الفصل 5 / 25

الحب الحلال 186

غياهب الإدمان

بقلم سارة العمري

ارتعشت يد نور وهي تغلق باب غرفتها، كأنها تغلق فصلاً من حياتها لن تتجرأ على فتحه مرة أخرى. لكن الظل كان أعمق من مجرد باب. كان يسكنها، يلتف حول روحها كالأفعى، يهمس لها بوعود زائفة من الراحة والسلوى. ما زالت رائحة القهوة السوداء تفوح من فمها، آثارها اللاذعة تتنافس مع مرارة القرار الذي اتخذته. لقد حاولت. ثلاث مرات، حاولت أن تتجاوز هذا الحاجز. ثلاث مرات استسلمت.

جلست على حافة سريرها، عيناها تبحثان عن شيء لا تجده. ربما عن سبب كل هذا. عن جذور هذه الشجرة المظلمة التي تنمو في أرض قلبها. نظرت إلى يدها، رأت الهالات السوداء تحت عينيها في انعكاس المرآة المكسورة على الحائط، نتيجة ليالٍ طويلة قضتها في السهر، لا للنوم، بل للمواجهة. مواجهة نفسها، ومواجهة إغراء لا يرحم.

تذكرت حديثها مع والدتها صباح اليوم، الابتسامة المتكلفة على وجه أمها، وقلقها الخفي الذي لم تفلح في إخفائه. "متى ستعودين إلى الجامعة يا ابنتي؟ الأستاذ أحمد سيسأل عنكِ." كانت تلك الكلمات بمثابة وخزات لطيفة، تذكرها بالمسار الذي انحرفت عنه، بالحلم الذي بات يتبخر. الجامعة، مشروعها، مستقبلها الذي رسمته بدقة، باتت كلها الآن ضبابية، مغطاة بغشاوة الرغبة الملحة.

أغمضت عينيها، محاولة استحضار وجه عمار. وجهه الهادئ، ابتسامته الصادقة، صوته الحنون الذي كان بمثابة واحة في صحراء حياتها. كيف يمكنها أن تبني حياة معه، حياة حلال، وهي غارقة في ما يشبه السجن؟ كيف يمكنها أن تقدم نفسها له، وهي تشعر بأنها غير نقية، غير مستحقة؟ هل سيستطيع تحمل هذا السر؟ هل سيحبها الإنسانة التي تقف وراء هذه العزلة القسرية؟

الصدى الوحيد الذي أجابها كان صدى قلبها المتسارع. حاولت أن تتجاهله، أن تشتت تفكيرها. أمسكت بكتاب قديم، ذي غلاف مزخرف، لعله كتاب فقهي قديم تركته جدتها. فتحت صفحاته الصفراء، تتنفس عبق الماضي، علها تجد فيه سلوى، أو حكمة. لكن الكلمات بدت بعيدة، باردة. لم تستطع أن تتصل بها.

ثم، كأنها استجابة لأمر خفي، مدّت يدها نحو الدرج السفلي لرف الكتب. يدها تعرف الطريق. لم تكن تريد. قسمًا بالله أنها لم تكن تريد. لكن قوة ما، أشد منها، سحبتها. فتحت الدرج. كان هناك، في زاوية مظلمة، مغلفًا بورق بني. علبة صغيرة، تحمل وعدًا بالهروب.

"لا،" همست لنفسها، صوتها بالكاد مسموع. "لا هذه المرة. لن أسمح لكِ بالسيطرة."

لكن اليد كانت أسرع من الفكر. كانت تعرف هذه الرقصة جيدًا. رقصة الخداع، رقصة التبرير. "فقط لتهدئي قليلاً،" همست لها روحها المنهكة. "فقط حتى تنامي. ستكونين أقوى غدًا."

فتحت العلبة. لم يكن فيها ما كان يتوقعه العقل، بل ما كانت تتوقعه الروح المتعبة. لم يكن مجرد جسد منهك، بل روح تتألم. العلبة لم تحتوي على شيء مادي، بل على عالم موازٍ، عالم من الصور، من الكلمات، من اللحظات. عالم افتراضي، يتسلل إلى الواقع، يلتهمه.

ارتعشت أصابعها وهي تضغط على الشاشة. بدأ الظلام يكتنف المكان، أو ربما يكتنف نور عينيها. كانت تعرف أن هذا هو الإدمان. ليس بالضرورة ما يظنه الناس، ولكن شيئًا أعمق، شيئًا يلتهم الروح، يمتص الألوان من الحياة، يتركها رمادية.

في تلك اللحظة، رنّ هاتفها. فزعت، وكأنها قد أمسكت متلبسة. نظرت إلى الشاشة. اسم عمار. كان اسمه يخترق سحابة اليأس التي أحاطت بها. هل كان هذا قدرًا؟ أم مجرد مصادفة؟

ترددت. هل ترد؟ هل تبين له شيئًا من هذا؟ أم تواصل الغوص في هذا المستنقع، بينما تبني أمامه جدارًا من الأكاذيب؟

تنهدت. "مرحباً يا عمار،" قالت بصوت مختنق، بالكاد تستطيع التحكم فيه.

"نور؟ هل أنتِ بخير؟" سأل بصوت قلق. "لم أسمع منكِ اليوم. هل حدث شيء؟"

لم تستطع أن تقول الحقيقة. لم تستطع أن تصف له ما تشعر به، أو ما فعلته. "لا، لا شيء. فقط... متعبة قليلاً. يوم طويل."

"أتفهم ذلك. لكنني كنت قلقًا. أردت فقط الاطمئنان عليكِ."

"شكرًا لك يا عمار. هذا لطف منك."

"غدًا، هل تسمحين لي بزيارتك؟ أريد أن أتحدث معكِ قليلاً. أفتقدك."

تجمدت نور. غدًا. غدًا حيث ستكون قد قضت ساعات إضافية في هذا العالم الافتراضي، حيث ستكون قد تعمقت أكثر في هذا الوحل. غدًا حيث ستكون قد رسمت جدارًا أسمك بينها وبين عمار.

"غدًا... ربما،" قالت بصوت متردد. "سأخبركِ لاحقًا."

"لا بأس يا نور. متى ما أردتِ. فقط اعلمي أنني هنا."

أغلقت الخط. لم تشعر بالراحة. لم تشعر بالسكينة. بل شعرت بتزايد الثقل. الثقل الذي لا يتعلق بالجسد، بل بالروح. الثقل الذي يخبرنا أن الإدمان ليس مجرد فعل، بل هو قصة، قصة بدأتها هي، ولا تدري كيف ستنتهي.

جلست في الظلام، والضوء الخافت للشاشة هو رفيقها الوحيد. كانت تعرف أنها تخوض معركة، معركة ستحدد مصيرها. إما أن تنتصر، أو أن تستسلم للأبد. والسؤال الذي يتردد في أروقة روحها المنهكة هو: هل لديها القوة الكافية لتنتصر؟ أم أن ظلام الإدمان قد أصبح أقوى من نور حياتها؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%