حب في زمن الحرب 185

صدى الذكريات في سوق النخاسين

بقلم فاطمة النجار

كانت الشمس ترسل خيوطها الذهبية على أسطح البيوت المتناثرة في حي "الكرادة"، لكن أشعتها لم تعد تجلب دفء الأيام الخوالي، بل كانت تضفي على المشهد لمسةً من قسوة الواقع. لم يعد صوت بائعي الخضروات وفواكه الموسم يصدح في الأزقة، ولم يعد عبق القهوة العربية يملأ صباحات الناس. في زمن الحرب، أصبحت الأصوات خافتة، والروائح مختلطةً برائحة الخوف.

انتهت "ليلى" من قراءة الرسالة للمرة الألف. كل كلمةٍ فيها كانت كشعلةٍ تضيء بصيصاً من الأمل في بحرٍ من الظلام. "حارس"، "زهرة اللوتس"، "المفتاح". كانت هذه الكلمات كالأحرف المبعثرة التي يجب جمعها لتكوين جملةٍ ذات معنى. كانت "ليلى" قد قررت، بعد مشورةٍ مكثفةٍ مع والدتها، أن تترك منزلهم. لم يعد آمناً. لقد فقدوا كل شيءٍ مادي، لكنهم لم يفقدوا قوة الإرادة، وشرف العائلة، وإيمانهم بالله.

خرجت "ليلى" من منزلهم المتضرر، ترتدي حجاباً أبيضَ بسيطاً، وتلك الحقيبة الجلدية التي تحتوي على "الكتاب" و"المفتاح". رافقها رجلٌ عجوزٌ، كان يعمل مع أبيها في تجارة الأقمشة القديمة. لم يكن يعرف تفاصيل ما حدث، لكنه كان يعلم أن عائلة السيد "أحمد" قد مرت بمحنةٍ عظيمة، وأن "ليلى" أصبحت الآن مسؤولة. كان اسمه "الحاج محمود"، وكان رجلاً ذا لحيةٍ بيضاءَ كاملة، وعينين تحملان لطفاً لا مثيل له.

"أين تودين الذهاب يا ابنتي؟" سأل بصوتٍ هادئ، وهو يرافقها بخطواته البطيئة.

"سأتجه إلى سوق النخاسين القديم يا حاج محمود. سمعت أن هناك بعض التجار الذين ما زالوا يحتفظون ببضائع قديمة، وربما أجد هناك من يعرف معنى "زهرة اللوتس"." قالت "ليلى"، وقد تعمدت أن تجعل صوتها يبدو مطمئناً، رغم اضطراب قلبها.

"سوق النخاسين؟" استغرب الحاج محمود. "إنه مكانٌ خطيرٌ هذه الأيام يا ابنتي. الناس هناك يبيعون ما لا يحصى، ويشترون ما لا يقدر بثمن."

"أعلم يا حاج محمود. لكن لدي شعورٌ بأن إجاباتي تكمن هناك."

شعر الحاج محمود بأن "ليلى" تخفي شيئاً. كان يعرف أن السيد "أحمد" لم يكن مجرد تاجر أقمشة. كان لديه ماضٍ غامض، وعلاقاتٌ معقدة. ربما كانت هذه "الزهرة" مرتبطةً بشيءٍ من ذلك الماضي.

وصلوا إلى سوق النخاسين. كان المكان قديماً، تفوح منه رائحة الخشب المتعفن، والجلود المهترئة، والقطن القديم. كانت البضائع مكدسةً على الأرصفة، من تحفٍ قديمة، إلى أثاثٍ متهالك، إلى أقمشةٍ عتيقة، إلى كتبٍ مهملة. كان التجار هناك، ذوي الوجوه المتعبة، يحاولون جاهدين بيع ما لديهم، وكأن كل قطعةٍ تحمل معها قصةً من زمنٍ مضى.

