حب في زمن الحرب 185

خيوط الماضي المتشابكة

بقلم فاطمة النجار

بعد أن غادرت السيدة زكية، وتركت ليلى في حالة من الذهول العميق، عادت إلى شرفتها، لكنها لم تعد ترى جمال الحديقة كما كانت. أصبحت الألوان باهتة، والروائح خافتة. كانت الكلمات تتراقص في رأسها كحشرات مزعجة، تلسعها بلسعات الشك والقلق. ابن عمها؟ عبد الرحمن؟ الزواج لحل ديون؟ كانت تفاصيل هذه القصة معقدة، كنسيج من الخيوط المتشابكة، كل خيط يحمل سرًا، وكل عقدة تخفي حقيقة.

نهضت وهي تشعر بثقل العالم على كتفيها. كان عليها أن تواجه عمها. وأن تفهم منه كل شيء. ذهبت إلى مكتبه، حيث كان يجلس في غرفته الملحقة بالديوان، يتفحص أوراقًا قديمة. كان عمها، السيد سليمان، رجلًا ذو هيبة، وقورة، لكن هذه الأيام، كانت عيناه تعكسان تعبًا وقلقًا لم يعهدتهما فيه من قبل.

"عمي"، قالت ليلى بصوت مرتجف قليلًا.

رفع السيد سليمان رأسه، وتأملها بعينين حزينتين. "أهلاً بكِ يا ليلى. هل حدث شيء؟"

"لقد أتتني السيدة زكية"، قالت ليلى. "و... وتحدثت عن أمر... أمر يتعلق بك وبوالدي الراحل. وعن عبد الرحمن."

تغير وجه السيد سليمان. اتسعت عيناه قليلًا، واختفت تلك الابتسامة المعتادة التي كانت ترتسم على شفتيه. "تحدثت إليكِ؟ وماذا قالت؟"

"قالت... إن عبد الرحمن هو ابن عمي. وأن والدي ترك ديونًا كبيرة. وأن الزواج بيني وبينه هو الحل الوحيد".

صمت السيد سليمان لبرهة، وقد ألقى بنظرة سريعة على الأوراق التي بين يديه، كأنما يبحث فيها عن إجابة. ثم تنهد بعمق. "يا ليلى، الأمور أعقد مما تبدو. والدكِ، رحمه الله، كان رجلًا كريمًا، طيب القلب. ولكنه في سنواته الأخيرة، تورط في بعض الأمور. كان يثق في أشخاص لم يكن يجب أن يثق بهم. وعندما رحل، ترك وراءه... فراغًا كبيرًا، وفوقه تراكمات من الديون."

"ولكن... لم يخبرني أحد بشيء"، قالت ليلى، وقد بدأت تشعر بالخيبة.

"كان ذلك لحمايتكِ يا ابنتي"، قال عمها. "لم أرد أن أثقل كاهلكِ بما لا طاقة لكِ به. ظننت أنني أستطيع أن أصلح الأمر بنفسي. ولكن الوقت يمر، والأزمة تزداد تفاقمًا. السيدة زكية، امرأة قوية، ورغم أنها لم تتحدث إلينا كثيرًا في السابق، إلا أنها في هذه اللحظة، هي الوحيدة التي يمكن أن تقف معنا."

"وهل... هل حقًا الزواج هو الحل الوحيد؟" سألت ليلى، وعينها مليئة بالدموع.

"نعم"، أجاب السيد سليمان بصدق. "هناك قوى في المدينة، تنتظر فقط أن تسقط عائلتنا. سمعتنا، وسمعة والدكِ، هي أغلى ما نملك. ولا يمكن أن نسمح لأحد بأن يدنسها. زواجكِ من عبد الرحمن، لن يحميكِ أنتِ وعائلتكِ فقط، بل سيمنحنا القوة اللازمة لمواجهة هؤلاء الدخلاء".

