حب في زمن الحرب 185
مواجهةٌ في سوق الظلال
بقلم فاطمة النجار
تسللت خيوط الفجر الأولى، حاملةً معها وعدًا بنهارٍ جديد، وربما ببدايةٍ جديدة. كانت "ليلى" قد أمضت ليلةً مضطربة، لم يغفل لها جفن، قلبها يشتعل بشعلةٍ من القلق والأمل، وعيناها زائغتان في ترحالٍ لا ينتهي. لم تستطع البوح بكل ما في قلبها لوالدها، فقد كان ضعيفًا أمام جبروت "الشيخ عثمان"، الذي نسج حوله شبكةً من الوعود والديون. لكن، لقاءها السري مع "بدر" في الغد، كان بمثابة طوق نجاةٍ في بحرٍ من الهموم.
قررت ليلى أن تقابل بدر في "سوق الظلال"، السوق القديم الذي كان يشتهر بهروبه من أعين المتطفلين، وبأزقته المتعرجة التي تخفي أسرارًا لا يعلمها إلا قلة. لطالما كان هذا السوق مكانًا يلتقي فيه العشاق سرًا، ويتناقلون فيه همساتهم المحرمة. لكن، ليلى وبدر، لم يكونا ممن يسلكون دروبًا محرمة. كان لقاؤهما هذا، يحمل في طياته ضرورةً لا مفر منها، ضرورةً تتجاوز رغباتهما الشخصية.
أعدت ليلى نفسها بصمت، واختارت ثوبًا فضفاضًا بلون السماء، زينته بحزامٍ عريضٍ من القماش الأسود. ربطت شعرها الطويل على هيئة ذيل حصانٍ أنيق، وتركت وجهها طبيعيًا، دون مساحيق، ليظهر بهاؤه الطبيعي. وضعت على كتفها حقيبةً قماشيةً صغيرة، تحتوي على ورقةٍ وقلبٍ مثقلٍ بالهموم.
كان بدر ينتظرها، يقف خلف أحد أعمدة السوق القديم، عينيه تبحثان عن وجهها بين الوجوه الغريبة. كان يرتدي ملابس بسيطة، قميصًا أبيض اللون وسروالًا داكنًا، وقد أضفى عليه هدوءه وثقته سحرًا خاصًا. رآها تقترب، فابتسم ابتسامةً خفيفة، لكنها تحمل دفئًا لا يضاهى.
"ليلى،" قال بدر بصوتٍ هادئ، حين اقتربت منه، "لقد انتظرتك. هل أنتِ بخير؟"
"بدر،" قالت ليلى، وقد أحست بالراحة لمجرد رؤيته، "أنا... أنا بخير. ولكن، لدي أمرٌ جللٌ أريد أن أحدثك فيه."
"ما هو؟" سأل بدر، وقد لاحظ القلق في صوتها. "هل حدث شيءٌ لوالدك؟"
"لا، والدي بخير،" قالت ليلى، ثم أخذت نفسًا عميقًا، "الأمر يتعلق بالشيخ عثمان، وبشيءٍ خطيرٍ جدًا."
جلسا على حافة نافورةٍ قديمةٍ، جفت مياهها منذ زمن، لكن نقوشها الحجرية كانت تحكي قصصًا منسية. بدأت ليلى في سرد ما سمعته من أمينة، عن علاقة الشيخ عثمان بتجار السلاح، وعن استغلاله للحرب. كان بدر يستمع إليها بانتباه، وعيناه تتسع كلما تعمقت ليلى في سرد التفاصيل.
"تجار السلاح؟" كرر بدر، وقد ظهرت على وجهه علامات الاستنكار، "هذا أمرٌ لا يصدق. هل أنتِ متأكدةٌ مما تقولين يا ليلى؟"
"أمينة، خادمة والدتي، هي من أخبرتني،" قالت ليلى، "وهي امرأةٌ لا تكذب. لقد سمعت همساتٍ كثيرة في السوق، عن تورط الشيخ عثمان في صفقاتٍ مشبوهة. ويبدو أنه يسعى لزيادة ثروته، حتى لو كان ذلك على حساب أرواح الناس."
