حب في زمن الحرب 185
همسات الليل وسرٌ دفين
بقلم فاطمة النجار
كان الليل قد أرخى سدوله على مدينة "الزاهرة" الوادعة، وقد تخللت أصداء الأذان الساكنة هدير الريح الذي يحمل معه عبير الياسمين وزهور البرتقال. في منزل السيد "سالم"، كان نور المصباح الخافت ينساب من شرفة غرفة "ليلى"، راسماً ظلالاً راقصة على جدرانها المزينة بالنقوش الإسلامية الأصيلة. كانت ليلى، بفستانها القطني البسيط الذي يفوح منه عطر الزهور، تجلس إلى مكتبها الخشبي القديم، وقلبها يعتصر ألمًا ممزوجًا بشوقٍ دفين.
لم تهدأ روحها منذ لقائها الأخير مع "بدر". كانت كلماته، تلك التي تفيض بالصدق والنقاء، ترن في أذنيها كأعذب الألحان. لقد أزاحت عن قلبها غيومًا من الشك والقلق، ورسمت في مخيلتها صورة رجلٍ جديرٍ بالثقة، رجلٌ تشرق في عينيه معاني الرجولة والشهامة. لكن، كيف السبيل إلى تحقيق حلمٍ تتلاقى فيه الأرواح قبل الأجساد، في ظل الظروف القاسية التي تعيشها المنطقة؟
تنهدت ليلى بعمق، وهي تضع يدها على صدرها، وتشعر بضربات قلبها المتسارعة. كانت تتذكر تلك النظرات التي تبادلتها مع بدر، نظراتٌ فهمتها دون أن تنطق بها شفاه. كانت نظراتٌ تحمل وعودًا بمستقبلٍ مشرق، مستقبلٍ تنبت فيه بذور الحب في أرضٍ صالحة. لكن، ما يقلقها حقًا هو "الشيخ عثمان"، الذي لا يزال يفرض وجوده المتسلط على حياة والدها، وعلى مصيرها.
كان الشيخ عثمان، الرجل ذو الوجنتين المحمرتين والعينين الضيقتين، يمثل العقبة الكأداء أمام أي فرصةٍ للسعادة. لقد رأى في ليلى مجرد وسيلةٍ لتعزيز نفوذه الاجتماعي والاقتصادي، ولم يرَ فيها إنسانةً لها أحلامها وآمالها. كانت خطبته لها، رغم رفضها الصامت، قد شكلت عبئًا ثقيلاً عليها، عبئًا كانت تخشى أن يختنق به حلمها ببدر.
في زاوية الغرفة، كانت "أمينة" تعمل بصمت. كانت أمينة، خادمة العائلة المخلصة، شمعةً تحترق لتضيء حياة الآخرين. وقد لاحظت اضطراب ليلى، وحاولت أن تبث في نفسها الطمأنينة. جلست بجانبها، ووضعت يدها الحانية على كتفها.
"ماذا بك يا ابنتي؟" سألت أمينة بصوتٍ حنون، "أراكِ شاردة الذهن منذ مساء أمس. هل هناك ما يقلقك؟"
نظرت ليلى إلى أمينة، وابتسمت ابتسامةً باهتة. "لا شيء يا أمينة، مجرد بعض الأفكار التي تدور في رأسي."
"الأفكار تدور، ولكن أثرها يظهر على محياكِ،" قالت أمينة بحكمة، "أنا أعرفكِ جيدًا يا ليلى. منذ أن كنتِ طفلةً صغيرة، كنتِ كزهرةٍ تتفتح في بستانٍ. ما الذي جعل زهرتكِ تذبل هكذا؟"
ترددت ليلى قليلًا، ثم انفتحت لها أبواب الكلام، وكأنها كانت تنتظر من يفتح لها الباب. "يا أمينة، قلبي معلقٌ بـ... بـ رجلٍ لا أجرؤ على البوح باسمه. رجلٌ رأى فيّ ما لم يره الآخرون. ولكنه... ولكنه بعيدٌ عني، كما أن السماء بعيدةٌ عن الأرض."