بدأت "ليلى" بالتجوال بين الأكشاك، وعيناها تبحثان عن أي شيءٍ يذكرها بـ "زهرة اللوتس". كانت ترى صوراً للزهور، لكن لم يكن هناك شيءٌ مميز. كانت ترى نقوشاً، لكن لم يكن هناك ما يلفت نظرها.

مرت ببعض التجار، وسألتهم عن "زهرة اللوتس". أجابها البعض بنفخٍ، والبعض الآخر بابتسامةٍ ساخرة.

"زهرة اللوتس؟ هذه للقصص الخرافية يا آنسة." قال أحدهم، وهو يفرز بعض العملات المعدنية القديمة.

"هل تعرفون أحداً قد يكون لديه معلومات عن "زهرة اللوتس"؟" سألت "ليلى" رجلاً عجوزاً، يرتدي نظارةً سميكة، ويحيط به عددٌ كبيرٌ من الكتب القديمة.

نظر إليها الرجل بعينيه الواسعتين خلف النظارة. "زهرة اللوتس؟" أعاد السؤال، وكأنه يستحضره من ذاكرةٍ بعيدة. "سمعت هذا الاسم من قبل. في زمانٍ بعيد."

"متى يا سيدي؟" سألت "ليلى" بلهفة، وقد شعرت بأنها تقترب من شيءٍ مهم.

"في زمانٍ كان فيه "الكرامة" هي رأس المال، و"الشرف" هو التجارة. كان هناك رجلٌ، تاجرٌ كبير، عرف بـ "السيد جابر". كان رجلاً كريماً، يعطي بسخاء، ويأخذ بحكمة. وكان لديه شغفٌ بالتحف الشرقية. يقال أن لديه تحفةً نادرة، "زهرة لوتسٍ" من الذهب الخالص، مزينةٌ بالأحجار الكريمة. لكنه اختفى فجأةً، قبل سنواتٍ طويلة، ولم يعد أحدٌ يسمع عنه."

"هل تعرفون أين كان يعيش؟ أو أين يمكن أن تكون هذه التحفة الآن؟" سألت "ليلى"، وهي تشعر ببعض الارتباك. هل كانت "زهرة اللوتس" تحفةً مادية؟ أم رمزاً؟

"لا أعرف يا ابنتي. لقد اختفى الرجل، واختفت معه أخباره. لكن إذا كنتِ تبحثين عن شيئٍ يتعلق به، ربما تستطيعين سؤال "الحاج موسى". هو رجلٌ مسنٌ، ويعرف الكثير عن تجار بغداد القدماء. يسكن في حي "باب الأغا"."

شكرت "ليلى" الرجل، وشعرت ببعض الأمل. "الحاج موسى" كان اسماً جديداً يجب أن تبحث عنه.

غادر "الحاج محمود" "ليلى" بالقرب من سوق النخاسين، ووعدها بأن ينتظرها عند مدخل الحي، بينما تواصل هي بحثها. بدأت "ليلى" رحلتها إلى حي "باب الأغا". كان الحي قديماً، شوارعه ضيقة، وبيوته متلاصقة. شعرت وكأنها تسير في زمنٍ مختلف.

وجدت منزل "الحاج موسى" بسهولة. كان منزلاً صغيراً، ذا بابٍ خشبيٍ عتيق، وعليها نقوشٌ بسيطة. قرعت الباب.

خرج رجلٌ عجوز، نحيل الجسد، يرتدي ملابس بيضاء بسيطة. كانت عيناه صافيتين، تحملان بريقاً من الحكمة.

"أهلاً بكِ يا ابنتي. ما الذي أتى بكِ إلى بابي؟" سأل بصوتٍ خفيض.

"أنا "ليلى". ابنة السيد "أحمد". سمعت أنك تعرف الكثير عن تجار بغداد القدماء."

ابتسم الحاج موسى ابتسامةً خفيفة. "أحمد؟ نعم، أعرف أحمد. رجلٌ طيبٌ، لكنه كان يعيش في عالمٍ آخر. ماذا حدث له؟"

"مررنا بظروفٍ صعبة يا حاج موسى. لكنني هنا لأبحث عن معلومة. سمعت عن رجلٍ اسمه "السيد جابر"، وكان لديه تحفةٌ اسمها "زهرة اللوتس"."