"ولكن، يا عمي، أنا لا أعرف عبد الرحمن جيدًا"، قالت ليلى بصوت مختنق. "لقد رأيته مرتين فقط. كيف يمكنني أن أشاركه حياتي بهذا الشكل؟"

"الحب يأتي بعد الزواج يا ابنتي"، قال السيد سليمان بلهجة فيها مزيج من الحكمة والأسف. "والتفاهم يبنى مع الوقت. خاصة عندما يكون الهدف ساميًا. هدف لحماية العائلة، وللحفاظ على ما بناه أباكِ. إنها مسؤولية كبيرة، ولكني أثق في معدنكِ الأصيل، وفي قدرتكِ على فهم الأمور. السيدة زكية، هي أيضًا ليست سعيدة بهذا الوضع، ولكنها ترى فيه المخرج الوحيد."

"وهل... وهل وافقت السيدة زكية على هذا الحل؟" سألت ليلى.

"نعم"، أجاب السيد سليمان. "لقد جاءت إليّ قبل أن تأتي إليكِ. وعرضت هذا الحل. وقالت إنها مستعدة لأن تتحدث مع أعيان البلد، ولتساعدنا في ترتيب الأمور. هي تعرف أصول العائلات، وتعرف كيف تتعامل مع هؤلاء الأشخاص الذين يهددوننا."

شعر ليلى بأن كل شيء ينهار حولها. كانت تعتقد أنها تعيش قصة حب خيالية، لكنها الآن تجد نفسها في قلب مؤامرة معقدة، تربطها برجل لم تتوقعه، وتجبرها على قرار مصيري.

"ولكن... ما هو بالضبط الدين الذي تركه والدي؟ ولمن؟" سألت ليلى.

"لا تشغلي بالكِ بهذه التفاصيل الآن يا ليلى"، قال السيد سليمان. "الأهم هو المستقبل. الأهم هو أن نتحد. وأن نكون أقوياء. عمكِ، لديه أعداء. وأعداء والدكِ أيضًا. هؤلاء الأشخاص، هم من يضغطون علينا. هم من يريدون أن يروا عائلتنا في الحضيض. وزواجكِ من عبد الرحمن، هو أقوى سلاح يمكن أن نمتلكه الآن."

"ولكن، عمي، هل عبد الرحمن نفسه... هل يوافق على هذا؟" سألت ليلى.

"لقد تحدثت معه"، قال السيد سليمان. "وهو يعلم بالوضع. وهو رجل مسؤول. وهو أيضًا يحمل في قلبه مشاعر طيبة تجاهكِ. ربما لم يعبر عنها بالطريقة الصحيحة، ولكن... الظروف أجبرته. وهو مستعد لفعل ما هو في مصلحة العائلتين".

نظرت ليلى إلى عمها. رأت فيه الصدق، ورأت فيه الحزن، ورأت فيه الخوف. لم تكن هذه الأمور مجرد خطط، بل كانت صراعًا حقيقيًا. صراعًا يهدد مستقبل عائلتها.

"وماذا عن والدي؟ هل كان يعلم أن عبد الرحمن يحمل هذه المشاعر؟" سألت ليلى.

"أظن ذلك"، قال السيد سليمان. "كان والداكِ، تربطهما علاقة قوية. وربما كان يعلم شيئًا عن ميول عبد الرحمن. ولكن... الأمور لم تكن واضحة. والوقت لم يسمح بالكشف عن كل شيء".

خرجت ليلى من مكتب عمها، وهي تشعر بأنها لم تعد هي نفسها. لم تعد الفتاة التي كانت تحلم بقصة حب بسيطة، بل أصبحت جزءًا من قصة أكبر، وأكثر تعقيدًا. قصة كتبها الماضي، وكتبها القدر، وكتبتها أيدي خفية تسعى إلى الدمار.

تذكرت كلمات السيدة زكية: "الوقت ليس في صالحنا". وكلمات عمها: "يجب أن نتحد". كانت هذه الكلمات تتوالى في رأسها، كصدى لأزمة حقيقية.

جلست مرة أخرى في شرفتها، تنظر إلى الأفق. هل هذا هو الحب الحلال؟ هل هو هذا القدر الذي كان ينتظرها؟ لم تعد تعرف. كل ما كانت تعرفه، هو أنها في قلب عاصفة. عاصفة لا تعرف كيف تنجو منها، ولا كيف تجد فيها طريقًا للنور. ولكنها أدركت شيئًا واحدًا: لم يعد هناك رجوع. خيوط الماضي قد تشابكت، وأنقذتها أو ألقت بها في بحر من المشاكل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%