حب في زمن الحرب 185

سحابة صيف عابرة

بقلم فاطمة النجار

كانت رائحة الياسمين تملأ الأجواء، مزيجًا شذيًا يتسلل عبر نوافذ القصر العتيق، يمتزج مع عبق البخور المعتاد الذي تفوح به أرجاء المكان. جلست ليلى في شرفتها المطلة على الحديقة الغناء، وقد اضطربت روحها أكثر مما اضطربت أوراق الشجر تحت وطأة نسيم عليل. لم تكن تلك السحابة التي تغطي قرص الشمس وقتًا قصيرًا، بل كانت سحابة من الهموم والأحداث التي أظلمت عالمها، وألقت بظلال من الشك على كل ما اعتقدت أنه يقين.

لقد مرت أيام عصيبة منذ ذلك اللقاء المباغت في سوق المدينة القديمة. لقاء أضاء في قلبها شعلة لم تكن تتوقعها، ثم أخمدتها رياح الحقائق المرة. عبد الرحمن. ذلك الاسم الذي أصبح يدور في فلك تفكيرها، محاطًا بهالة من الغموض والرغبة. لكن تلك الرغبة كانت تتعارض مع ما تعلمته، مع ما تربت عليه. الحلال والحرام، القريب والبعيد، العلاقات الشرعية والافتتان المحرم.

كانت والدتها، السيدة فاطمة، دائمًا ما تحذرها من عواقب التسرع، ومن الانجراف وراء المشاعر الهوجاء. "القلب يا ليلى، ليس ساحة للعب"، كانت تقول لها بصرامة ممزوجة بحنان أمومي. "بل هو أمانة، يجب أن تصان، وأن تُعطى لمن يستحقها عن طريق بابها الشرعي".

وها هي اليوم، تجد نفسها في مفترق طرق قاسٍ. رسالة عبد الرحمن التي وصلتها خلسة، لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل كانت نبضًا لقلب كان يعتقد أنه ينبض بالحلال، ليكتشف أنه كان يهذي بكلمات لم تكن له. "أحببتك قبل أن أعرفك"، كتب. "ولكن حبي لكِ، لم يكن حبًا عابرًا، بل هو حبٌ استقر في أعماقي منذ زمن بعيد، قبل أن تدرك عيناي رؤيتك".

كانت هذه الجملة كافية لتقلب كيانها. كيف؟ متى؟ ومن أي جهة؟ كان السؤال الأكبر الذي يرتعش في صدرها. وهل كان مجرد افتتان زائف، أم أن هناك سرًا دفينًا يربطهما رباطًا لا تدركه هي؟

صوت خادمات القصر المتفرقات في أرجاء المكان، وهم يتبادلن الأحاديث بصوت خفيض، زاد من توترها. لم تكن مجرد حياتها هي التي تدور في هذا القصر، بل كانت حياة أسرة كاملة، لها تاريخها وسمعتها. سمعت همهمة صوت عمها، السيد سليمان، وهو يتحدث مع أحد كبار التجار في المدينة. كانت كلماته تحمل نبرة قلقة، حديث عن صفقات مشبوهة، وعن أسماء لم تسمع بها من قبل، أسماء أثارت في قلبها قشعريرة باردة.

"إنهم يضغطون يا سليمان"، قال الصوت الخافت. "والوقت ليس في صالحنا. يجب أن نجد حلًا سريعًا".

"أعلم يا فهد"، أجاب عمها بصوت متعب. "ولكن كيف؟ الديون تتراكم، والسمعة أمانة".

نظرت ليلى إلى يديها المرتعشتين. هل كان ما تسمعه مرتبطًا بما تشعر به؟ هل كانت تلك السحابة التي تغطي سماء حياتها، أعمق وأكثر تشابكًا مما تتخيل؟

تذكرت وجه والدها الراحل، الرجل الصالح، الذي كان دائمًا ما يتحدث عن الأمانة والنزاهة. هل كان سيحب ما تراه يحدث؟ هل كان سيرضى عن تلك المعاملات التي ربما تكون مشبوهة؟

لمحت في زاوية الحديقة، ظلًا يتحرك. ظلت تتحرك، تتبع حركة الظل بعينيها. ثم برز وجه. وجه والدة عبد الرحمن، السيدة زكية. كيف وصلت إلى هنا؟ وهل جاءت للقائها؟

