الحب الحلال 186
سرٌّ يختبئ خلف حجاب العادات
بقلم سارة العمري
تسلل شعاع الشمس الخجول عبر ستائر غرفة سارة، يرسم خطوطًا ذهبية على وجهها النائم. استيقظت بتثاقل، لكن ثقلًا آخر كان يطبق على صدرها، ثقلٌ لا يتعلق بالنوم، بل بقلقٍ بات ضيفًا دائمًا. كان يومًا يفترض به أن يكون يوم فرح، يومٌ تترقب فيه نهاية رحلةٍ بدأت بخطبةٍ مباركة، لكنه أصبح محفوفًا بالغيوم.
جلست على طرف السرير، ونظرت إلى الهاتف الذي كان يرقد صامتًا بجانبها. لم تأتِ منه رسالةٌ واحدة من "عمر"، ولم تتلقَّ منه اتصالًا منذ لقائهما الأخير الذي لم تكن كلماته فيه واضحة تمامًا. كان الأمر أشبه بمن يقف على حافة هاوية، لا يدري ما يخبئه له الغد.
تنهدت سارة بعمق، محاولةً طرد الأفكار السوداء. تذكرت نصيحة والدتها: "يا ابنتي، الثقة بالله والتوكل عليه مفتاح كل خير. لا تدعي الشك يساورك في قلبٍ عرف الإيمان." لكن القلب، في لحظات الضعف، قد يتيه في متاهات الظنون.
نزلت إلى المطبخ، حيث كانت والدتها تعدّ فطورًا شهيًا. رائحة الهيل والقهوة تفوح في المكان، تبعث على الهدوء، لكن سارة لم تجد فيه عزاءً. "صباح الخير يا أمي." قالت بصوتٍ بالكاد مسموع. "صباح النور يا حبيبتي. تبدين شاردة الذهن." أجابت الأم بنبرةٍ حنون. "هل هناك ما يقلقك؟"
تلمست سارة يد والدتها، وشعرت بدفءٍ وحنانٍ اعتادت عليهما. "لا شيء يا أمي، مجرد تفكير في ترتيبات العرس." كذبةٌ بيضاء، حاولت أن تبني بها جسرًا فوق هوة القلق. "قلقٌ طبيعي يا عزيزتي. كل فتاةٍ مقبلة على الزواج تمر بهذه المشاعر. لكن لا تقلقي، كل شيء يسير على ما يرام." قالت الأم مطمئنةً، بينما كانت تضع طبقًا من الفاكهة أمامها.
بعد الفطور، قررت سارة أن تذهب إلى المكتبة، بحثًا عن بعض الكتب التي قد تلهيها عن تفكيرها. كانت المكتبة ملاذها الدائم، حيث تجد في عوالم الكتب راحةً لا تضاهيها راحة. وبينما كانت تتصفح رفوف الأدب القديم، وقعت عيناها على كتابٍ قديمٍ بغلافٍ جلديٍ مهترئ. كان بعنوان "ديوان شعراء العرب في عصر الجاهلية". فضولها دفعها لفتحه.
لم تمر دقائق حتى انجذبت إلى قصيدةٍ قديمة، كلماتها قوية ومعانيها عميقة. أثناء قراءتها، شعرت بأنها تقرأ شيئًا له صلةٌ غامضةٌ بحياتها. لفت انتباهها بيتٌ معين، تكرر ذكره بأساليب مختلفة في القصيدة: "ما أخفاه القلب، لا يخفيه زمان."
لم تفهم ما يعنيه هذا البيت تمامًا، لكنه أثار فيها شعورًا بالريبة. في تلك اللحظة، رأت من بعيدٍ رجلاً يرتدي ملابس أنيقة، ويمشي بخطواتٍ مسرعةٍ نحو قسم الكتب التاريخية. كان هو. عمر.
شعرت سارة بنبضات قلبها تتسارع. هل جاء ليبحث عنها؟ أم أن لقاءه بها كان صدفةً بحتة؟ حاولت أن تتماسك، وأن تبدو طبيعية. اختبأت خلف أحد الرفوف، تراقب حركاته.
