الحب الحلال 186
لقاءٌ يكشف المستور
بقلم سارة العمري
كانت المكالمة من عمر بمثابة بصيص أملٍ في وسط الظلام الذي كان يلف قلب سارة. أجابته بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتًا، رغم ما يعصف بها من قلق. "نعم عمر؟" "سارة، هل تسمعينني جيدًا؟" سأل عمر بصوتٍ متوتر. "لا يمكنني البقاء طويلًا، لكنني أردتُ أن أخبركِ بشيءٍ هام جدًا." "أنا أسمعك. قل ما لديك." "الاجتماع الذي ستعقده عائلتكِ... هل هو بسبب...؟"
قاطعه سارة: "بسبب ماذا؟ هل تعرف شيئًا؟" "نعم. أعرف. والدي... والدي كان له علاقاتٌ مع بعض الأشخاص... أشخاصٌ لا يريدون أن ينكشف أمرهم. ويبدو أنهم وصلوا إلى عائلتكِ."
شعرت سارة بالدوار. "ماذا؟ من هم هؤلاء الأشخاص؟ وما علاقتهم بعائلتي؟" "هؤلاء الأشخاص... كانوا شركاء لوالدي في بعض أعماله. وأعمالهم لم تكن نظيفة. لقد استغلوا اسم والدي، ومن ثم... بدأت الأمور تتكشف. وعندما حاول والدي التراجع، وجد نفسه مهددًا. ويبدو أنهم علموا بخطبتكِ لي، ويريدون استغلال هذا الوضع لصالحهم. إما بتشويه سمعتكِ، أو بابتزاز عائلتكِ."
كانت كلمات عمر قاسية، ومؤلمة. سارة لم تستطع أن تستوعب كل شيء دفعة واحدة. "يعني... يعني أنهم يهددوننا؟" "ليس تهديدًا مباشرًا، ولكن... ضغوطًا. ضغوطًا سياسية واجتماعية. حاولوا إقناعي بالابتعاد عنكِ، وتقديم عرضٍ لعائلتكِ... عرضٌ يبدو مغريًا ظاهريًا، ولكنه يخفي وراءه الكثير من الشروط."
"ما هو هذا العرض؟" سألت سارة، وقلبها ينبض بعنف. "إنهم يعرضون على عائلتكِ استثماراتٍ كبيرة، ومشاريع مشتركة. مقابل... مقابل إقناع والدكِ بالصمت عن بعض الأمور التي يعرفها عن والدي وعنهم. وفي المقابل، يضمنون لي... وعدًا بتسوية بعض ديون والدي، ومنحي فرصةً للعمل بحرية."
"وهذا ما جعلك تتردد في إخباري؟" سألت سارة، ونبرة صوتها تحمل مزيجًا من الغضب والحزن. "لم أكن أريد أن أدخل عائلتكِ في دوامةٍ كهذه. وأنا... أنا كنتُ أحاول أن أجد طريقةً للتخلص من كل هذا بنفسي. لكن يبدو أن الوقت قد نفد."
"عمر،" قالت سارة بنبرةٍ حاسمة، "الصدق هو الأساس. وأنا أقدر صراحتك الآن، مهما كان الثمن. نحن سنتعامل مع هذا كعائلة. وسأخبر والديَّ بكل شيء." "أتفهم. وسأكون مستعدًا لأي شيء. سأذهب إلى منزلكِ بعد الاجتماع، لنواجه الأمر معًا."
أغلقت سارة الهاتف، وشعرت بأنها دخلت في معركةٍ جديدة. نظرت إلى والدها، الذي كان لا يزال جالسًا في صمته. "أبي،" قالت سارة، "علينا أن نتحدث. الأمر أكبر مما تتخيل."
