الحب الخفي 184
أشباح الماضي ووشوشات الخوف
بقلم مريم الحسن
أشعلت ليلى الشمعة، ورأت وهجها الخافت ينساب على وجهها، كأنه شفقٌ باهتٌ يعكس اضطراب روحها. جلست في غرفتها، والكتاب الذي بدأته في أول لقاءٍ لها مع خالد، ما زال مفتوحًا أمامها. لم تعد الكلمات فيه تحمل نفس السحر، نفس الرومانسية. أصبحت كل صفحةٍ تذكرها بشيءٍ، بتساؤلٍ جديدٍ يضاف إلى قائمة مخاوفها.
"لماذا لم يخبرني عن مشاكله المالية؟" همست لنفسها، وعيناها تترقرق بالدموع. "هل كان يخشى أن يتخلى عنه الجميع؟ أم كان يخفي شيئًا أكبر؟"
صورة فؤاد، بنظراته الثاقبة وابتسامته الغامضة، كانت تتجسد أمامها. هل كان يقول الحقيقة؟ هل كان يحاول إنقاذها من علاقةٍ قد تدمرها؟ ولكن لماذا كل هذه الكلمات المبطنة؟ ولماذا لم يقل شيئًا مباشرًا؟
اتصلت بخالد، ولكن هاتفه كان مغلقًا. هذا زاد من قلقها. في الأيام الماضية، كان دائمًا متاحًا، دائمًا مستجيبًا. ولكن الآن، يبدو أنه قد اختفى. هل كان يتجنبها؟ هل كان يعلم أنها قد بدأت تشك؟
في تلك اللحظة، سمعت صوت أخيها الأصغر، أحمد، وهو يطرق باب غرفتها. "ليلى؟ هل أنتِ هنا؟"
فتحت ليلى الباب، وابتسمت له بجهد. "أهلاً أحمد. ما الأمر؟"
"أمّي تطلبكِ في الصالة. إنها تريد أن تخبرنا شيئًا."
نظرت ليلى إلى أحمد، وشعرت بقبضةٍ باردةٍ في قلبها. "شيئًا مهمًا؟"
"لا أعرف. ولكنها تبدو متوترةً جدًا."
ذهبت ليلى إلى الصالة، لتجد والديها جالسين، وملامح وجهيهما تحمل مزيجًا من الجدية والأسى. ابتسمت الحاجة فاطمة ابتسامةً حزينة. "تفضلي بالجلوس يا ابنتي."
جلست ليلى، وقلبها يخفق بعنف. "ما هو الخبر؟"
بدأت الحاجة فاطمة، بصوتٍ يرتجف قليلاً: "لقد تلقيتُ اتصالاً هاتفيًا اليوم. من جهةٍ مجهولة. أخبرتني بأمرٍ لم أتخيله يومًا."
انتبه الحاج يوسف، وجلس مستقيمًا. "ماذا؟"
"قالوا لي... أن خالدًا، ابن الحاج محمود، لديه علاقةٌ بسيدةٍ أخرى. وأنهم يملكون صورًا تثبت ذلك."
صدمت ليلى. لم تستطع أن تتنفس. "سيدة أخرى؟ هذا مستحيل! هذا كذب!"
"هذه هي المشكلة يا ابنتي. لقد رفضتُ تصديقهم في البداية. ولكن الرجل أصرّ، وقال إن لديه دليلًا."
"وما هو هذا الدليل؟" سأل الحاج يوسف، بنبرةٍ تحمل تحديًا.
"قال إنه سيرسل صورًا إلينا. ولم نره حتى الآن. ولكن مجرد التفكير في الأمر... يجعلني أشعر بالغثيان."
"هذا فخٌ واضحٌ يا فاطمة." قال الحاج يوسف بحزم. "منذ متى كان خالدٌ من النوع الذي يخون؟ ومن الذي لديه مصلحةٌ في إيقاع بينكم وبينه؟"
"ولكن يا أبي..." بدأت ليلى، وعيناها تبحث عن أي بصيصٍ للأمل. "إذا كان هذا صحيحًا... إذا كانت هناك صور..."
"إذا كانت هناك صور، فهي إما مفبركة، أو تم التقاطها في ظروفٍ معينةٍ لا تعني شيئًا. لا تدعي هذا يفسد ما بينكما قبل أن تتأكدي."
في نفس الوقت، كان خالد قد وصل إلى مكتب والده. كان متوترًا، يشعر بأن الأمور تخرج عن السيطرة. تذكر المكالمة الهاتفية التي تلقاها من السيد محمود.
"يا بني، هناك من يحاول أن يغتال سمعتك، وأن يدمر علاقتك بليلى. لقد تلقيتُ اتصالًا هذا الصباح، من شخصٍ يدعي أنه يملك صورًا لك مع امرأةٍ أخرى. ويطلب مبلغًا كبيرًا من المال مقابل عدم نشرها."
"صور؟ مع امرأةٍ أخرى؟ هذا جنون!" صرخ خالد، وشعر بالغضب يعتصر قلبه. "أنا لم أفعل شيئًا كهذا! مستحيل!"
"أعلم يا بني. ولكن هذا الشخص يبدو مصممًا. ويسعى لابتزازك. وهو بالتأكيد يسعى لإلحاق الأذى بليلى."
"من هو؟"
"لا يعرف. ولكنني شككتُ في اتصاله. فطلبتُ منه بعض التفاصيل التي لا يعرفها إلا شخصٌ قريبٌ جدًا منك. وعندما فشل، قال إنه سيرسل الصور إلينا."
