الذي أتى بك؟ هل حدث شيءٌ؟"
"فقط أردتُ أن أطمئن عليك." قال خالد، محاولًا أن يبدو طبيعيًا. "لقد كنتُ مشغولًا جدًا في الفترة الماضية، ولم أجد وقتًا لزيارتك."
"أنا بخير، الحمد لله. ولكن يبدو أنك أنت من تعاني من بعض الضغوط." قال فؤاد، وهو يرمقه بنظرةٍ ثاقبة. "ليلى... كيف حالها؟"
شعر خالد بأن قلبه ينقبض. هذه المرة، كان هو من شعر بالشك. "لماذا تسأل عن ليلى تحديدًا؟"
"فقط فضولٌ يا صديقي. هي فتاةٌ رائعة، ولديها قلبٌ طيب. أخشى أن يتأذى قلبها بسبب ظروفٍ خارجةٍ عن إرادتها."
"ظروف؟ وما هي هذه الظروف؟" سأل خالد، وبدأ يشعر بالغضب يتصاعد بداخله.
"لا أعرف التفاصيل الدقيقة. ولكن سمعتُ أن هناك بعض المشاكل المالية التي قد تؤثر على علاقتكما. وأن هناك من قد يستغل هذه المشاكل لمصالحه."
كان كلام فؤاد صدىً لكلمات السيد محمود. ولكن هذه المرة، كان فؤاد هو من يقولها. هل كان هذا اعترافًا؟ أم محاولةً لتضليلٍ جديد؟
"هل أنت متأكدٌ مما تقوله يا فؤاد؟" سأل خالد، محاولًا أن يسيطر على نبرة صوته. "هل لديك دليلٌ على ذلك؟"
ارتسمت على وجه فؤاد ابتسامةٌ غامضة. "الدليل يا خالد، في بعض الأحيان، يكون في قلب الشاهد. وفي عيون من يعاني. ولكن لمن يفهم."
شعر خالد بأن الوقت قد حان. لقد رأى في عيني فؤاد ما يكفي. رأى لمعانًا لم يكن لمعان صداقة، بل لمعان مصلحةٍ وشك. "شكرًا لك يا فؤاد على نصيحتك. ولكن يبدو أنني قد بدأت أرى الأمور بوضوحٍ أكبر."
خرج خالد من بيت فؤاد، وقلبه يغلي. لم يعد الشك مجرد بذرةٍ صغيرة، بل أصبح شجرةً متشعبةً جذورها في أعماق روحه. لقد اكتشف شيئًا، شيئًا كان يخشى اكتشافه. لقد اكتشف أن هناك من يحاول التلاعب به، وأن هناك من يسعى إلى تدمير علاقته بليلى. ولكن لماذا؟ وما هو دوره الحقيقي في كل هذا؟
في تلك الليلة، لم يكن هناك سوى ضبابٍ كثيفٍ يلفّ الحقيقة. ليلى، غارقةً في شكوكها، تبحث عن اليقين. وخالد، تائهًا في غابة الظنون، يبحث عن الجاني. وكان سرّ الماضي، وراء هذه المؤامرة، لا يزال محتجبًا، ينتظر اللحظة المناسبة ليكشف عن وجهه القبيح.