الحب الحلال 186
كشف غامض ورسالة مشؤومة
بقلم سارة العمري
ارتجفت ليلى عندما قرأت الرسالة. "لا تثقي به." كلمات قليلة، ولكنها كانت كافية لتهز أركان عالمها الهادئ. من يكون هذا الشخص؟ وما هو الغرض من هذه الرسالة؟ وهل تقصد يوسف؟ سؤال يتردد في ذهنها، كصدى قاتم في فضاء مظلم.
نهضت من سريرها، وأضاءت مصباح الغرفة. جلست على حافة السرير، ويداها ترتجفان. حاولت تجاهل الرسالة، واعتبارها مجرد مزحة سخيفة أو محاولة مضايقة. ولكن، أعماقها كانت تصرخ بأن هناك شيئاً أكثر من ذلك. كان هناك خوف عميق، شعور بأن هذا الغموض قد يكون له أصل حقيقي.
لم تستطع النوم مرة أخرى. قضت بقية الليل جالسة، تفكر في كل كلمة قالها يوسف، في كل نظرة، في كل تصرف. كانت تحاول أن تجد أي شيء يثير الشك، أي شيء يمكن أن يدعم هذه الرسالة المشؤومة. ولكن، كل ما وجدته كان رجلاً طيباً، مهذباً، يظهر الاحترام والتقدير.
مع أول ضوء للفجر، قررت ليلى أن تشارك هذا الأمر مع والدتها. لم تستطع الاحتفاظ به لنفسها. ربما تستطيع والدتها أن تساعدها في فهم الأمر، أو على الأقل، أن تطمئنها.
"أمي،" قالت ليلى وهي تجلس على مائدة الإفطار. "هل لديكِ دقيقة؟" نظرت إليها السيدة أمينة بقلق. "ما بك يا ابنتي؟ تبدين متعبة." "لقد تلقيت رسالة غريبة الليلة الماضية." "رسالة؟ من؟" "رقم مجهول. تقول... تقول 'لا تثقي به'." اتسعت عينا السيدة أمينة. "لا تثقي به؟ ومن هو 'هو'؟" "لا أدري. ولكنني أشعر أنها قد تكون عن يوسف." تنهدت أمينة. "يا ليلى، في هذه الأيام، الكثيرون يلعبون بالأرقام المجهولة. قد تكون مجرد كذبة. هل رأيتِ أي شيء يثير الشك في يوسف؟" "لا يا أمي. بالعكس. كل شيء يبدو على ما يرام. ولكني أشعر بالقلق." "القلق طبيعي، خصوصاً في هذه الأمور. ولكن، لا تدعي شكوك الآخرين تفسد عليكِ ما هو في يدك. يوسف رجل يبدو أنه يحترمك ويخاف الله. وقد ذكرتِ لي ذلك بنفسك." "أعلم يا أمي. ولكني لا أستطيع أن أنسى هذه الرسالة. أشعر بأنها قد تحمل معنى."
في هذه الأثناء، كان يوسف يقوم ببحث مضنٍ. كان يبحث عن معلومات عن الشركة التي يعمل فيها، وعن سجلات الموظفين القدامى. كان يبحث عن أي دليل قد يساعده في العثور على الشخص الذي قد يكون له مصلحة في إلحاق الأذى به، أو في تشويه سمعته.
ذهب إلى مكتبته المفضلة، وبدأ يتصفح سجلات قديمة. كان يبحث عن اسم شخص كان قد تعامل معه في الماضي، شخص كان له علاقة بمشاكل مالية معقدة. هذا الشخص، ويدعى "سمير"، كان قد حاول في السابق ابتزازه، ولكنه فشل. كان يوسف يخشى أن يكون سمير هو من يقف وراء أي محاولة للإضرار به.
