الفصل 1 / 25

الحب الحلال 186

خفقات قلب بين أروقة العلم

بقلم سارة العمري

كان الهواء يحمل في طياته عبق الكتب القديمة وأثير المعرفة الذي يتسلل من بين الرفوف الخشبية العتيقة. تحت القبة المهيبة لمكتبة الأزهر الشريف، حيث يمتزج نور الشمس الخافت مع وهج المصابيح المعلقة، كانت "ليلى" تغوص في بحر من المخطوطات، تبحث عن خيط رفيع يربط بين ظاهرتين فلكيتين حيّرتا عقلها. كانت أصابعها الرقيقة، المزينة بخاتم فضة بسيط يحمل نقشاً هندياً، تمر بتأنٍ فوق صفحات بالية، تعكس شغفاً لا تملكه كثيرات في مثل سنها.

في ربيعها الخامس والعشرين، لم تكن ليلى مجرد طالبة علم، بل كانت باحثة في علم الفلك، شغوفة بالألغاز التي تخبئها السماء. جسدها النحيل، وإن كان غالباً ما يرتدي ملابس محتشمة تليق ببيئة العلم والتقوى، كان يحمل قامة شامخة تعكس ثقتها بنفسها، وعينان واسعتان بلون العسل، تلمعان بذكاء حاد و فضول لا ينضب. شعرها الأسود الداكن، الذي كان غالباً ما يُلملم بعناية في كعكة أنيقة، انسدل منه خصلة متحررة، تتماشى مع حركتها الدائبة بين الأوراق.

اليوم، كان البحث عن رسالة قديمة لأحد علماء القرن السابع عشر يشغل كل حواسها. رسالة قيل إنها تتحدث عن كسوف استثنائي، كسوف تزامن مع حدث سماوي آخر غامض، لم يتمكن من تفسيره لا القدماء ولا المعاصرون. كانت ليلى قد أمضت أسابيع في البحث، تتنقل بين أرشيفات المكتبة، وتستشير كبار الأساتذة، لكن دون جدوى. كان الشعور بأنها على وشك اكتشاف شيء عظيم يراودها، لكن العثور على المصدر الأصلي كان أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش.

بينما كانت تركع أمام رف مرتفع، متسللة بين صفوف الكتب المكدسة، سمعت صوتاً عميقاً ورزيناً يدوي في هدوء المكان. "أبحث عن مخطوطة 'النجوم السائرة' لأبي القاسم الزهراوي."

توقفت ليلى، متسائلة إن كان الصوت يتجه نحوها. لم تكن معتادة على التحدث مع غرباء في المكتبة، فقد كانت تفضل الانغماس في عالمها الخاص. لكن نبرة الصوت حملت شيئاً من الإلحاح، وربما بعض الضياع. استدارت ببطء، لتجد نفسها تواجه رجلاً طويلاً، تزيد قامته عن قامتها ببضع بوصات.

كان يرتدي ثوباً عربياً أنيقاً بلون أزرق داكن، وبدا عليه الوقار والاحترام. لحيته السوداء القصيرة، المهذبة بعناية، لم تخفِ ملامح وجهه الجادة، لكن عينيه، التي كانت بلون البحر الهادئ، حملت لمعة ودودة. كان يحمل بين يديه كتاباً سميكاً، ويبدو أنه لم يجده.

"عفواً،" قالت ليلى بصوت هادئ، لكنه واضح. "أظن أنني رأيت شيئاً مشابهاً في القسم الخاص بالطب القديم. هل تقصد المخطوطة التي تحتوي على رسومات تفصيلية للجهاز الهضمي؟"

ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، شقت تجاعيد لطيفة حول عينيه. "نعم، هذه هي. هل ترين أنها قد تكون هنا؟"

"عادة ما تكون في رفوف العلوم الطبية،" أجابت ليلى، مشيرة بيدها نحو قسم بعيد. "لكنني كنت أتفقد هنا مخطوطات فلكية حديثة. ربما أخطأت في التصنيف."

"شكراً جزيلاً لكِ،" قال الرجل، وبدأ بالتحرك نحو الاتجاه الذي أشارت إليه. "اسمي 'أحمد'."

