حب في زمن الحرب 185

لقاءات القدر

بقلم فاطمة النجار

كانت أيام أروى تسير بوتيرة مختلفة. لم تعد تشعر بأنها عالقة في دوامة لا نهاية لها، بل أصبحت ترى الأيام كمسارات، بعضها سهل، وبعضها وعر، ولكنها جميعًا تؤدي إلى وجهة ما. استمرت في قراءة ديوان "أنغام الروح"، وكانت كلماته تتردد في قلبها كصدى موسيقى سماوية.

في أحد أيام السوق، بينما كانت تبادل حديثًا وديًا مع والدة صديقتها القديمة، فاطمة، اقترب منها رجل. كان طويل القامة، يرتدي ملابس أنيقة، ويحمل في عينيه هدوءًا مميزًا. كانت هذه المرة الأولى التي تراه فيها.

"عذرًا،" قال الرجل بصوت هادئ وعميق. "هل رأيتما صندوقًا خشبيًا صغيرًا، يبدو قديمًا، ضاع مني هنا في السوق؟"

نظرت إليه أروى، ولاحظت في عينيه قلقًا خفيفًا. "لا، لم أر شيئًا،" أجابت بصراحة.

"شكرًا لكِ،" قال الرجل، وكان على وشك الانصراف، عندما قاطعته فاطمة.

"لحظة يا سيدي. أنت تبدو مألوفًا. ألم تكن أنت الشاب الذي كان زميلًا للسيد أحمد، والد أروى، في المدرسة؟"

نظر الرجل إلى أروى، ثم إلى فاطمة، وشعر بالدهشة. "نعم، أنا هو. ولكن كيف تعرفينني؟"

"أنا فاطمة، ابنة الحاج محمود. كنت صديقة لوالدتك. وأروى، هذه ابنتي."

ابتسم الرجل ابتسامة دافئة. "يا إلهي! لقد كبرتِ يا أروى. أصبحتِ فتاة رائعة." ثم التفت إلى فاطمة. "لقد سمعت بما حدث للسيد أحمد. الله يرحمه. كان رجلًا طيبًا."

"الله يرحمه،" قالت فاطمة. "لكن الحياة تستمر. وأروى، هذه، قوية بفضل الله."

"يبدو ذلك،" قال الرجل، وكان يحدق في أروى بعينين تحملان فضولاً ممزوجًا بالتقدير. "اسمي خالد. كنت زميلًا لأبيك. وأتذكرك وأنتِ طفلة صغيرة."

"أنا أروى،" قالت أروى، وشعرت بشيء غريب ينمو في داخلها. لم يكن خوفًا، ولا انزعاجًا، بل كان شيئًا أشبه بالفضول.

"لقد كنت أعمل مع والدك في مشروع تجاري صغير قبل أن... قبل أن يتوفى،" قال خالد، وبدت نبرته تحمل أسى. "كنت أعتزم زيارته، ولكن القدر كان أسرع."

"الله يرحمه،" كررت فاطمة. "وقد ترك أعباءً كبيرة على هذه الفتاة."

"أعلم،" قال خالد، ونظر إلى أروى باهتمام. "لقد سمعت عن بعض المشاكل المتعلقة بالديون. إذا كان هناك أي شيء يمكنني تقديمه، فلا تترددي أبدًا. أنا مدينة لمن كان صديقي."

شعرت أروى بارتياح كبير. لم يكن مجرد كلام، بل كانت ترى الصدق في عينيه. "شكرًا جزيلاً لك يا عمي خالد. إن لطفك محل تقدير كبير."

تبادل خالد الأرقام الهاتفية مع فاطمة، وتواعدا على لقاء قريب لمناقشة بعض الأمور المالية التي تخص والد أروى. وبينما كان خالد يستعد للانصراف، نظر إلى أروى مرة أخرى.

"أروى،" قال. "أتذكر أن والدك كان دائمًا يتحدث عن شغفك بالقراءة. هل ما زلتِ تحبين القراءة؟"

ابتسمت أروى. "نعم، ما زلت."

