الفصل 2 / 25

الحب الحلال 186

همسات من الماضي تحت قمر الشام

بقلم سارة العمري

بعد ثلاثة أيام من لقائها الأول في مكتبة الأزهر، كانت ليلى تجلس في إحدى المقاهي المطلة على ساحة الجامع الأموي في دمشق، تحت ضوء قمر شامي ساطع، يلقي بظلاله الفضية على المنائر العتيقة. لم تكن ليلى من هواة السفر العشوائي، لكن الدعوة الغامضة التي تلقتها، والتي حملت توقيعاً مجهولاً، دفعتها لقطع كل ارتباطاتها والتفكير بعمق. كانت الرسالة، التي وصلت عبر بريد إلكتروني مشفر، تحتوي على عنوان ثابت في دمشق، وطلب صريح بالحضور لمناقشة "حقيقة الظاهرة الفلكية التي تربط بين حضارتين".

لم تستطع ليلى تجاهل هذا. لطالما آمنت بأن البحث العلمي يجب أن يتجاوز الحدود الجغرافية، وأن كنوز المعرفة موزعة على امتداد الأرض. دفعت هذه الرغبة، إلى جانب فضولها المتأصل، إلى حزم حقائبها والسفر إلى قلب الشام، مدينة التاريخ والحضارة.

ارتدت ليلى ملابس محتشمة، لكنها أنيقة، تناسب أجواء دمشق التاريخية. وشاح حريري بلون زمردي يلتف حول شعرها الأسود، يخفي منه خصلة متحررة، وعباءة واسعة بلون بيج، تبرز جمال العينين اللتين تبحثان عن الإجابات. كانت تتناول قهوتها ببطء، تتأمل الوجوه التي تمر، وتستمع إلى همسات اللغة العربية الجميلة التي تملأ المكان.

كانت تشعر ببعض التوتر. لم تعرف من هو الشخص الذي دعاها، ولا ما هي طبيعة "الحقيقة" التي يريد مناقشتها. هل هي تتعلق بالرمز الذي وجدته في المخطوطة؟ أم بشيء آخر تماماً؟

وفجأة، وقفت أمام طاولتها شخصية مألوفة. كان أحمد، الرجل الذي قابلته في مكتبة الأزهر. لم تتوقع رؤيته هنا، في هذا المكان بالذات.

"ليلى؟" قال بصوت هادئ، يحمل دهشة ممزوجة بالارتياح. "لم أتوقع أن ألتقي بكِ مجدداً، وخاصة هنا في دمشق."

ابتسمت ليلى، حاولت أن تخفي مفاجأتها. "وأنا أيضاً يا سيد أحمد. يبدو أن أقدارنا تتشابك في أماكن غير متوقعة."

"ربما هذه هي طبيعة الأقدار،" أجاب أحمد، وجلس على الكرسي المقابل لها دون استئذان، لكن بأسلوب يحمل احتراماً كبيراً. "هل أنتِ هنا بسبب الرسالة؟"

توسعت عينا ليلى. "كيف علمت؟"

"لأنني أنا من أرسلتها،" قال بهدوء. "ولم أتوقع أن تستجيبي لهذه الدعوة الغامضة بهذه السرعة."

شعرت ليلى بأن الأرض تدور بها. أحمد؟ هو من أرسل الرسالة؟ هو من يعرف عن بحثها؟ "لكن، كيف...؟"

"دعيني أشرح،" قال أحمد، ممسكاً بكوب قهوته. "لقد رأيتكِ في المكتبة، وبدت عليكِ علامات الانشغال العميق. ثم سمعت سؤالكِ عن مخطوطة الزهراوي، وتعرفت على اهتمامكِ بالطب القديم، والذي غالباً ما يتداخل مع الفلك في الأزمان الغابرة. عندما رأيتكِ تنظرين إلى الرمز على صفحة المخطوطة، شعرت أن هناك شيئاً مشتركاً بيننا."

"الرمز؟" سألت ليلى، وقلبها يخفق بعنف.

"نعم، الرمز. إنه مفتاح، كما ذكرتِ في رسالتكِ. أنا أيضاً أبحث عن معناه، وعن قصة خلفه."

"لكنك لم تذكر لي شيئاً في المكتبة،" قالت ليلى، متذكرة لقاءهما السريع.

"لم تكن هناك فرصة،" أجاب أحمد. "ولم أكن متأكداً حينها من مدى جدية بحثكِ. لذا، قررت أن أرسل لكِ تلك الرسالة، لدعوتكِ لمكان أراه مناسباً لمثل هذه الأسرار."