نهضت ليلى وهي تشعر بدقات قلبها تتسارع. هل جاءت لتقول شيئًا؟ أم لتطلب شيئًا؟

اقتربت السيدة زكية ببطء، وعلى وجهها ابتسامة باهتة. "ليلى يا ابنتي"، قالت بصوت هادئ. "هل لي أن أتحدث معكِ قليلًا؟"

جلست ليلى بجانبها على المقعد الخشبي تحت شجرة التين المثمرة. "تفضلي يا خالتي".

"أعلم أن الأمر قد يبدو غريبًا"، بدأت السيدة زكية، وعيناها تلمعان ببعض الحزن. "ولكن هناك أمور تحدث، أمور تتعلق بعبد الرحمن، وبمستقبلنا جميعًا. أنتِ تعلمين أنني فقدت زوجي منذ سنوات، وأن مسؤولية إعالة ابني، وحمايته، تقع على عاتقي وحدي".

توقفت للحظة، ثم استأنفت: "عبد الرحمن شاب طيب، ولكنه حساس. لقد تأثر كثيرًا بما حدث بيننا. وها هو الآن، في وضع صعب، يحتاج إلى من يقف بجانبه. وأنتِ، يا ليلى، كنتِ دائمًا في قلبه. لقد تحدث عنكِ كثيرًا، ولكن ظروفنا لم تسمح لنا بالتقرب من عائلتكِ بالطريقة اللائقة".

كانت كلمات السيدة زكية تحمل ثقلًا كبيرًا، لكنها لم تجب عن أسئلة ليلى الملحة. "ولكن يا خالتي، لم أفهم ما هو الأمر الصعب الذي تتحدثين عنه؟ وما الذي يربطني به؟"

نظرت السيدة زكية إلى عيني ليلى مباشرة، وقالت بجدية: "عبد الرحمن... هو ابن عمكِ. ابن عم والدكِ، الذي لم تتمكني من رؤيته. والدكِ تركنا في ظروف صعبة، وكان هناك دين كبير تركه. هذا الدين، هو ما يجعلنا في وضع لا نحسد عليه. والآن، هناك من يستغل هذا الوضع لمحاولة الاستيلاء على كل ما نملك. وللأسف، فإن الخلاص الوحيد، هو أن يتم زواجكِ من عبد الرحمن. بهذه الطريقة، يمكننا أن نوحد جهودنا، ونواجه الخطر معًا".

تجمدت ليلى في مكانها. عبد الرحمن؟ ابن عمها؟ والدها؟ ديون؟ زواج؟ كل كلمة كانت كالصاعقة، تضرب في صميم وجودها. لم تتخيل أبدًا أن تكون هذه هي الحقيقة. وأن يكون هذا هو الرباط الذي يجمعها بمن بدأ قلبها يميل إليه. لم يكن مجرد إعجاب، بل كان قدرًا! قدرًا معقدًا، موشومًا بالواجب، وبالخطر.

"زواج؟" تمتمت ليلى بصوت متقطع. "ولكن... كيف؟ ومتى؟"

"الوقت ضيق يا ابنتي"، قالت السيدة زكية. "وهناك من يريد أن يفرق بيننا. يجب أن يكون الزواج قريبًا جدًا. قبل أن تتفاقم الأمور. وأنا آتية إليكِ اليوم، لأطلب يدكِ من عمكِ. وأنا واثقة أنكِ، بقلبكِ الطيب، ستفهمين الوضع، وستساعديننا في تجاوز هذه الأزمة".

نظرت ليلى إلى الحديقة، إلى الياسمين الذي كان ينشر عبيره الشذي. هل كان هذا العبير، يغطي على رائحة الخطر؟ هل كانت هذه الورود الجميلة، تخفي أشواكًا لا تراها؟ لم يعد هناك مجال للشك، ولا للتردد. كانت على وشك الدخول في عالم جديد، عالم لا تعرفه، عالم يجمع بين الحب، والواجب، والخطر. وسحابة الصيف العابرة، لم تكن عابرة كما ظنت، بل كانت بداية عاصفة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%