حب في زمن الحرب 185

وهج العزلة

بقلم فاطمة النجار

كانت يد أروى ترتجف وهي تغلق الدفتر، وتضعه مرة أخرى في مكانه السري. لم يكن الخوف هو الشعور الوحيد الذي اعتراها، بل كان هناك أيضًا شعور بالذنب، وبأنها تخون ذاكرة والدتها، وذاكرة والدها، بالانغماس في هذه الكلمات المظلمة. لكن فضولها، الذي أصبح أدمنًا، كان أقوى من أي شعور آخر.

في تلك الليلة، لم تستطع أروى النوم. تقلبت في فراشها، ومرت أمام عينيها صور الشاعر الغريب، وصوره المظلمة. كان يتحدث عن عوالم تتجاوز الواقع، عن ألم وجودي لا يمكن وصفه. كانت تتخيل عالمه، عالمًا مليئًا بالجمال الغامض، وبالحزن العميق.

في صباح اليوم التالي، كان وجهها شاحبًا، وعيناها تحملان آثار السهر. ذهبت إلى السوق، كعادتها، لكن كل شيء بدا مختلفًا. ألوان الأقمشة لم تعد زاهية، وأصوات الباعة لم تعد مبهجة. كانت ترى كل شيء من خلال عدسة رمادية، عدسة عكست لها وحدتها، وخوفها.

جلس السيد حكيم، صاحب محل القماش، على كرسيه الخشبي القديم، وهو يبتسم لأروى. "صباح الخير يا ابنتي. تبدين متعبة اليوم."

نظرت إليه أروى، وشعرت برغبة عارمة في البوح بكل شيء. لكنها تذكرت نصيحة والدتها: "المرأة القوية هي من تعرف كيف تحتفظ ببعض الأسرار في قلبها، يا ابنتي. الأسرار التي تجعلها فريدة."

"لا شيء يا عمي حكيم،" قالت بابتسامة باهتة. "فقط بعض الأرق."

"الأرق عدو الروح،" قال السيد حكيم بحكمة. "وخاصة روحك التي تبدو كزهرة حساسة تحتاج إلى رعاية دائمة."

كان يراقبها بعينين ثاقبتين، وكأنه يقرأ ما يدور في أعماقها. "هل تقرأين تلك الأوراق التي أعطيتك إياها؟" سأل فجأة.

ارتعش قلب أروى. "نعم يا عمي. إنها... إنها مميزة."

"مميزة؟" هز السيد حكيم رأسه ببطء. "إنها قوية، يا ابنتي. قوية جدًا. ولكن القوة ليست دائمًا رحيمة."

"ماذا تقصد؟" سألت أروى، ورفعت عينيها إليه.

"الشعر، وخاصة الشعر الذي ينبع من روح ألمت بها الحياة، يمكن أن يكون سلاحًا ذا حدين،" قال السيد حكيم. "إنه يفتح لك عوالم، ولكنه قد يأخذك إلى أماكن مظلمة إذا لم تكوني مستعدة."

"أنا... أنا أحاول أن أفهم،" قالت أروى بصوت خفيض.

"الفهم رحلة، وليست وجهة،" قال السيد حكيم. "ولكن في رحلتك، لا تنسي أن تري النور. لا تدعي الظلام يبتلعك."

ثم أضاف بنبرة أخفض: "هذا الشاعر، صديقي، كان يعيش في عزلته. كان يغذي روحه بهذه الكلمات، ولكنه في النهاية، أغرقته. أصبح أسيرًا لظلامه."

شعرت أروى بوخزة في قلبها. لقد كانت ترى هذا يحدث أمام عينيها. لقد كانت تشعر بأنها هي نفسها تنجرف إلى هذا الظلام.

في ذلك اليوم، وبعد عودتها إلى البيت، لم تستطع أروى فتح دفتر الشاعر. شعرت بضيق شديد، كأنها تحمل عبئًا ثقيلًا. جلست بجانب جدتها، ويدها ترتجف وهي تربت على وجهها.

"يا جدتي،" قالت بصوت متقطع. "هل الحب دائمًا يسبب الألم؟"

نظرت الجدة إلى أروى بعينين غائمتين. "الحب يا ابنتي، هو أسمى ما في الوجود. ولكنه يحتاج إلى قلب نقي، وروح صافية. والحياة، لها تقلباتها."

"ولكن إذا كان الحب مؤلمًا جدًا، هل من الأفضل أن نعزله؟ أن نعيش في عزلة؟" سألت أروى.

ابتسمت الجدة ابتسامة خفيفة، وكأنها تفهم ما يدور في عقل أروى. "العزلة يا ابنتي، هي سجن آخر. سجن أشد قتامة من أي سجن."

كلمات جدتها، رغم بساطتها، اخترقت أعماق روح أروى. لقد كانت ترى أن هذا الدفتر، وهذا الشعر، يدفعانها نحو العزلة. يدفعانها نحو الانفصال عن العالم، وعن الناس.

لكن في نفس الوقت، كانت تشعر بأن هناك شيئًا آخر، شيئًا أكبر، يجذبها. كان يجذبها إلى عالم الشاعر، عالم المعاناة العميقة، وعالم الجمال المرعب.

في تلك الليلة، لم تستطع أروى مقاومة. فتحت الدفتر مرة أخرى، وبدأت تقرأ. كانت تقرأ بلهفة، وبشغف، وكأنها تبحث عن إجابة لسؤال يؤرقها. كانت تبحث عن معنى لكل هذا الألم، ولكل هذا الظلام.

كانت تقرأ عن رجل كان يعيش في مدينة صاخبة، ولكنه شعر بوحدة قاتلة. عن رجل كان يحب، ولكنه كان خائفًا من الحب. عن رجل كان يحلم بالحرية، ولكنه كان مقيدًا بقيوده.

وكلما قرأت، كلما شعرت بأن هذا الشاعر ليس غريبًا عنها. كانت تشعر بأنها تفهم مشاعره، تفهم وحدته، تفهم ألمه. كانت تشعر بأنها هي نفسها تعيش نفس التجربة، ولكن بطريقة مختلفة.

في نهاية الفصل، وجد الشاعر نفسه في غرفة مظلمة، لا يرى فيها سوى ظلال نفسه. كان يصف شعوره بالضياع، وبأن كل شيء قد انتهى.

شعرت أروى ببرودة تسري في عروقها. لقد شعرت وكأنها تقف على حافة الهاوية. هل هذا هو المصير الذي ينتظرها؟ هل ستغرق في هذا الظلام، ولن تجد طريقًا للعودة؟

أغلقت أروى الدفتر، وشعرت بدموع تتجمع في عينيها. كانت دموع ألم، ودموع خوف. ولكن كان هناك أيضًا شيء آخر. كان هناك شعور بأنها يجب أن تقاوم. يجب أن تجد طريقًا للتحرر.

لكن كيف؟ وكيف يمكن لروح مقيدة أن تجد طريقها إلى النور؟

كانت هذه الأسئلة تدور في ذهن أروى، في تلك الليلة الطويلة. كانت تشعر بأنها تتخبط في ظلام دامس، وأنها بحاجة إلى يد تمسك بها، وإلى نور يرشدها.

لكن يبدو أن هذه اليد، وهذا النور، كانا بعيدين جدًا.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%