بدأت سارة في سرد كل ما أخبرها به عمر. والدها استمع بانتباهٍ شديد، وعلامات القلق بدأت تظهر على وجهه. "إذًا، هؤلاء الأشخاص... هم من يقفون وراء كل هذه الضغوط؟" سأل الأب. "هذا ما يبدو، أبي." "ولماذا يريدون إيذائنا؟" "لأنهم يعلمون أنك تعرف شيئًا عن والدهم، وعن أعمالهم. ويريدون إسكاتك. وهم يعلمون أنهم إذا أفسدوا علاقتنا بعمر، فقد يجدون طريقةً للضغط عليك."
أمسك الأب بذقنه، وهو يفكر بعمق. "هذا أمرٌ خطيرٌ جدًا. لا يمكننا التساهل فيه." "ماذا سنفعل يا أبي؟" "سنتحدث مع عمر. وسنسمع منه كل شيء. ثم سنقرر. لا تخافي يا ابنتي. نحن عائلةٌ واحدة، وسنتجاوز هذا معًا."
وصل عمر إلى منزل سارة بعد أن انتهى الاجتماع. كان الجو متوترًا. والد سارة أصر على استقباله بنفسه. "تفضل يا عمر. اجلس." قال الأب بهدوء. "شكرًا لك يا عمي." "سارة أخبرتني ببعض ما يدور. أريد منك أن تخبرني كل شيء. بدون أي تحفظات."
بدأ عمر في سرد القصة من البداية. تحدث عن والده، عن ديونه، عن تورطه في أعمالٍ مشبوهة. وعن الأشخاص الذين كان يتعامل معهم. وعن محاولاتهم الأخيرة لابتزاز عائلته. "لقد عرضوا عليَّ صفقة، يا عمي. عرضوا عليَّ المال، والمستقبل. مقابل أن أترك ابنتكِ، وأن تقنعها بالتخلي عني. وأنا... رفضت."
"ولماذا لم تخبرنا من قبل؟" سأل والد سارة بنبرةٍ قاسية. "كنتُ خائفًا. خائفًا أن أضع سارة في موقفٍ صعب. وخائفًا أن أخسرها. وكنتُ أحاول أن أجد طريقةً للخروج من هذا المأزق بنفسي. لكني فشلت."
نظرت سارة إلى عمر، ورأت في عينيه الندم والإصرار. "أبي،" قالت سارة، "عمر لم يخطئ. خطأ والده ليس خطأه. وهو الآن يحاول تصحيح الأمور." "لكن هذا الأمر يمس عائلتنا يا سارة. قد يدخلنا في مشاكل نحن في غنى عنها."
"وهل سنتركهم يفرضون علينا ما يريدون؟" ردت سارة بحزم. "هل سنسمح لهم بتهديدنا، والسيطرة علينا؟" صمت الأب لحظة، ثم قال: "لا. لن نسمح لهم بذلك."
"هؤلاء الأشخاص،" تحدث عمر، "لا يريدون شيئًا سوى المال والقوة. وهم يعتمدون على خوف الناس منهم. إذا واجهناهم بقوةٍ وحزم، فإنهم سينسحبون."
"ولكن كيف نواجههم؟" سأل والد سارة. "لديهم نقاط ضعف. نقاط ضعف قانونية. وأنا أملك بعض الوثائق التي تثبت تورطهم في أمورٍ مخالفة للقانون. إذا تمكنتُ من إيصالها إلى الجهات المختصة، فقد ينتهي الأمر."
"وهل أنت متأكد من ذلك؟" "نعم. لقد احتفظتُ ببعض الأدلة. خوفًا مما قد يحدث."
"إذًا،" قال والد سارة، وقد اتخذ قراره، "سنواجههم. لن ندعهم يفسدون حياتنا. عمر، سأقف معك. وسنرى ما يمكننا فعله." شعرت سارة بالارتياح. نظرت إلى عمر، وابتسمت له. في تلك اللحظة، أدركت أن حبهما، رغم كل التحديات، قويٌ بما يكفي لمواجهة أي صعاب.
لكن، في زاويةٍ أخرى من المدينة، كان هناك رجلٌ يراقب كل شيء. رجلٌ لا يريد الخير لسارة ولا لعمر. رجلٌ كان يعدُّ خطته الأخيرة للانتقام.