حب في زمن الحرب 185
صوت خفي
بقلم فاطمة النجار
تجددت أعباء الحياة لتلقي بظلالها القاتمة على روح أروى. كل صباح كان يحمل معه همومًا جديدة، ومسؤوليات لا تنتهي. كانت جدتها تزداد ضعفًا، وتتطلب رعاية مستمرة. السوق لم يعد يوفر لها سوى فتات الرزق، بالكاد يكفي لسد الرمق. كان ضغط الديون الذي تركه والدها يتزايد، يطرق بابها في كل لحظة، يذكرها بعجزها، وبضعفها.
لكن لم تكن هذه الأعباء هي الوحيدة التي تستنزف طاقتها. كان دفتر الشاعر، ذلك الساحر المظلم، يواصل استدعاءها، كلما خلت لها ساعة، وكلما أحسّت بثقل الوحدة. كانت كلماته، التي كانت في البداية مجرد فضول، قد تحولت إلى حاجة ملحة. كانت تبحث في سطوره عن عزاء، عن فهم، عن شرعية لألمها.
في إحدى الليالي، بعد أن وضعت جدتها النائمة في فراشها، وعادت أروى إلى غرفتها، جلست بجانب النافذة. كان القمر بدرًا، ينير بسطوعه الفضي سماء المدينة، ولكن نور القمر لم يصل إلى قلبها. فتحت الدفتر، وبدأت تقرأ.
كانت تقرأ عن رجل كان يعيش في قصر فاخر، ولكنه كان يشعر بالبرد في روحه. عن رجل كان محاطًا بالناس، ولكنه كان يشعر بالوحدة. كان الشاعر يصف كيف أن هذه الوحدة، مع مرور الوقت، تتحول إلى عدو لا يمكن التغلب عليه.
"الوحدة يا صديقي،" كان يكتب، "هي شبح يلتهم الروح ببطء. هي سم يقطر في كأس الحياة، حتى لا يبقى فيها شيء سوى المرارة."
شعرت أروى بوخزة عميقة. لقد كانت هذه الكلمات تلامس وترًا حساسًا في أعماقها. لقد كانت تعرف معنى هذه الوحدة. كانت تعيشها كل يوم، وكل ليلة.
لكن في نفس الوقت، كانت تشعر بشيء آخر. كانت تشعر بأن هذه الكلمات، وإن كانت تصف معاناتها، إلا أنها كانت تبقيها محبوسة فيها. كانت تزيد من عزلتها، بدلاً من أن تساعدها على التحرر.
بينما كانت تقرأ، سمعت صوتًا خفيًا. لم يكن صوت الريح، ولا صوت الحيوانات. كان صوتًا أشبه بالهمس، يتردد صداه في أذنها.
"لماذا تبكين؟"
ارتعشت أروى، وأغلقت الدفتر بسرعة. نظرت حولها، ولم ترَ شيئًا. هل كان هذا صوتًا في رأسها؟ هل بدأت تفقد عقلها؟
"لا تخافي،" عاد الصوت، وكان أكثر وضوحًا هذه المرة. "أنا هنا لأسمعك."
شعرت أروى بالرعب. هل هو جن؟ هل هو روح الشاعر؟
"من أنت؟" سألت بصوت مرتعش.
"أنا صوت في داخلك،" أجاب الصوت. "صوت ظللت تدفنينه تحت ركام الألم واليأس."
"وماذا تريد مني؟" سألت أروى، وقلبها يخفق بعنف.
"أريد أن أحررك،" قال الصوت. "أريد أن أريك أن هناك عالمًا آخر، عالمًا يتجاوز هذه القيود."
"أي قيود؟" سألت أروى.
"قيود الماضي، قيود الخوف، قيود هذا الدفتر الذي جعل منك أسيرة،" قال الصوت. "قيود هذا الشاعر الذي أغرق نفسه في ظلامه."
شعرت أروى بالارتباك. هل كان هذا الصوت يحذرها من الشاعر؟ هل كان يحذرها من هذه الكلمات؟
"هذه الكلمات... إنها تصفني،" قالت أروى. "إنها تعطيني معنى لوحدتي."
"المعنى الذي تعطيك إياه هذه الكلمات هو معنى السجن،" قال الصوت. "إنها تغذيك بظلامها، وتجعلك ترى العالم من خلال نافذتها المظلمة. ولكن هناك نوافذ أخرى، يا أروى. نوافذ يملؤها النور."
"ولكن كيف أجد هذه النوافذ؟" سألت أروى، بلهجة يائسة.
"ابدئي بالنظر إلى ما حولك،" قال الصوت. "انظري إلى جدتك، إلى الناس في السوق، إلى السماء. انظري إلى الحياة، وليس إلى الظلام."
"ولكن حياتي مليئة بالألم،" قالت أروى.
"الألم جزء من الحياة،" قال الصوت. "ولكنه ليس كل الحياة. هناك أيضًا الفرح، والأمل، والحب. هناك أيضًا القوة التي لا تعرفينها في نفسك."
"القوة؟" تكررت أروى، وشعرت بصدى الكلمة في روحها.
"نعم، القوة. قوة التغيير، قوة التحرر، قوة الحب. إنها موجودة في داخلك، تنتظر أن تستيقظ."
توقف الصوت للحظة، ثم عاد بنبرة أكثر لطفًا. "لكن يجب أن تتخلي عن هذه العزلة التي صنعتها لنفسك. يجب أن تنظري إلى العالم بعينين جديدتين."
"ولكن... الشاعر..." بدأت أروى.
"الشاعر يا أروى، كان روحًا جميلة، ولكنها ألمت بها الحياة. لم يستطع أن يجد طريقه إلى النور، ولكنه لم يمنعك من أن تجدي طريقك. هذه الأوراق، إنها مجرد كلمات. لا تدعيها تتحكم في حياتك."
شعرت أروى بشيء يتغير بداخلها. كان شعورًا غريبًا، مزيجًا من الخوف، والأمل، والتمرد. لأول مرة منذ فترة طويلة، شعرت بأنها ليست وحدها تمامًا.
"ماذا أفعل؟" سألت أروى.
"ابدئي بخطوة صغيرة،" قال الصوت. "اليوم، عندما تذهبين إلى السوق، ابتسمي لبائع، ولو بابتسامة خفيفة. تحدثي إلى طفل، ولو بكلمة لطيفة. ابحثي عن لحظة نور في يومك."
"وهل هذا سيغير شيئًا؟" سألت أروى.
"كل شيء يبدأ بخطوة صغيرة،" قال الصوت. "ثم يكبر، وينمو، ويضيء. تذكري، يا أروى، أنت لست سجينًا. أنت قادرة على أن تكوني حرة."
مع بزوغ الفجر، اختفى الصوت. ولكن كلماته ظلت تتردد في أذن أروى، تزرع بذور الأمل في تربة قلبها. نظرت إلى الدفتر، لم تعد ترى فيه عالمًا من الهلاك، بل ترى فيه تحذيرًا، ورسالة.
كانت هذه الليلة، ليلة صوت خفي، بداية تحول. بداية رحلة أروى نحو التحرر، نحو استعادة نور روحها. ولكن الطريق كان لا يزال طويلًا، ومليئًا بالعقبات.