"هذا رائع. ربما يمكننا أن نتقابل يومًا ما، لنتحدث عن الكتب. لديّ مكتبة كبيرة، قد تجدين فيها ما يسرّك."

تورد وجه أروى قليلاً، ولكنها شعرت بسعادة غامرة. "ربما، نعم."

بعد أن انصرف خالد، نظرت فاطمة إلى أروى بعينين لامعتين. "يا ابنتي، يبدو أن القدر يبتسم لك اليوم. هذا الرجل يبدو طيبًا جدًا، ولديه نفوذ."

"لقد كان صديقًا لأبي،" قالت أروى. "ولطفه يبدو حقيقيًا."

"أتمنى أن يزيل عنكِ بعض الهموم،" قالت فاطمة.

في الأيام التالية، لم تفكر أروى كثيرًا في خالد. كانت مشغولة بمساعدة جدتها، وبقراءة ديوان "أنغام الروح". ولكن في إحدى الليالي، تلقت رسالة على هاتفها. كان رقمًا غريبًا. فتحت الرسالة، ووجدت أنها من خالد.

"مساء الخير أروى. أردت فقط أن أتمنى لكِ ليلة سعيدة. وبالمناسبة، وجدت ذلك الصندوق الخشبي الصغير الذي كنت أبحث عنه. كان في محل الأقمشة. بدا أنه كان معك."

شعرت أروى بمفاجأة. صندوقها! صندوق والدتها. لقد كان معها طوال الوقت.

"نعم، لقد كان معي،" أجابت على الفور. "شكراً لك."

"لا شكر على واجب،" جاء الرد. "ولكن، إذا كان لديكِ وقت، ربما يمكنني زيارتك في وقت قريب، لأعيد لكِ صندوق والدتك. وأيضًا، أردت أن أتحدث معكِ بشأن بعض الأمور التي تخص تركة والدك."

ترددت أروى قليلاً. كانت لا تزال تشعر ببعض الخجل من دعوة رجل إلى بيتها. ولكنها تذكرت كلمات جدتها عن أهمية العلاقات الإنسانية. كما أن حديثه عن والدها كان يعني لها الكثير.

"حسنًا،" كتبت أروى. "يمكنك القدوم غدًا بعد صلاة العصر."

في اليوم التالي، استقبلت أروى خالد بتردد. كان يحمل في يده صندوق والدتها، وكان يبدو عليه الاحترام. جلس في غرفة الاستقبال، واضعًا الصندوق برفق على الطاولة.

"أتذكر هذا الصندوق،" قال خالد وهو ينظر إليه. "كان والدك دائمًا يقول إن فيه كنوزه الثمينة."

"نعم،" قالت أروى، وشعرت بسعادة غامرة وهي تستعيد صندوق والدتها. "إنه يحتوي على رسائل كتبتها لي."

"رائع،" قال خالد. "والآن، دعنا نتحدث عن والدك."

دار بينهما حديث طويل وعميق. أخبرها خالد عن بعض الأمور المالية التي كانت غامضة، وعن بعض الديون التي يمكن تسويتها ببعض الإجراءات. كان يتحدث بوضوح وصراحة، وكان يطمئنها.

خلال حديثهما، لاحظ خالد كيف أن أروى تتغير. لم تعد تلك الفتاة الخجولة التي التقاها في السوق. كانت تتحدث بثقة، وتطرح أسئلة ذكية. كانت تحمل في عينيها بريقًا جديدًا، بريق الأمل والمعرفة.

"أروى،" قال خالد في نهاية الحديث، "لقد أصبحتِ امرأة قوية. والدك كان ليفتخر بكِ."

ابتسمت أروى، وشعرت بامتنان كبير. "شكرًا لك يا عمي خالد. لقد ساعدتني كثيرًا."

"المساعدة واجب،" قال خالد. "ولكنني سعيد بأن أرى أنكِ تسيرين على الطريق الصحيح. يبدو أنكِ وجدتِ لنفسكِ نورًا وسط الظلام."

نظرت أروى إلى ديوان "أنغام الروح" الذي كان موضوعًا على طاولة جانبية. لم تقل شيئًا، ولكن خالد لاحظه.

"هل تقرأين الشعر؟" سأل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%