لاحظ عمر غيابها، وتجول ببصره في أرجاء المكتبة. بدا عليه بعض الارتباك. ثم، وكأنه شعر بوجودها، التفت باتجاه الرف الذي كانت فيه. اقتربت سارة منه ببطء، وقد عقدت العزم على معرفة ما يجري. "عمر؟" نادت بصوتٍ مرتجف. التفت عمر بسرعة، وبدت على وجهه علامات الدهشة والارتياح. "سارة؟ لم أتوقع أن أراكِ هنا." "وأنا أيضًا. هل تبحث عن شيءٍ ما؟" سألت، محاولةً التقاط أنفاسها. "كنت أبحث عنكِ." اعترف عمر، ونبرة صوته حملت معها ثقلًا لم تسمعه من قبل. "لديَّ أمرٌ مهمٌ أريد إخباركِ به."
تقدمت سارة خطوة، وقلبها يخفق بقوة. "ما هو؟" نظر عمر حوله، ثم أمسك بيدها برفق، واقترح: "لنتحدث في مكانٍ أكثر خصوصية."
اقتادها إلى زاويةٍ هادئةٍ جدًا في المكتبة، حيث كانت هناك نافذةٌ كبيرةٌ تطل على حديقةٍ صغيرة. الشمس كانت قد بدأت بالانحدار، ملقيةً بظلالٍ طويلة. "سارة،" بدأ عمر، وعيناه تبحثان عن كلماتٍ مناسبة، "الأيام القادمة مهمةٌ جدًا لنا. وأنا... أنا أخشى أن أكون قد تركتُ شيئًا ما دون أن أخبركِ به."
شعرت سارة ببرودةٍ تسري في عروقها. "ماذا تقصد؟" "هناك ماضٍ... لم أكن صريحًا بشأنه معكِ ومع عائلتكِ. شيءٌ حدث قبل فترةٍ طويلة، يتعلق بوالدي."
توقفت سارة، وشعرت بأن الأرض تدور بها. "والدك؟ ماذا عن والدك؟" "والدي... كان له ديونٌ كبيرةٌ. وديونٌ لم تكن بسيطة. حاول أن يخرج منها، لكنه لم يستطع. وفي لحظة يأس، لجأ إلى... طرقٍ غير مشروعة."
ازدادت نظرات سارة ارتباكًا. "طرق غير مشروعة؟ ماذا فعل؟" "لقد تورط في قضيةٍ... تبين فيما بعد أنها احتيال. وأنا، كنتُ في ذلك الوقت قريبًا جدًا منه، وكنتُ على علمٍ بما كان يفكر به. لم أستطع أن أمنعه، ولم أستطع أن أفعل شيئًا في حينها. وبعد أن انكشفت الحقيقة، وبسبب اسم عائلتنا، اضطررتُ للخروج من البلاد لفترةٍ حتى تهدأ الأمور."
كانت كلمات عمر كالصواعق تضرب قلب سارة. لم تتوقع أبدًا شيئًا كهذا. عمر، الشاب المهذب، ذو الأخلاق الرفيعة، الذي احترم عاداتها وقيمها... هل كان يخفي كل هذا؟ "لماذا لم تخبرني؟" سألت بصوتٍ مختنق. "كنتُ خائفًا، يا سارة. خائفًا أن أخسر كل شيء. وخائفًا أن أفقدكِ. اعتقدتُ أنني سأجد طريقةً لتسوية الأمر قبل أن يصل الأمر إلى هنا. لكن الأمور تعقدت أكثر مما توقعت."
"وهل تم تسوية الأمر؟" سألت سارة، وعيناها تلمعان بالدموع. "لا... ليس بالكامل. هناك بعض الأمور التي ما زالت عالقة. والبعض الآخر... يعتمد على موافقة بعض الأشخاص. وهو ما جعلني أتردد في إخباركِ."