"الحب يا بنيتي، له طرقه العجيبة،" قالت أمينة، وهي تبتسم ابتسامةً مليئة بالخبرة. "وقد سلكتِ طريقًا صحيحًا. الحب الحلال، يبدأ بالنية الصادقة، ثم بالدعاء، ثم بالسعي نحو تحقيق ما يرضي الله ورسوله. ولكن، هل حاولتِ أن تخبري والدكِ عن مشاعركِ؟"
تنفست ليلى بعمق. "والدي... يا أمينة، هو أسيرٌ لـ... لـ الشيخ عثمان. لقد وعده الشيخ بالكثير، ووعده بتحسين وضعه المالي. وأنا لا أريد أن أكون سببًا في خسارة والدي لفرصته."
"لكن سعادتكِ يا ابنتي، هي أعظم فرصةٍ لوالدكِ،" ردت أمينة بهدوء. "لا تدعي أحدًا يفسد سعادتكِ. والشيخ عثمان هذا... يبدو أنه يمتلك أساليب ملتوية. هل سمعتِ عن الصفقة التي عقدها مع تجار السلاح مؤخرًا؟"
ارتعش جسد ليلى. "تجار السلاح؟" سألت بصوتٍ خفيض، "ما علاقة الشيخ عثمان بتجار السلاح؟"
"الهمسات كثيرة يا ابنتي،" قالت أمينة، وهي تخفض صوتها، "يقال إن الشيخ عثمان ليس مجرد تاجرٍ بسيط. يقال إنه يمتلك علاقاتٍ مشبوهة. وهو يسعى لاستغلال الحرب الدائرة لزيادة ثروته، حتى لو كان ذلك على حساب دماء الأبرياء. وهو يخشى أن يتزوجكِ رجلٌ فقيرٌ أو رجلٌ لديه مبادئ، فقد يؤثر ذلك على صفقاته."
شعرت ليلى ببرودةٍ تسري في عروقها. لقد كانت تتوقع أن يكون الشيخ عثمان رجلًا أنانيًا، ولكنه لم يخطر ببالها أبدًا أنه قد يكون متورطًا في أمورٍ بهذا القدر من السوء. كان هذا يغير كل شيء. لم يعد الأمر يتعلق بمجرد زواجٍ لا تريده، بل أصبح يتعلق بأمرٍ قد يهدد حياة الكثيرين.
"يا أمينة، هل أنتِ متأكدة مما تقولين؟" سألت ليلى، وعيناها تبحثان في وجه أمينة عن أي بادرة شك.
"قلبي لا يطمئن لهذا الرجل يا ابنتي،" قالت أمينة بإصرار، "وقد سمعتُ ما يكفي من الهمسات لأخشى عليكِ. ولكن، ما العمل؟"
كانت ليلى تنظر إلى الخارج، إلى الظلام الذي يلف المدينة. كانت تشعر بثقلٍ أكبر على قلبها. لم تعد قادرةً على تحمل هذا العبء وحدها. تذكرت حديثها مع بدر، وتلك الثقة التي بثها فيها. ربما كان هو السبيل الوحيد.
"بدر..." همست ليلى باسمه، وكأنها تستحضر قوته. "ربما... ربما يجب أن أخبر بدر بكل شيء. هو رجلٌ طيب، ورجلٌ يمتلك الشجاعة. ربما يستطيع أن يساعد."
"مساعدته قد تعرضه للخطر يا ابنتي،" قالت أمينة بقلق، "وهو رجلٌ قد لا يعرف كل خيوط هذه اللعبة المعقدة."
"لكنه رجلٌ يحبني، وأنا أحبه،" قالت ليلى بعزم، "ولن أسمح لأحدٍ بأن يدمر سعادتي، وأن يستغل الفوضى لتحقيق أغراضه الشريرة. سأتحدث مع بدر، وأخبره بكل شيء. وسنرى كيف نستطيع أن نواجه هذا الظلام معًا."
صمتت أمينة، وهي ترى في عيني ليلى شرارةً من الإصرار والقوة. لقد بدأت رحلة ليلى الحقيقية، رحلةٌ ستتطلب منها الكثير من الشجاعة والحكمة، رحلةٌ ستجمع بين الحب النقي والسعي نحو العدل.
في تلك اللحظة، تلألأت نجمةٌ في سماء "الزاهرة" الداكنة، وكأنها تحمل معها وعدًا ببدايةٍ جديدة. بدأت ليلى تكتب رسالةً إلى بدر، رسالةٌ تحمل في طياتها أسرارًا وخوفًا وأملًا، رسالةٌ ستكون بدايةً لمواجهةٍ قد تغير مصائر كثيرة.