ارتسمت على وجه "الحاج موسى" علاماتٌ من التفكير العميق. "السيد جابر؟ نعم، أتذكره. كان رجلاً غريباً، لكنه كريم. كان يحب "الزهرة". لم يكن يقصد بها تحفةً ماديةً فقط. كانت لديه قصةٌ خلف هذه الزهرة."

"ما هي قصته يا حاج موسى؟" سألت "ليلى"، وشعرت بأنها تقف على عتبة اكتشافٍ حقيقي.

"يُحكى أن السيد جابر، في شبابه، وقع في حب فتاةٍ. كانت فتاةً صالحة، عفيفة، وصادقة. كانت تشبه "زهرة اللوتس" في نقائها، وفي قدرتها على الظهور بجمالٍ رغم قسوة البيئة المحيطة بها. لكن القدر لم يمهلهما. فقدت الفتاة، واختفت من حياته. فتعلّق السيد جابر بفكرة "زهرة اللوتس"، وبدأ يبحث عن رمزٍ لها في كل مكان. كان لديه "الكتاب" الذي ربما هو الذي تبحثين عنه. كان كتاباً قديماً، يتحدث عن "الحب الحلال"، عن "العفة"، وعن "الوفاء". كان يعتقد أن هذا الكتاب سيساعده في العثور على "المرأة" التي تشبه "زهرة اللوتس" في عصرنا."

"الكتاب؟" لمعت عينا "ليلى". "هل تقصد الكتاب الذي أحمله الآن؟"

"ربما يا ابنتي. ربما. لكن السيد جابر لم يكن مجرد رجلٍ يبحث عن الحب. كان لديه أصدقاءٌ غامضون، وكانوا يعملون في الخفاء. ربما كانت "زهرة اللوتس" رمزاً لشيءٍ أكبر، لشيءٍ يتعلق بالحق، وبالعدل. كان السيد جابر يسعى دائماً لإصلاح ما فسد، ولإعادة الأمانة إلى أهلها. ربما كان "الحارس" الذي تتحدث عنه رسالتك، هو شخصٌ قريبٌ من السيد جابر. شخصٌ يعرف أسراره."

"وهل تعرف أنت يا حاج موسى، أين يمكن أن يكون هذا "الحارس"؟"

تنهد الحاج موسى. "الأيام تغيرت يا ابنتي. والأصدقاء القدامى تفرقوا. لكنني أتذكر أن السيد جابر كان يثق كثيراً في رجلٍ اسمه "الشيخ رضوان". كان عالماً جليلاً، وكان السيد جابر يعتبره "حارسه" الروحي. إذا كان هناك من يعرف أسرار السيد جابر، فهو الشيخ رضوان. لكنني لم أسمع عنه منذ زمنٍ طويل. يقال أنه يعيش في مكانٍ منعزل، بعيداً عن صخب المدينة."

"أين هذا المكان يا حاج موسى؟" سألت "ليلى"، وقد بدأت تشعر بأنها تسير على الطريق الصحيح.

"يقال أنه يسكن في "جبال الحمراء"، في كهفٍ قديم. كان يذهب إليه ليتعبد، وليدرس. قد تجدينه هناك. لكنها رحلةٌ ليست بالسهلة، خاصةً في هذا الزمن."

لم تتردد "ليلى". "سأذهب يا حاج موسى. شكراً جزيلاً لك."

وعدت "ليلى" الحاج موسى بأن تخبره بما ستكتشفه، ثم غادرت. شعرت بقوةٍ جديدةٍ تدفعها. "زهرة اللوتس" لم تكن مجرد رمزٍ، بل كانت قصة حبٍ، وقصة بحثٍ، وقصة سعيٍ للحق. والآن، يبدو أن "الحارس" ينتظرها في "جبال الحمراء".

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%