"هل أرسل شيئًا؟"
"لم يصلنا شيءٌ بعد. ولكننا يجب أن نكون على أهبة الاستعداد."
عاد خالد إلى منزله، وقلبه مثقلٌ بالهم. كان يشعر بأنه محاصرٌ. من جهة، شكوك ليلى بسبب كلام فؤاد. ومن جهةٍ أخرى، ابتزازٌ غامضٌ ومحاولةٌ لتدمير سمعته.
ذهب إلى غرفة ليلى. وجدها جالسةً، وحدها، وعيناها تبكي بصمت. شعر بأن قلبه ينقبض.
"ليلى؟" قال بصوتٍ خفيض.
رفعت ليلى رأسها، ورأت خالد. وكأنها رأت شبحًا. "خالد... هل أنت هنا؟"
"نعم. لقد كنتُ أحاول الاتصال بكِ. لماذا هاتفكِ مغلق؟"
"كنتُ... كنتُ متضايقةً." قالت ليلى، وعيناها لا تزال تترقرق.
"ماذا حدث؟ هل هناك شيءٌ يزعجكِ؟"
ترددت ليلى. كيف تقول له؟ كيف تشرح له شيئًا لم تفهمه هي نفسها؟ "لقد... لقد تحدثتُ مع فؤاد بالأمس. أخبرني بعض الأمور عنك... عن رحلتك... عن ديونك..."
"ماذا قال لكِ؟" سأل خالد، وشعر بأن الدماء تتجمد في عروقه.
"قال إنك تخفي عليّ الكثير. وإنك لست صادقًا معي."
"وهل صدقتِ هذا الكلام؟" سأل خالد، وبدأ يشعر باليأس.
"لا أعرف ماذا أصدق. كل شيءٍ أصبح معقدًا. وفوق كل هذا... أمي تلقت اتصالًا اليوم. قالوا إن لديهم صورًا لك مع سيدةٍ أخرى."
صمت خالد. لقد وصل الأمر إلى أمه. هذا يعني أنهم كانوا يخططون لهذه الخطوة منذ فترة. "صور؟ مع سيدةٍ أخرى؟" نظر خالد إلى ليلى، ورأى اليأس في عينيها. "ليلى، أرجوكِ. لم أفعل شيئًا كهذا. هذا كذبٌ واضحٌ."
"ولكنهم قالوا إن لديهم دليلًا."
"أعلم. لقد تلقيتُ أنا أيضًا تهديدًا اليوم. شخصٌ يطلب مني مالًا مقابل عدم نشر صورٍ مفبركةٍ لي مع امرأةٍ أخرى."
اتسعت عينا ليلى. "مفبركة؟"
"نعم. وأنا متأكدٌ من ذلك. لقد تحدثتُ مع والدي، وهو يعتقد أن هناك من يحاول استغلال علاقتنا لإلحاق الأذى بنا. وأعتقد أن فؤاد له دورٌ في كل هذا."
"فؤاد؟" تكررت ليلى، وكأنها اكتشفت سرًا دفينًا. "ما الذي يجعلك تعتقد ذلك؟"
"لقد تحدثتُ معه اليوم. كان كلامه غريبًا، ومشكوكًا فيه. وعندما سألته عن الدليل، كان يتهرب. ويبدو أنه كان يحاول زرع الشك في قلبي تجاهكِ، كما حاول زرع الشك في قلبكِ تجاهي."
"ولكن ما الهدف؟ لماذا يفعلون هذا؟"
"لا أعرف. ولكنني سأكتشف. لا تدعيهم ينجحون يا ليلى. لا تدعيهم يفسدون حبنا."
نظرت ليلى إلى خالد، ورأت في عينيه صدقًا لم تستطع إنكاره. كان مظهره متعبًا، ولكن نبرة صوته كانت تحمل تصميمًا قويًا. "ولكن كيف؟ كيف نثبت براءتنا؟"
"سنتعاون. سنجد الدليل. وسنفضح هؤلاء المجرمين."
في تلك اللحظة، دخل الحاج محمود إلى الغرفة، يحمل في يده مظروفًا. "خالد، لقد وصل هذا. أعتقد أنه قد يكون هو الدليل الذي تحدثوا عنه."
فتح خالد المظروف، وشعر بأن الدنيا تدور به. لم تكن مجرد صور، بل كانت رسائل، ورسائلٌ متبادلةٌ بين فؤاد وشخصٍ آخر، تكشف عن مؤامرةٍ كاملةٍ، عن اتفاقٍ لابتزاز خالد، ولإلحاق الأذى بسمعته وسمعة ليلى. كان كل شيءٍ واضحًا الآن. كل الكلمات المبطنة، كل النظرات الغامضة، كل الشكوك. كانت كلها جزءًا من خطةٍ شيطانيةٍ دبرها فؤاد، بمساعدة شخصٍ آخر، لتحطيم علاقتهما.
"هذا... هذا دليلٌ قويٌ جدًا." قال الحاج محمود، بنبرةٍ تحمل غضبًا دفينًا.
"نعم." قال خالد، وهو ينظر إلى ليلى. "وهذا يعني أننا سنواجههم. وسنكشف كل شيءٍ أمام الجميع."
ارتسم على وجه ليلى أثرٌ من الأمل. لم يعد الشك سيد الموقف، بل بدأت الحقيقة تشرق، ولو كانت مؤلمة. لقد أدركت أن أشباح الماضي، ووشوشات الخوف، كانت مجرد محاولاتٍ يائسةٍ من أعداءٍ لا يريدون لهما السعادة.