"الظروف الحالية، تجعل مثل هذه الأمور ممكنة،" قال بدر، وهو ينظر إلى السماء، وكأنما يبحث عن تفسيرٍ لهذا الفساد. "ولكن، ما الذي يمكننا فعله؟ إن مواجهة رجلٍ مثل الشيخ عثمان، يتطلب شجاعةً وقوةً لا نمتلكهما بمفردنا."
"لكنك أنتَ، يا بدر، تمتلك الشجاعة،" قالت ليلى، وعيناها تبرقان بالأمل. "وقد أخبرتني أنك تعرف بعض الرجال الذين يمتلكون مبادئ، والذين لا يخشون قول الحق. ربما... ربما إذا جمعنا الأدلة، وواجهناهم بها، نستطيع أن نوقف هذا الرجل."
"الأدلة،" كرر بدر، متسائلًا، "ما هي الأدلة التي نمتلكها؟ مجرد همساتٍ لا تكفي."
"لقد أحضرت معك بعض الأوراق،" قالت ليلى، وأشارت إلى الحقيبة الصغيرة التي تحملها. "لم أستطع تفحصها جيدًا، ولكنني وجدت فيها بعض الإيصالات، وبعض الرسائل التي تبدو مشفرة."
فتح بدر الحقيبة، وأخرج منها حزمةً من الأوراق. تصفحها بتركيز، وعقد حاجبيه. كانت بعض الأوراق تحتوي على أسماءٍ لا يعرفها، وبعضها الآخر كان مكتوبًا بلغةٍ غريبة. ولكن، كانت هناك إيصالاتٌ تحمل توقيع الشيخ عثمان، ومبالغ ماليةٌ ضخمة.
"هذه الأوراق... لا تعني شيئًا بمفردها،" قال بدر، وهو يعيد الأوراق إلى الحقيبة. "نحن بحاجة إلى دليلٍ قاطع، دليلٍ لا يدع مجالًا للشك."
"ولكن، كيف نحصل عليه؟" سألت ليلى، وقد بدأ الأمل يتضاءل في قلبها. "الشيخ عثمان رجلٌ حذرٌ جدًا، ولا يكشف عن أسراره بسهولة."
"هناك طريقة،" قال بدر، وقد لمعت عيناه بفكرةٍ جديدة. "لقد سمعت أن الشيخ عثمان سيستقبل وفدًا من التجار الكبار بعد غدٍ، لمناقشة صفقةٍ جديدة. سأحاول أن أتواجد هناك، وأرى ما إذا كان بإمكاني الحصول على بعض المعلومات."
"لكنك ستكون في خطر،" قالت ليلى بقلق. "الشيخ عثمان لا يحب المتطفلين."
"لا تقلقي عليّ،" قال بدر، ووضع يده بلطفٍ على يدها. "لقد تعودت على المخاطر. وما سنفعله، هو من أجل تحقيق العدل، ومن أجل حماية الأبرياء. أما أنتِ، فابتعدي عن الأنظار، ولا تذكري أي شيءٍ لأحد. إلى أن أتأكد من خطورة الأمر، لا أريد أن أعرّضكِ للخطر."
"ولكن، بدر..." بدأت ليلى، لكنه قاطعها.
"لا تقلقي،" قال بدر، "سنكون على اتصال. وثقي بي، يا ليلى. سأفعل كل ما بوسعي."
ابتسمت ليلى، ابتسامةً ضعيفة، لكنها كانت مليئة بالثقة. لقد رأت في عينيه إصرارًا وشجاعةً، ما جعلها تشعر بأن هناك أملًا.
"سأثق بك، يا بدر،" قالت ليلى. "ولكن، كن حذرًا."
"سأكون،" وعدها بدر.
وقفا، وقد بدأت الشمس تشرق بقوة، تلقي بضوئها على وجوههما، ترسم مستقبلاً غامضًا، تتداخل فيه خيوط الحب والخطر، الأمل واليأس. كان سوق الظلال، الذي شهد لقاءهما، قد بدأ يمتلئ بالناس، لكنهما كانا يعلمان أن هناك ظلالًا أعمق، وظلالًا أخطر، تنتظرهم.