حب في زمن الحرب 185

قيود الأيام العتيقة

بقلم فاطمة النجار

كانت أروى تتنفس بصعوبة، وكأن الهواء في غرفتها الصغيرة يعاندها، يرفض أن يملأ رئتيها بالسكينة التي طالما افتقدتها. نظرت إلى الشرفة، حيث تتراقص ستائر القطن البيضاء على إيقاع نسمة عليلة، تحمل معها عبق الياسمين المتسلل من بيت الجيران. لكن هذه النسمة، التي كانت يومًا ما تعيد إليها روحها، أصبحت الآن عبئًا يثقل قلبها. ففي كل هبة منها، كانت ترى وجهه، صوته، وابتسامته التي أصبحت ذكرى تؤلمها.

منذ وفاة والدها المفاجئة، تضاعفت الأعباء على أكتافها. لم تكن مجرد فراغ مادي خلفه الرحيل، بل فراغ روحي غائر، تركها وحيدة تواجه عالمًا يبدو فجأة أكبر وأقسى. كانت تتكئ على ذكريات والدتها الراحلة، وعلى دعواتها المستمرة لها، لتجد القوة في مواجهة هذا الضيق. لكن الضيق نفسه أصبح كائنًا حيًا، يتغذى على وحدتها، ويتجذر في أعماق وجدانها.

كانت ساعات النهار تمر ببطء شديد، مملوءة بالأعمال المنزلية، ورعاية جدتها المريضة، ثم الذهاب إلى السوق لمساعدة بائع القماش الذي أفاق في صباح أحد الأيام ليجد نفسه وحيدًا بعد أن آثر ورثة السيد أحمد، والد أروى، بيع كل شيء. لم يكن السيد أحمد قد ترك ثروة ضخمة، بل ترك ديونًا خفية، وأحلامًا مؤجلة، ومسؤوليات تفوق قدرة امرأة في عمر أروى.

في المساء، عندما تعود إلى البيت، تجد جدتها تنتظرها، بعينين ذابلتين وفم لا يكف عن ذكر اسم والدها. كانت أروى تجلس بجانبها، تمسك بيدها المتجعدة، تحاول أن تستحضر قصصًا من الماضي، قصصًا عن أيام كان فيها البيت يضج بالحياة، وكان صوت أبيها يملأ المكان بالضحك والأمان. لكن القصص بدأت تتلاشى، مثل نقوش قديمة تبهت مع الزمن.

كان الشيء الوحيد الذي يخفف عنها وطأة الحياة هو صندوق خشبي قديم، يحتفظ بكنوزها السرية. كان صندوق والدتها، الذي وجدته أروى مدفونًا تحت سريرها في يوم من الأيام. لم يكن يحوي ذهبًا أو مجوهرات، بل كان يحوي رسائل. رسائل كتبتها والدتها لزوجها، والد أروى، قبل زواجهما. رسائل مليئة بالشوق، والحب، والأحلام التي لم تتحقق.

كانت أروى تقضي ساعات تقلب بين هذه الرسائل، تتلمس خط يد والدتها، تستنشق عبق الماضي الذي يعلق بها. كانت تتخيل والدتها، شابة مليئة بالحياة، تكتب هذه الكلمات بقلب ينبض بالحب. كانت تشعر بقربها منها، وبفهم أعمق لمشاعرها، لتلك المعاناة الخفية التي عاشتها والدتها.

ولكن، في الآونة الأخيرة، أصبح لديها سر آخر، سر أشد قتامة، وأكثر إغواءً. كان يبدأ حين تعود إلى غرفتها، وحيدة، والشفق يغطي سماء المدينة. تخرج من الصندوق الخشبي، ليس رسائل والدتها، بل دفتر أوراق قديم، يختلف عن كل ما لديه. صفحاته صفراء، وبها كتابات بخط يد رجل غريب.

كانت هذه الأوراق هدية قدمها لها بائع القماش، السيد حكيم، ذلك الرجل الطيب ذو اللحية البيضاء والعيون التي تحمل حكمة السنين. أخبرها أن هذه الأوراق تخص صديقًا قديمًا له، كان شاعرًا بارعًا، ولكنه عاش حياة تعيسة، فضل فيها العزلة على الناس. قال لها: "هذه كلمات قد تجد فيها روحًا تشبه روحك، يا ابنتي. كلمات قد تفتح لك أبوابًا إلى عوالم أخرى."

في البداية، ترددت أروى. لم تكن معتادة على قراءة الشعر، أو على هذا النوع من الأدب. لكن فضولها، الذي غذته وحدتها، دفعها إلى فتح الدفتر. وبمجرد أن بدأت تقرأ، وجدت نفسها غارقة في عالم من الكلمات. كانت الكلمات تتدفق كالنهر، تحمل معها صورًا حية، ومشاعرك دفينة. كانت تتحدث عن الحب، عن الشوق، عن الألم، وعن البحث عن معنى للحياة.

لكن هناك فصل واحد في هذا الدفتر كان يستحوذ على اهتمامها بشكل خاص. كان يحمل عنوانًا غريبًا: "لوعة السجين." في هذا الفصل، وصف الشاعر رجلًا يعيش في سجن روحه، لا يستطيع الإفلات منه. كان سجنًا بناه هو بنفسه، بقيوده، وخوفه، ورغباته. كان يصف كيف أن هذه القيود، مع مرور الوقت، تتحول إلى جزء من كيان الإنسان، حتى يصبح غير قادر على التمييز بين السجن وبين حياته.

كانت أروى تقرأ هذا الفصل مرارًا وتكرارًا. كانت تشعر بأنها تفهم كل كلمة، كل شعور. كانت ترى في وصف الشاعر سجنها هي، سجنها في هذه الحياة، سجنها في ذكريات الماضي، وفي أعباء الحاضر. كانت تشعر بأنها هي أيضًا سجين، لا تستطيع الإفلات من قفص الخوف والوحدة.

لكن مع قراءة هذه الكلمات، بدأ ينمو بداخلها شعور غريب. كان شعورًا بالتمرد، ورغبة عارمة في التحرر. لم تكن ترغب في أن تكون سجينة، لم تكن ترغب في أن تعيش حياة لا معنى لها. بدأت تتساءل: هل يمكن لشخص أن يتحرر من سجنه؟ هل يمكن لروح مقيدة أن تجد طريقها إلى النور؟

في إحدى الليالي، عندما كانت تقرأ فصل "لوعة السجين" للمرة العاشرة، سمعت صوتًا غريبًا خارج غرفتها. صوت خطوات خفيفة، وكأن أحدهم يتسلل في الظلام. ارتعدت أروى، وأغلقت الدفتر بسرعة. وضعت يدها على قلبها، الذي كان يخفق بعنف.

ماذا كان هذا الصوت؟ هل هو لص؟ أم شيء آخر؟

في تلك اللحظة، شعرت أروى بأن عالمها الهش، الذي بنته بصبر فوق أنقاض حياتها القديمة، بدأ يتصدع. شعرت بأن هناك قوى خارجية، وقوى داخلية، تتكالب عليها، لتجرها إلى دوامة أعمق.

كان الليل قد اشتد، والظلام يغطي كل شيء. لكن بالنسبة لأروى، كان الظلام قد بدأ يتسرب إلى داخلها، يمتزج بظلام الخوف، وظلام هذا الدفتر الغامض. لم تكن تعرف ما يخبئه لها الغد، ولكنها شعرت بأنها على وشك مواجهة شيء أكبر منها بكثير. شيء قد يغير مجرى حياتها، إلى الأبد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%