"وهذا المكان هو دمشق؟"

"نعم، دمشق. مدينة تحمل أسراراً لا تحصى، وتاريخاً يمتد لآلاف السنين. الأسرار الفلكية التي تبحثين عنها، قد تجدين لها صدى هنا، في هذا المكان الذي شهد ميلاد حضارات عديدة، واحتضن علماء أضاءوا دروب المعرفة."

وبدأ أحمد يروي قصته. كان مؤرخاً، متخصصاً في العلوم الإسلامية القديمة، وله اهتمام خاص بعلم الفلك والتنجيم عند العرب. لقد قضى سنوات في البحث عن أدلة تربط بين ظواهر فلكية غريبة، تم تسجيلها في نصوص قديمة، وبين أحداث تاريخية كبرى. كان الرمز الذي وجدته ليلى، هو نفسه الذي عثر عليه في عدة مخطوطات متفرقة، لكن أحداً لم يربطه بظاهرة محددة.

"لقد وجدت إشارات إلى كسوف استثنائي، تزامناً مع ما وصفه البعض بـ 'هطول نجوم'. ولم يتمكن أي عالم من تفسير ذلك. ولكن، هناك نظرية قديمة، تتحدث عن 'التزامن الكوني'، حيث يمكن للأحداث الفلكية أن تؤثر بشكل مباشر على الأحداث الأرضية. وهذه النظرية، يا ليلى، هي ما أقودني إلى البحث عن 'السر الأبدي'."

"السر الأبدي..." همست ليلى، متذكرة الكلمات التي كُتبت على الورقة. "ثم، ماذا عن 'التقاء الأنهار بالبحر'؟"

"هذا هو المكان الذي نبحث فيه،" قال أحمد، وأشار بيده نحو الجهة المقابلة للجامع الأموي، حيث تطل على مدينة دمشق العتيقة. "هناك، في قلب المدينة القديمة، حيث تلتقي شوارع الماضي بشوارع الحاضر، وحيث يتدفق نهر بردى، وكأنه يصب في بحر من الذكريات. هناك، أعتقد أننا سنجد الإجابة."

شعرت ليلى بأن هذا الرجل ليس مجرد مؤرخ، بل هو باحث شغوف، يشاركهما نفس الشغف ونفس الروح الاستكشافية. لم يكن لديها أدنى شك في صدقه، أو في أهمية دعوته. كان لقاءهما الأول في المكتبة، مجرد بداية. والآن، في دمشق، تحت سماء عربية أصيلة، تتلاقى الدروب، وتتضح الرؤى.

"لقد أخبرتني أنت أيضاً بـ 'الرمز' و 'المفتاح' في رسالتك،" قالت ليلى، وهي تنظر إلى أحمد بعمق. "يبدو أننا لسنا مجرد باحثين، بل وكأننا جزء من قصة أكبر."

"بالضبط،" قال أحمد، وابتسامة خفيفة ترتسم على وجهه. "وأنا أعتقد أن هذه القصة، هي قصة 'الحب الحلال 186'."

صدمت ليلى بهذا الاسم. "الحب الحلال؟ وما علاقة هذا ببحثنا؟"

"كل شيء،" قال أحمد. "لقد اخترت هذا الاسم الرمزي لعملنا، لأنه يمثل ما نسعى إليه: البحث عن الحقيقة، عن المعرفة، وعن الحب الذي يرتكز على القيم الرفيعة، وعلى الاحترام المتبادل، وعلى التقوى. رقم 186؟ إنه مجرد عدد، يمثل شيئاً خاصاً بي."

كانت كلمات أحمد تحمل وعداً، وعداً بمغامرة تتجاوز حدود العلم، وعداً بعلاقة إنسانية نبيلة. شعرت ليلى بأن قلبها يرقص مع كل كلمة، ومع كل نظرة. لم تكن هذه مجرد علاقة عمل، بل كانت بداية لرحلة مشتركة، رحلة قد تحمل في طياتها اكتشافات علمية، واكتشافات أعمق عن الذات وعن الآخر.

"أنا مستعدة، يا سيد أحمد،" قالت ليلى، ورفعت كوب قهوتها. "فلنبحث عن 'الحب الحلال 186'."

رفع أحمد كوب قهوته، وانضمت شفتاه إلى شفاهها في تحية صامتة. كانا على وشك خوض غمار مجهول، ولكن مع شعور بالأمان، وبالثقة، وببداية حب طاهر، لا يعتمد على المظاهر، بل على جوهر النفوس.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%