الفصل 8 / 25

الحب الخفي 184

نسائم الشك ورائحة الياسمين

بقلم مريم الحسن

في تلك الليلة، لم ينم أحمد إلا قليلاً. كانت كلمات والدته تدور في رأسه كدوامة لا تهدأ. "ألا تراه يا بني؟ هذه الفتاة ليست لك. هناك فرق كبير بينكما." لم يكن الفرق في النسب أو الثروة، فقد نشأ أحمد في بيت علم وتقوى، ولم يكن يضع لهذه الأمور وزناً كبيراً. لكنه كان يدرك أن والدته، ذات الخبرة العميقة في أمور الحياة، قد رأت ما لم يره هو. هل كانت هناك جوانب في شخصية ليلى، أو في ماضيها، أو في محيطها، تجعلها غير مناسبة له؟

استيقظ مع خيوط الفجر الأولى، توضأ وصلى الفجر، ثم جلس يتلو القرآن، آملاً أن يهدأ قلبه المضطرب. كانت آيات الرحمة والمغفرة تنساب إلى روحه، لكن شيئاً ما كان يعلو فوق الطمأنينة: سؤال ملح. لماذا كانت والدته بهذا القدر من الإصرار؟ لم يكن يعرف عن ليلى إلا ما رأته عيناه: الحياء، الأدب، الذكاء، الإيمان. كانت تبدو له كجوهرة مصقولة، تزداد بريقاً كلما اقترب منها.

بعد صلاة الفجر، أعد إفطاره على عجل، ثم خرج متجهاً إلى محل والد ليلى. كان يرغب في رؤيتها، في الحديث إليها، في استشفاف أي شيء قد يفسر قلق والدته. كان الطريق إلى سوق البهارات والعطور القديم أشبه برحلة عبر الزمن. رائحة الهيل والقرنفل والقرفة تملأ الأجواء، ممزوجة بعبق الزهور الطبيعية التي يفترشها الباعة. كان هذا السوق هو قلب المدينة النابض بالتاريخ، حيث يلتقي الماضي بالحاضر في مشهد حيوي.

وصل إلى محل والد ليلى، "عطور الأثير". كان المحل صغيراً ولكنه منظم بعناية فائقة. رفوف خشبية قديمة تعرض زجاجات العطور الزجاجية الملونة، وكأنها جواهر معروضة للبيع. خلف الطاولة الواسعة، كان الحاج إبراهيم، والد ليلى، يعمل بنشاط، يقطع قطع المسك ويجهزها للبيع. كان الحاج إبراهيم رجلاً هادئاً، له لحية بيضاء وابتسامة دافئة تريح القلب.

"صباح الخير يا عم إبراهيم،" قال أحمد بصوت حاول أن يجعله طبيعياً. التفت الحاج إبراهيم بابتسامته المعهودة. "يا أهلاً وسهلاً بأحمد. صباح النور والسرور. تفضل، تفضل. هل تريد شيئاً معيناً اليوم؟" "في الحقيقة، كنت أمر بالصدفة، وأردت أن أطمئن عليك وعلى الأهل."

كانت ليلى في الغرفة الخلفية، تعد العلب الخاصة بالعطور. سمعت صوت أحمد، فارتعش قلبها قليلاً. كانت تنتظره، تنتظر أي فرصة لرؤيته، لكنها لم تكن تتوقع قدومه مبكراً إلى هذا الحد. خرجت بخطوات هادئة، تضع على رأسها حجاباً بسيطاً يزين وجهها.

"صباح الخير يا أستاذ أحمد،" قالت بصوت خفيض، تنظر إليه بعينيها الواسعتين اللتين تخفيان الكثير. "صباح النور يا ليلى،" أجاب أحمد، وشعر بارتباك مفاجئ. كانت بجانب والدها، وفكرة والدته تتسلل إلى ذهنه. هل كان إعجابه بها مجرد وهم؟ هل كانت فعلاً غير مناسبة؟

"كيف حال الوالدة؟" سأل الحاج إبراهيم، موجهًا حديثه لأحمد. "بخير والحمد لله، تدعو لكم بالخير دائماً."

بدأ أحمد في الحديث مع الحاج إبراهيم عن تجارة العطور، وعن أنواع البخور الفاخرة، وعن تاريخ بعض الروائح العريقة. كان يحاول جاهداً أن يكون طبيعياً، لكن عقله كان مشغولاً بتحليل كل كلمة، كل نظرة. لاحظ أن ليلى كانت تستمع إليهم بصمت، تتبادل أحياناً نظرات خاطفة مع والدها.