"ليلى،" ردت ليلى، وعادت لتركيزها على المخطوطة التي كانت بين يديها، لكن شيئاً ما في لقائه العابر ترك أثراً غريباً بداخلها. لم يكن مجرد لقاء عابر، بل كان وكأن خيطاً غير مرئي قد امتد بين عالميها.

عادت ليلى إلى بحثها، لكن عقلها كان لا يزال مشغولاً بالرجل الذي يدعى أحمد. كانت حياتها منظمة بدقة، أيامها مليئة بالدراسة والمحاضرات والعمل في المركز البحثي. لم تكن لديها مساحة كبيرة للعلاقات الاجتماعية، ناهيك عن اهتمام خاص بالرجال. كانت آمالها وتطلعاتها موجهة نحو تحقيق هدفها الأكاديمي، وخدمة مجتمعها من خلال علمها.

وفجأة، بينما كانت تمسح الغبار عن صفحة مهترئة، وقع بصرها على حرف صغير، محفور بعناية في زاوية الصفحة، لا يكاد يُرى. كان رمزاً غريباً، لم تره من قبل، ولكنه بدا مألوفاً بشكل ما. انحنت أكثر، محاولة فهم معناه. لم يكن هذا الرمز جزءاً من النص الأصلي، بل كان أشبه بتوقيع، أو علامة مخفية.

وبينما كانت تتفحص الرمز، سقطت ورقة صغيرة من بين الصفحات، لم تكن جزءاً من المخطوطة. كانت ورقة حديثة، مطوية بعناية، ومكتوبة بخط أنيق وواضح. انتابها الفضول، ومدت يدها لتلتقطها.

قرأت الكلمات ببطء، وشعرت بقلبها يخفق بقوة. كانت الرسالة موجهة إليها، بطريقة ما. "إلى باحثة النجوم، الرمز الذي تبحثين عنه هو مفتاح، والمفتاح مدفون في مكان أعمق. ابحثي عن 'السر الأبدي' حيث تلتقي الأنهار بالبحر."

تسارعت أنفاس ليلى. من كان هذا؟ وكيف عرف ببحثها؟ ومن أين أتت هذه الورقة؟ لقد بدت وكأنها استجابة مباشرة لأسئلتها. الرمز، السري الأبدي، التقاء الأنهار بالبحر... كانت هذه العبارات تحمل معنى ألغازياً، لكنها أيقظت في داخلها رغبة دفينة في الاكتشاف.

شعرت وكأن باباً سرياً قد فُتح أمامها، باب يؤدي إلى ما هو أبعد من المخطوطات والكتب. نظرت إلى السماء من خلال النوافذ العالية للمكتبة، وكأنها تبحث عن إجابات في النجوم التي لطالما أحبتها. كان هذا اليوم، الذي بدأ كأي يوم آخر مليء بالدراسة، قد تحول إلى بداية رحلة جديدة، رحلة لا تعلم إلى أين ستقودها، لكنها تشعر بأنها ملزمة بخوضها.

في تلك اللحظة، وبينما كانت تحتضن الورقة السرية، سمعت صوت خطوات تقترب. رفعت رأسها لتجد أحمد واقفاً أمامها، ينظر إليها بتعجب.

"هل أنتِ بخير؟" سأل. "تبدين وكأنكِ رأيتِ شبحاً."

ابتسمت ليلى ابتسامة غامضة، لم تكن واثقة من سببها. "ربما يا سيد أحمد. ربما رأيت شيئاً أكثر إثارة من الشبح."

أمسكت بالورقة جيداً، كأنها سلاحها الجديد. كان قلبها يخفق، ليس خوفاً، بل ترقباً. كانت تعرف، بطريقة غريزية، أن البحث عن "النجوم السائرة" لم يكن سوى البداية، وأن هذا اللقاء العابر مع رجل غريب، والورقة الغامضة، كلها تشير إلى أن قصة حب وإثارة على وشك البدء، قصة تتجاوز حدود المكتبة، وربما تتجاوز حدود الكون المعروف.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%