"هل لديك أي معلومات عن سجلات الموظفين من عام 2015؟" سأل أمين المكتبة. نظر أمين المكتبة إلى يوسف. "من عام 2015؟ هذا قديم جداً. هل تعرف اسم الشخص الذي تبحث عنه؟" "نعم. اسمه سمير. سمير عبد الرحمن." حاول أمين المكتبة البحث في الأرشيف. "سمير عبد الرحمن... لا أجد اسماً بهذا القدر من الشهرة في سجلاتنا. هل أنت متأكد من الاسم؟" "متأكد. لقد تعاملت معه في قضية معقدة." "ربما لم يكن موظفاً رسمياً، بل كان متعاقداً أو مستشاراً؟" "لا أستطيع أن أجزم. ولكنني أخشى أن يكون هو وراء هذه المشاكل." شعر يوسف بالإحباط. يبدو أن سمير بارع في الاختفاء.
في وقت لاحق من ذلك اليوم، اتصلت ليلى بيوسف. "مرحباً يوسف." "أهلاً ليلى. كيف حالك؟" "بخير، الحمد لله. هل انتهيت من صلاة الاستخارة؟" "نعم. وما زلت أشعر بالارتياح تجاهك. هل حدث شيء؟ تبدو نبرة صوتك مختلفة." ترددت ليلى. هل تخبره؟ أم تحتفظ بالرسالة لنفسها؟ "لا شيء خطير. فقط، كنت أفكر. وربما... ربما أود أن أرى المزيد من الوضوح حول بعض الأمور." "ما هي الأمور يا ليلى؟ أنا مستعد لسماعها." "فقط، أشعر بأن هناك الكثير مما لا أعرفه عنك. عن ماضيك." تنهد يوسف. لقد كان خائفا من هذه اللحظة. "ليلى، كما تعلمين، أنا انتقلت إلى هنا من أجل العمل. وهناك بعض الظروف التي... التي لم أستطع مشاركتها بعد." "هل هي ظروف سيئة؟" "ليست بالضرورة سيئة، ولكنها معقدة. ولست متأكداً من أنني أستطيع الحديث عنها الآن. ولكن أعدك، عندما يكون الوقت مناسباً، سأشاركك كل شيء." "الوقت المناسب؟ متى سيكون هذا الوقت يا يوسف؟" "عندما أشعر بأننا أصبحنا أقوى، وأن ثقتنا ببعضنا البعض تزداد." شعرت ليلى بأن كلماته تزيد من حيرتها. لم تكن تفهم سبب هذا الإخفاء.
في غضون ذلك، كان هناك شخص آخر يتتبع خطى ليلى. كان "أحمد"، الشاب الذي كان يحلم بليلى، والذي كان يشعر بالغيرة تجاه يوسف. كان يراقب تحركاتها، ويستمع إلى أحاديثها. لقد سمع ليلى وهي تتحدث مع والدتها عن الرسالة الغامضة.
"لا تثقي به..." همس أحمد لنفسه بابتسامة ماكرة. "سأساعدك يا ليلى على اكتشاف الحقيقة. سأكشف لكِ عن وجهه الحقيقي." كان أحمد يرى في هذه الفرصة فرصة سانحة. فرصة لضرب عصفورين بحجر واحد. إبعاد يوسف عن حياة ليلى، وإظهار نفسه كمنقذ.
في المساء، وبينما كانت ليلى تبحث عبر الإنترنت عن عطر جدتها، وقعت عيناها على متجر إلكتروني قديم. كان المتجر متخصصاً في العطور النادرة، وكان لديه قسم خاص بالعطور الشرقية القديمة. شعرت بوميض أمل. بدأت تتصفح المنتجات، وبدأت تشم عبق الذكريات.
"هل يمكن أن يكون هذا هو؟" تساءلت في نفسها، وهي ترى صورة زجاجة عطر تشبه إلى حد كبير تلك التي وجدتها والدتها. كانت الزجاجة تحمل اسماً غريباً، ولكن الوصف المكتوب أسفلها ذكر مكونات مشابهة جداً للعطر الذي كانت جدتها تستخدمه.
"سأطلبها،" قررت ليلى. "حتى لو لم تكن هي تماماً، فهي على الأقل تثير الذكريات." بينما كانت تضع طلب الشراء، تلقت إشعاراً جديداً على هاتفها. هذه المرة، لم يكن رقم مجهول، بل كان رقماً حقيقياً. كان الرقم لشخص تعرفه.