حب في زمن الحرب 185
خيوطٌ تتشابك ونذيرٌ بالخطر
بقلم فاطمة النجار
تجسدت مخاوف "ليلى" في واقعٍ ملموس. كان اختفاء "بدر" قد ألقى بظلالٍ قاتمةٍ على حياتها، وزاد من حدة قلقها. لم يصلها منه أي خبرٍ منذ لقائهما الأخير في "سوق الظلال". وفي كل مرةٍ كانت تتذكر وجهه، كانت تتذكر وعده لها بحمايتها، وبمحاربة الظلم. لكن، كيف يمكنها أن تحميه، وهي لا تعلم أين هو، وماذا يفعل؟
في منزل "الشيخ عثمان"، ساد جوٌ من التوتر والغضب. كان الشيخ يدرك أن هناك من تسلل إلى مكتبه، وأن أسراره بدأت تتسرب. وقد أمر رجاله بتكثيف البحث عن المتسلل، وبوضع حدٍّ لأي محاولةٍ لكشف خططه. كان الشيخ عثمان، رجلًا لا يرحم، ولا يتوانى عن فعل أي شيءٍ لتحقيق أهدافه.
أما "بدر"، فقد كان في مهمةٍ خطيرةٍ للغاية. بعد أن استطاع الحصول على الأدلة من مكتب الشيخ عثمان، كان يتجه للقاء القاضي "علي"، رجل القانون النزيه الذي يمتلك الشجاعة اللازمة لمواجهة الفساد. كان الطريق إلى القاضي علي، محفوفًا بالمخاطر، فأنصار الشيخ عثمان منتشرون في كل مكان، ولا يترددون في استخدام القوة لفرض نفوذهم.
كان بدر قد استطاع أن يتواصل مع القاضي علي عبر رسائل مشفرة، واتفقا على موعدٍ للقاء في مكانٍ آمنٍ بعيدٍ عن أعين المتطفلين. كان بدر يعلم أن هذه الرسائل، قد تكشف أمره، ولكن لم يكن أمامه خيارٌ آخر.
في منزل السيد "سالم"، كانت "أمينة" تحاول أن تخفف عن ليلى، لكن قلقها كان يزداد يومًا بعد يوم. "يا ليلى،" قالت أمينة، "لم يعد بإمكاني تحمل رؤيتكِ هكذا. يجب أن نتحرك. ربما يجب أن نحاول التواصل مع والدكِ، ونكشف له كل شيء."
"ولكن، كيف؟" قالت ليلى، وقد بدت يائسة. "والدي لا يرى إلا ما يريده الشيخ عثمان. لقد سيطر على عقله بالوعود والأموال."
"ربما، ولكن، لقد رأيتُ في عينيه بارقةً من الشك،" قالت أمينة. "عندما تحدث عن الصفقة الجديدة، بدا وكأنه متردد. ربما، إذا قدمنا له دليلاً ملموسًا، يستطيع أن يرى الحقيقة."
أخذت ليلى الورقة التي احتفظت بها، ورسالةٌ غريبةٌ لم تستطع فك رموزها. "هذه الرسالة،" قالت ليلى، "لا أعرف معناها، ولكنها تبدو مهمة. وربما... ربما لو رأها والدي، قد يستطيع أن يفهم شيئًا."
في تلك الأثناء، كان الشيخ عثمان قد بدأ يشعر بأن الأمور تخرج عن السيطرة. فقد علم أن هناك تقارير قد وصلت إلى بعض الجهات العليا، عن وجود صفقةٍ مشبوهةٍ تتعلق بتهريب الأسلحة. كان يعلم أن هناك خطرًا كبيرًا يتهدد خططه.
"يجب أن أتحرك بسرعة،" قال الشيخ عثمان لرجاله المخلصين. "يجب أن أؤمن الشحنة، وأن أقضي على أي شخصٍ يحاول الوقوف في طريقي."
كانت "الزاهرة" تستعد لليلةٍ هادئة، لكن خلف ستار هذه الهدوء، كانت الأقدار تنسج خيوط مواجهةٍ حتمية. في مخبئه، كان بدر يراقب حركة رجالات الشيخ عثمان، وقد علم أنهم يخططون لعمليةٍ ما. كان يشعر بأن الوقت ينفد، وأن المواجهة قادمةٌ لا محالة.
