حب في زمن الحرب 185

همسات في ظلال الخوف

بقلم فاطمة النجار

كانت شمس الظهيرة تلقي بأشعتها الذهبية على رمال الصحراء، تبعث الدفء في أرجاء مدينة "الوفاء" العريقة، لكن دفء الشمس لم يلامس قلوب أهلها، فقد اكتنفتهم سحب الغموض والخوف. الحرب، تلك الضيفة الثقيلة التي طرقت أبوابهم دون استئذان، تركت بصماتها على كل زاوية، على كل وجه، وعلى كل حلم. في بيت الشيخ "سليمان"، الكبير ذي اللحية البيضاء الوقورة، كانت الأجواء مشحونة أكثر من المعتاد. جلس في صدر المجلس، وعلى وجهه مسحة من القلق العميق، يتفقد ورقة قديمة، تحمل أخبارًا لم ترق له. إلى جانبه، جلس ابنه "يوسف"، الشاب الذي استمد من أبيه قوته وهيبته، لكن عينيه كانتا تحملان مزيجًا من القلق والتصميم.

"يا بني،" بدأ الشيخ سليمان بصوت متعب، "الأنباء الواردة ليست مطمئنة. التحركات على الحدود تزداد، ونحن لا نملك رفاهية الانتظار."

أومأ يوسف برأسه، واضعًا يده على كتف والده. "أعلم يا أبي. وقد تحدثت مع القادة، وهم مستعدون. لكن الأمر يتجاوز مجرد الدفاع عن أرضنا. إنها تمس مستقبلنا."

تنهد الشيخ سليمان، مطويًا الورقة بعناية. "أعلم. والمسؤولية تقع على عاتقنا. لكن قلبي قلق على "ليلى". زواجها من "خالد" قريب، وأخشى أن يحول هذا الصراع بينهما قبل أن يبدأ."

"ليلى قوية يا أبي،" رد يوسف مطمئنًا، "وهي تفهم واجبها. كما أن خالد رجل شريف، وسيصون عهدها. ولكن... هناك أمر آخر يقلقني."

تردد يوسف للحظة، ثم تابع: "لقد سمعت همسات حول "زيد". هناك من يقول إنه قد يكون له دور في هذه الاضطرابات. هل من الممكن أن يكون قد انحرف عن الطريق؟"

تصلب وجه الشيخ سليمان. "زيد؟ هذا بعيد عن الحقيقة يا يوسف. زيد تربى على حب وطنه واحترام الدين. لا أصدق هذا الكلام."

"ولكن يا أبي،" أصر يوسف، "لا يمكننا تجاهل كل ما نسمعه. إذا كان هناك أي شك، فيجب علينا التحقق منه. سمعته وسمعة عائلتنا فوق كل اعتبار."

في الطرف الآخر من المدينة، كانت "ليلى"، صاحبة العيون اللامعة والقلب النقي، تخطط لزفافها. كانت أيامها مليئة بالاستعدادات، لكن خلف ابتسامتها البريئة، كانت تتسلل إليها مخاوف. الحرب لم تكن مجرد خبر تسمعه، بل كانت واقعًا يعيشه أهلها. كانت ترى القلق في عيني والدتها، وترى الشد في كتفي والدها.

في إحدى العصر، وبينما كانت تساعد والدتها في ترتيب أقمشة الزفاف، دخلت "زينب"، صديقة ليلى المقربة، وهي تحمل على وجهها علامات الانزعاج.

"ما بالك يا زينب؟" سألت ليلى وهي تلاحظ تغير ملامح صديقتها. "هل حدث شيء؟"

جلست زينب متنهدة. "ما سمعته اليوم أزعجني يا ليلى. أحدهم كان يتحدث عن "زيد". يقولون إنه يتقابل مع غرباء في أوقات متأخرة من الليل، بالقرب من الحدود."

ارتعش قلب ليلى. زيد، ابن عمها، الشاب الذي لطالما أحبته كأخ، والذي كانت تتمنى له الخير. "هل أنت متأكدة مما سمعت؟"

"هذه هي الهمسات التي انتشرت،" أجابت زينب بخفوت. "وأنا أعرف زيدًا، إنه لا يفعل شيئًا دون سبب. ولكن في هذه الأوقات، كل همسة يمكن أن تتحول إلى عاصفة."

"هذا مقلق حقًا،" قالت ليلى وعيناها تبدوان تائهتين. "خالد، خطيبي، كان قد ذكر لي شيئًا مشابهًا. قال إنه رأى زيدًا يتحدث مع رجل لا يعرفه، وكان الأمر يبدو سريًا."

"وماذا قال خالد؟" سألت زينب بفضول.

"لم يقل الكثير،" أجابت ليلى. "فقط قال إنه لا يثق في هذا الرجل الغريب. الآن أفهم لماذا. إذا كان زيد متورطًا بأي شكل، فقد يؤثر هذا على كل شيء."

توقفت ليلى عن العمل، وأمسكت بيد زينب. "علينا أن نفهم ما يحدث. يجب أن أتحدث مع زيد. ربما هناك تفسير."

"لكن هل هذا حكيم يا ليلى؟" تساءلت زينب. "خاصة مع اقتراب زواجك؟"

"لا يمكنني تجاهل الأمر،" ردت ليلى بحزم. "إذا كان هناك خطر، فعلينا أن نكون على دراية به. سأبحث عن زيد غدًا."

في تلك الليلة، لم يستطع يوسف النوم. كان يفكر في كلمات والده، وفي همساته حول زيد. قرر أن يتصرف. بحذر، تسلل خارج البيت، متوجهًا نحو مكان كان زيد يرتاده أحيانًا، وهو واحة صغيرة على أطراف المدينة. كان يعلم أن الوقت متأخر، لكن القلق كان يدفع به.

وجد زيدًا جالسًا وحيدًا تحت ضوء القمر الخافت، ينظر إلى النجوم بنظرة حزينة. اقترب يوسف ببطء.

"زيد؟" نادى يوسف بصوت خافت.

التفت زيد مفاجئًا، وبدا عليه بعض الارتباك. "يوسف؟ ماذا تفعل هنا في هذا الوقت؟"

"جئت لأتحدث معك،" قال يوسف وهو يجلس بجانبه. "هناك أقاويل عنك، عن لقاءات غامضة. هل من الممكن أن تخبرني بالحقيقة؟"

نظر زيد إلى يوسف، وبدت عينيه تلمعان بالدموع. "الحقيقة يا يوسف... معقدة. هناك أمور لا أستطيع البوح بها الآن، ولكن أقسم لك، أني لم ولن أخون وطني أو عائلتي."

"إذًا، ما الذي تفعله؟" ألح يوسف. "الناس يتحدثون، والخوف يزداد. إن سمعتك، وسمعة عائلتنا، على المحك."

"أنا أحاول أن أحمي شيئًا،" قال زيد بصوت متقطع. "شيئًا أهم من الحرب التي تدور رحاها. شيئًا قد يغير كل شيء."

صمت يوسف، ينظر إلى زيد بعينين تشوبهما الريبة والقلق. لم يكن يفهم كلامه، لكنه رأى الصدق في عينيه. كانت القصة تتشعب، وتتشابك خيوطها، تاركةً ليلى ويوسف وزيد في دوامة من الشك والغموض، وتهديدًا يلوح في الأفق، يلقي بظلاله على مستقبلهم جميعًا.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%