"يعني... يعني أنت لا تستطيع الزواج مني؟" سألت بصوتٍ يرتعش. "ليس بالضرورة. لكن... يجب أن تعرفي الحقيقة كاملة. وأنا مستعدٌ لتحمل مسؤولية أي قرارٍ تتخذينه. فقط... أردتُ أن أكون صادقًا معكِ قبل فوات الأوان."
نظرت سارة إلى عمر، ورأت في عينيه مزيجًا من الندم والخوف والأمل. شعرت بأنها تقف عند مفترق طرقٍ صعب. هل تتخلى عن حبها بسبب خطأٍ ارتكبه والده، خطأٌ لم يكن هو مسؤولًا عنه بشكلٍ مباشر، لكنه أثر على مسيرته؟ أم أنها ستثق به، وتساعده على تجاوز هذه المحنة؟
"عمر،" قالت سارة بصوتٍ قوي، رغم الدموع التي كانت تترقرق في عينيها، "الحب الحقيقي لا يبنى على الكمال، بل على الصدق والتسامح. أنت لم تخطئ. لكن إخفاؤك للأمر هو الخطأ." "أنا أعرف ذلك، وأعتذر بشدة." "المهم الآن، هو كيف سنتجاوز هذا. هل لديك خطة؟"
ابتسم عمر بامتنان. "لديَّ بعض الأفكار. لكنني أحتاج إلى مساعدتكِ، وإلى دعم عائلتكِ." "سأتحدث مع والديّ." قالت سارة بعزم. "لكنني أحتاج منك شيئًا واحدًا." "ماذا؟" "أن تخبرهما بكل شيء. وبكل صدق."
أومأ عمر برأسه، وشعر بأن عبئًا قد أزيح عن كاهله. في تلك اللحظة، أدرك أن الحب، في صورته الحلال، لا يتطلب فقط الالتزام بالعادات والتقاليد، بل يتطلب أيضًا الصدق والشجاعة في مواجهة الحقائق، مهما كانت صعبة.
خرج عمر من المكتبة، تاركًا سارة في حيرةٍ من أمرها، لكنها كانت حيرةً مشوبةً بالأمل. كانت تعلم أن الطريق لن يكون سهلًا، وأن هناك الكثير من التحديات التي تنتظرها. لكنها كانت مستعدةً لخوضها، من أجل حبٍ آمنت به، ومن أجل مستقبلٍ أرادت أن تبنيه مع من اختار قلبها.
*
في منزل عائلة سارة، كان الهدوء يخيم، لكنه هدوءٌ ما قبل العاصفة. والدتها كانت تجهز نفسها لاستقبال ضيوفٍ سيعقدون معها اجتماعًا هامًا. لم تفهم سارة تمامًا ما يدور، لكنها شعرت بأن هناك شيئًا خطيرًا يحدث.
"ما هو هذا الاجتماع يا أمي؟" سألت سارة قبل أن تغادر والدتها. "لا تقلقي يا حبيبتي، إنه أمرٌ عائليٌ بسيط." أجابت والدتها بابتسامةٍ حاولت أن تكون مطمئنة.
لكن سارة لم تكن مطمئنة. شعرت بأن هناك سرًا يختبئ خلف حجاب العادات، سرًا سيغير كل شيء. نظرت إلى هاتفها، تتمنى لو أن عمر يظهر فجأةً ويخبر كل شيء، ليضع حدًا لهذه الحيرة. لكنه لم يفعل.
نظرت إلى والدها الجالس في صمتٍ في غرفة الجلوس. بدا عليه التفكير العميق. "أبي، هل أنت بخير؟" "بخير يا ابنتي. فقط... بعض الأمور التي تتطلب التفكير." "هل لها علاقة بعمر؟" تردد الأب للحظة، ثم قال: "ربما. علينا أن نكون مستعدين لأي شيء."
شعر سارة بأنها وحيدة وسط عائلتها. لم تفهم ما الذي يحدث، ولماذا الجميع يتصرفون بهذه الغموض. هل كان الأمر يتعلق بديون عمر؟ هل وصل الخبر إلى عائلتها؟ في تلك اللحظة، رن هاتفها. كان عمر.