قرر بدر أن يلتقي بالقاضي علي في وقتٍ أبكر من الموعد المحدد. لقد شعر بأن الخطر يزداد، وأنه يجب عليه تسليم الأدلة بأسرع وقتٍ ممكن. اتجه بدر إلى المكان المتفق عليه، وهو عبارة عن مخزنٍ مهجورٍ في أطراف المدينة.
وبينما كان بدر يسير في الظلام، شعر بأن هناك من يراقبه. لم يلتفت، بل زاد من سرعته، وقلبه يدق بعنف. لقد كان يعلم أن حياته في خطر.
وصل بدر إلى المخزن، ووجد القاضي علي ينتظره، وقد أحاط به بعض رجاله الأوفياء. "تأخرت يا بني،" قال القاضي علي، وقد بدا القلق على وجهه. "لقد كنت قلقًا عليك."
"لقد واجهت بعض الصعوبات،" قال بدر، وهو يسلم القاضي علي حقيبة الأدلة. "هذه هي الأدلة التي طلبتها. إنها تكشف كل شيء."
بدأ القاضي علي يتفحص الأدلة، وقد اتسعت عيناه من المفاجأة. "هذا... هذا شيءٌ مروع،" قال، "لم أكن أتوقع أن يصل الفساد إلى هذا الحد."
"لقد علمت أن الشيخ عثمان يخطط لتسلم شحنةٍ ضخمةٍ من الأسلحة الليلة،" قال بدر، "يجب علينا أن نوقفهم بأي ثمن."
"سنتحرك فورًا،" قال القاضي علي، وقد عاد إلى طبيعته الهادئة والمتزنة. "ولكن، يجب أن نكون حذرين. هؤلاء الرجال لا يترددون في استخدام العنف."
في تلك اللحظة، سمعا صوت سياراتٍ تقترب. لقد تم كشف مكانهما. "لقد تعرضنا للخيانة،" قال القاضي علي، وقد سحب مسدسه.
"يجب أن نهرب،" قال بدر، وقد سحب سكينًا كان يحمله. "لا نستطيع أن نواجههم جميعًا."
بدأت المعركة، وتبادلت الطلقات النارية في الظلام. كان بدر والقاضي علي ورجاله يقاتلون بشجاعة، لكن عدد المهاجمين كان كبيرًا.
في منزل السيد سالم، كانت ليلى قد قررت أن تتصرف. لقد أمسكت بتلك الرسالة الغريبة، وذهبت إلى والدها، الذي كان يجلس في مكتبه، يتصفح بعض الأوراق.
"يا أبي،" قالت ليلى، وقد ارتجف صوتها قليلًا. "أريد أن أريك شيئًا."
نظر والدها إليها، وقد بدا عليه الاستغراب. "ماذا بكِ يا ابنتي؟"
"هذه الرسالة،" قالت ليلى، وهي تضع الرسالة أمام عينيه. "هل تعرف معناها؟"
نظر والدها إلى الرسالة، وقد ارتسمت على وجهه علامات الدهشة، ثم الغضب. "هذه... هذه لغةٌ مشفرةٌ يستخدمها الشيخ عثمان في صفقاته السرية. لقد رأيتها من قبل."
"وماذا تعني؟" سألت ليلى، وقد بدأت تشعر بأن قلبها يخفق بسرعة.
"تعني... تعني أن الشحنة التي تحدث عنها قد وصلت، وأنها في مكانٍ بعيدٍ عن المدينة، وأنه سيتم توزيعها على مجموعاتٍ مسلحةٍ غدًا."
شعر والد ليلى بالصدمة. لقد أدرك حجم المؤامرة، وحجم الخيانة. لقد أدرك أنه كان شريكًا في جريمةٍ لم يكن يعلم تفاصيلها.
"يا ليلى،" قال والدها، وقد بدت على وجهه الندم. "لقد خدعني هذا الرجل. لقد خدعني وجعلني أشارك في شيءٍ لا يرضي الله."
"يجب أن نتحرك، يا أبي،" قالت ليلى بعزم. "يجب أن نكشف كل شيء."
كانت ليلةً مليئةً بالأحداث، ليلةً بدأت فيها العاصفة بالهبوب، ووضعت الجميع أمام نقطة اللا عودة.