"ليلى، هل جلبتِ لي تلك الزجاجة التي طلبتها؟" سأل الحاج إبراهيم. "نعم يا أبي، ها هي."

أخرجت ليلى زجاجة صغيرة ذات لون ذهبي داكن، تحمل عبقاً قوياً. قدمتها لوالدها، ثم نظرت إلى أحمد. في تلك اللحظة، بدا له أن هناك شيئاً ما في نظرتها، شيئاً يشبه الحزن الخفي. هل كانت تعرف شيئاً عن اعتراضات والدته؟ هل كان هناك ما تخفيه؟

"هذه الزجاجة فيها مزيج نادر من العنبر والعود،" قال الحاج إبراهيم. "رائحة قوية، لكنها تترك أثراً طيباً." "تبدو جميلة،" قال أحمد، ثم أضاف بنبرة خافتة، "مثل صاحبها." احمر وجه ليلى قليلاً، لكنها سرعان ما استعادت رباطة جأشها. "هذه الروائح يا أستاذ أحمد، تحتاج إلى ذوق رفيع لتقديرها،" قالت بصوت ناعم.

عاد التفكير إلى أحمد. هل كانت تقصد بعمق كلامها؟ هل كانت تشير إلى أنه لا يمتلك الذوق الكافي لفهمها، أو لفهم شخصيتها المعقدة؟ أم كانت مجرد عبارة لطيفة؟

"نحن نحتاج إلى ذوق رفيع في كل شيء، يا ليلى. في اختيار العطور، وفي اختيار الصحبة، وفي اختيار شريك الحياة،" قال أحمد، وهو يراقب رد فعلها. نظرت إليه ليلى بدهشة للحظة، ثم غضت بصرها. "بالتأكيد يا أستاذ أحمد."

كانت هناك مساحة من الصمت. الحاج إبراهيم، الذي كان منهمكاً في ترتيب بعض العلب، لاحظ شيئاً من التوتر في الأجواء. "أحمد، يبدو أنك مهتم بعالم العطور. هل فكرت في توسيع عملك ليشمل بعض المنتجات الفاخرة؟" سأل الحاج إبراهيم، محاولاً تخفيف الجو. "أفكر في الأمر، ولكنني أتردد. فالسوق يتغير باستمرار، والمنافسة شديدة."

"لكن مع الإتقان والإخلاص، يمكن لأي تجارة أن تزدهر،" قالت ليلى، تتحدث لأول مرة بعد صمتها. "والوالد هنا، لديه خبرة واسعة." "شكراً لك يا ليلى،" قال الحاج إبراهيم بابتسامة. "خبرتي هذه، أصبحت الآن متوارثة." وأشار إلى ابنته.

شعر أحمد بحرارة في قلبه. الخبرة المتوارثة. هل كانت تشير إلى أنها قد تكون وريثة مهنته، وشريكته في الحياة؟ كانت كلمات ليلى دائماً تحمل طبقات متعددة من المعاني.

"هذا جميل جداً،" قال أحمد، متوجهاً بكلامه لليلى. "أن تحمل ابنة والدها إرثه. هذا يدل على وفاء وحب كبير." كان يود أن يرى ابتسامة واضحة على وجهها، لكنها بقيت هادئة. "الوفاء واجب، يا أستاذ أحمد. والحب يأتي لمن يستحق."

كانت كلمتها الأخيرة أشبه بسهم اخترق صمت قلبه. لمن يستحق. هل كان هو ممن يستحق؟ أم كانت هناك معايير لا يعلمها؟

"أتمنى أن أكون من الذين يستحقون،" قال أحمد بصوت يكاد يكون مسموعاً. "الوقت كفيل بكشف المعدن الأصيل،" أجابت ليلى، وهي تنظر إلى نافذة المحل، وكأنها تبحث عن إجابة في الخارج.

خرج أحمد من محل الحاج إبراهيم وقلبه مثقل. كان يشعر بأن الأمور أصبحت أكثر تعقيداً. كلام والدته، ونظرات ليلى، وكلماتها الغامضة. لم يعد متأكداً من أي شيء. كلما ظن أنه فهم الأمور، وجد طبقة جديدة من الغموض. هل كان حبه لليلى مجرد انبهار سطحي، أم كان عميقاً بما يكفي ليواجه به عواصف الشك؟ رائحة الياسمين التي كانت تفوح من محل والدها، والتي كانت تذكره بليلى، أصبحت ممزوجة الآن بنسائم قلقة من الشك.

"إن كان خيراً، فيسره يا رب،" تمتم أحمد وهو يمشي في الطريق، متجاوزاً سوق البهارات الصاخب. لكن صدى كلمات ليلى ظل يلاحقه: "لمن يستحق."

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%